×
×

الفُتوّة في صدر الإسلام… كلمة واحدة ومعانٍ متعددة! 3/2

ظل اللفظ يستعمل أيضا بمعنى الشجاعة والفروسية، فقالوا: “لا سيف إلا ذو الفقار، ولا فتى إلا علي”، وعلي كما يروى، كان فارسا شجاعا.

تابعنا في الجزء الأول، الاستعمالات المتعددة لكلمة “فتوة” قبل ظهور الإسلام، وأساسا الفرق بينها وبين الصعلكة… في هذا الجزء الثاني، نواصل عرضنا لكتاب المفكر المصري أحمد أمين، “الصعلكة والفتوة في الإسلام”، ونتابع مختلف دلالات الكلمة بعد ظهور الإسلام.

حين ظهر الإسلام، استعمل القرآن لفظ “فتى” وصفا لإبراهيم، فيقول: “قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم”[1]، واستعمله كذلك وصفا لأهل الكهف: “إذ أوى الفتية إلى الكهف”[2].

في الموضعين، يحيل اللفظ على معنى الشباب.

اقرأ أيضا: إتلاف الكتب في صدر الإسلام… هذه حكاية نبذ العرب للكتابة 3/1

أما الجديد الذي أتى به الإسلام فكونه استخدم اللفظ للرقيق المملوك. جاء في الحديث: “لا يقولنّ أحدكم عبدي أو أَمَتي، ولكن ليقل فتاي أو فتاتي”[3].

استحسن صوفية العصر العباسي الكلمة ومعانيها، فأدخلوها إلى معجمها وعززوا من فضائلها.

بهذا المعنى ورد في مواضع معينة من القرآن أيضا، كآية “وإذ قال موسى لفتاه”[4] أو “ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء”[5].

الواقع أن استعمال هذا اللفظ في الرق شاع بعد ذلك، حتى إن أبا يوسف (من تلاميذ أبي حنيفة) سئل عمن قال أنا فتى فلان، فقال هو إقرار منه بالرق.

على أن اللفظ ظل يستعمل بمعنى الشجاعة والفروسية أيضا، فقالوا: “لا سيف إلا ذو الفقار، ولا فتى إلا علي”، وعلي كما يروى، كان فارسا شجاعا.

اقرأ أيضا: البيمارَسْتانات… مستشفيات العرب في صدر الإسلام! 1\3

أيضا لما مات مخلد بن المهلب وهو ابن سبعة وعشرين سنة، وكان شهما نبيلا كما يروى، صلى عليه عمر بن عبد العزيز ثم قال: “اليوم مات فتى العرب”.

العهد الأموي

ذكر أبو الفرج الأصفهاني في “الأغاني”، إذ ترجم لرجل يدعى حنين الحيري، ما يستوقف النظر في كلمة فتوة.

لا تعنينا هنا ترجمة الرجل أساسا، إنما ما حكاه الأصفهاني من خروجه إلى حمص يلتمس الكسب بها، ويرتاد من يستفيد منه شيئا، فسأل عن “الفتيان”، وأين يجتمعون، فقيل له: عليك بالحمامات.

ثمة أيضا حكاية تقول إن إبراهيم الموصلي نزل ضيفا على “الفتيان” في حمص…

الجديد الذي أتى به الإسلام أنه استخدم اللفظ للرقيق المملوك. جاء في الحديث: “لا يقولنّ أحدكم عبدي أو أَمَتي، ولكن ليقل فتاي أو فتاتي”.

مثل هاتين الحكايتين، وأخرى عديدة، يدل بها ورود كلمة “الفتيان” على أربعة أمور في العصر الأموي، يقول أحمد أمين:

أولا: أن هنالك فئة تسمى “الفتيان”، كانوا في الحيرة وفي حمص، وربما أيضا في غيرهما، بيد أن المفكر المصري لم يعثر على نصوص تدل على ذلك؛

اقرأ أيضا: من اليمن، حسين الوادعي يكتب: من يمثل الإسلام؟

ثانيا: أن هؤلاء الفتيان ليسوا مثل كل الشباب، إنما هم شباب من نوع خاص يظهر أنهم من الميسورين، وممن لهم حظ في السماع والشراب؛

ثالثا: أنهم كانوا يضيّفون ويطلبهم الغرباء لينزلوا عليهم ضيوفا؛

رابعا: أنه كانت لهم مجتمعات خاصة يعرفون فيها بالبلدة.

العهد العباسي

حين ننتقل إلى العصر العباسي، نجد أن كلمة فتوة استعملت في أربعة معان:

استعملت كعادتها للدلالة على المروءة من نبل وكرم وشمم وعدم تكلف…

من هذا القبيل ما قاله أبو البلهاء (عمير بن عامر) في يزيد بن مزيد الشيباني يرثيه:

نعم الفتى فجعت به إخوانه … يوم البقيع حوادث الأيام

سهل الفناء إذا حللت به … طلق اليدين مؤدب الخدام

وإذا رأيت صديقه وشقيقه … لم تدر أيهما ذوي الأرحام

ثاني المعاني كان لما استحسن صوفية العصر الكلمة ومعانيها، فأدخلوها إلى معجمها وعززوا من فضائلها.

اقرأ أيضا: أبو القاسم الجنيد، منبع الصوفية في المغرب

في الرسالة القشيرية، مثلا، ألف إمام الصوفية أبو القاسم القشيري بابا سماه باب الفتوة، وقال في تعريفها: “أصل الفتوة أن يكون العبد ساعيا أبدا في أمر غيره”. أيضا ينسب إلى الفضيل بن عياض قوله: “الفتوة الصفح عن عثرات الإخوان”.

وجد أحمد أمين أن الكلمة استخدمت خلال العصر العباسي، أيضا في الدلالة على نوع من الأشخاص، هم أولئك الشبان الأشداء الذين يتباهون بقوتهم ويهددون الناس في أموالهم وفي أنفسهم.

إجمالا، ما يعنينا هنا أن الصوفية أحيوا الكلمة واستخدموها كثيرا ولهم في ذلك حكايات عديدة بعضها طريف.

منها أن صوفيًا تزوج امرأة ثم ظهر عليها الجدري قبل الدخول بها، فكان أن تعامى حتى لا يجرح شعورها، ولما ماتت فتح عينيه فقيل له في ذلك، فقال: “لم أعم ولكن تعاميت حذرا من أن تحزن”، فقيل له: “سبقت الفتيان”.

وحكوا أن جماعة من الفتيان زاروا فتى فدعا غلامه ليقدم الأكل لهم، فأبطأ الغلام فسأله الرجل “لم أبطأت؟”، فقال الغلام: “كان عليها نمل فلم يكن من الأدب تقديم السفرة إلى الفتيان مع النمل، ولم يكن من الفتوة طرد النمل عن السفرة، فلبثت حتى دب النمل”.

اقرأ أيضا: هذه حكاية التصوف في المغرب… بلاد الأولياء والصالحين!

هذا وقد كتب المتصوف الشهير محيي الدين بن عربي فصلا طويلا في الفتوة في كتابه “الفتوحات المكية”، عنونه “معرفة مقام الفتوة وأسراره”، مما يقول فيه:

إن الفتوة ما ينفك صاحبها … مقدما عند رب الناس والناس

إن الفتى من له الإيثار تحلية … فحيث كان فمحمول على الراس

ثالثا، وجد أحمد أمين أن الكلمة استخدمت خلال العصر العباسي، أيضا في الدلالة على نوع من الأشخاص، هم أولئك الشبان الأشداء الذين يتباهون بقوتهم ويهددون الناس في أموالهم وفي أنفسهم.

أما رابع استعمالات الكلمة، فكان إطلاقها على من يمارسون الفروسية المنظمة. كانت ألعاب الفروسية قد اشتهرت في العصر العباسي ونظمت على نحو كثر فيه اللعب بالبندق والخروج به لرمي الصيد.

اقرأ أيضا: شغب ناعم… قصة جارية حكمت الدولة العباسية 1/2

الذي يهمنا في العصر العباسي، أنه خلاله تمت “الفتوة” بمختلف معانيها، وأهمها نوعان:

  • فتوة دنيوية إن صح التعبير، وتنقسم إلى فتوة عسكرية وفتوة كرمية أو جودية؛
  • فتوة دينية أو صوفية.

في الجزء الثالث نعرف لما خفّ شأن الصعلكة لدى العرب بعد ظهور الإسلام، وما استفاده هؤلاء من الفتوة بمختلف معانيها.

لقراءة الجزء الأول: بين الفتوة والصعلكة… هذا ما يعنيه أن تكون شابا عربيا فيما مضى! 3/1

لقراءة الجزء الثالث: ما الذي استفاده العرب من انتشار الفتوة والصعلكة؟ 3/3


[1]  سورة الأنبياء، الآية 60.
[2]  سورة الكهف، الآية 10.
[3]  عن أبي هريرة. رواه مسلم والبخاري.
[4]  سورة الكهف، الآية 60.
[5]  سورة النور، الآية 33.
تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *