×
×

من تاريخ الخمر: في البدء كان شراب الخلود (الجزء الأول)

ما زال الخمر يشكل أحد المواضيع الأكثر جدلا في التاريخ، مع أن الإسلامي منه، يبدو أنه قد حسم في الأمر، من فرط ما ذكر أهل الأخبار بشأن تحريمه من لدى الفقهاء… في هذا الملف، نتعرف على تاريخ هذا الشراب، الذي كان في الديانات القديمة يحيل على الخلود، ثم صار مع الزمن لدى البعض، في طليعة المحرمات.

ما زال الخمر يشكل أحد المواضيع الأكثر جدلا في التاريخ، مع أن الإسلامي منه، يبدو أنه قد حسم في الأمر، من فرط ما ذكر أهل الأخبار بشأن تحريمه من لدى الفقهاء.

الروائي والكاتب اليمني، علي المقري، بحث في الموضوع في خطوة تكاد تكون نادرة، وخرج بكتاب عنونه “الخمر والنبيذ في الإسلام”، واجه فيه الأسئلة ذاتها التي تطرح عند ذكر الخمر لدى المسلمين: “ألم تجد موضوعا غير الخمر تبحث فيه؟ هل تريد أن تحلل الخمر؟”.

كتاب نأخذ منه هذه النتف، لنتعرف على تاريخ هذا الشراب، الذي كان في الديانات القديمة يحيل على الخلود، ثم صار مع الزمن لدى البعض، في طليعة المحرمات.

الخمر في اللغة العربية ما أسكر من عصير العنب. ولأن العنب منه، كانت العرب تسميه خمرا. جاء في القرآن مثلا: “إني أراني أعصر خمرا[1]“، الخمر هنا يقصد به العنب.

قال ابن الأعرابي: سميت الخمر خمرا لأنها تركت فاختمرت. ويضيف: سميت بذلك لمخامرتها العقل. ولشارب الخمر ثلاث مراحل: نشوان ثم ثمل ثم سكران.

اقرأ أيضا: حسين الوادعي يكتب: خدعوك فقالوا: الغرب متقدم مادياً، لكننا متقدمون أخلاقياً!

أما النبيذ، فيعرفه ابن منظور بالشيء المنبوذ. ويقصد به ما نبذ من عصير ونحوه، أي ما ينبذه المرء من تمر أو زبيب أو شعير أو غيره في وعاء، فيتركه حتى يفور ويصبح مسكرا.

في العهد القديم

يروى أن آدم كان أول من غرس الكرمة، والخمر في العصور القديمة، كانت مرتبطة بهذه الشجرة.

جاء في سفر التكوين من العهد القديم أن نوحا بعد الطوفان “ابتدأ فلاحا وغرس كرما”. في السفر ذاته، نقرأ أيضا أن ابنتي لوط أسكرتا أباهما حتى يضاجعهما.

لطالما كانت الخمر في الديانات القديمة رمزا للشباب والحياة الدائمة. لذا، ثمة من استنتج أن شجرة الحياة والموت في التوراة، كانت كرمة، لكونها التعبير النباتي عن الخلود.

هذه الرواية الأخيرة ربما تعكس الحملات التشهيرية لليهود ضد المؤابيين والعمونيين[2] وفق المقري. لكن الذي يهمنا هنا، أنها كغيرها من الروايات، تكشف عن مدى انتشار الخمر ومكانتها في تلك الفترة.

اقرأ أيضا: الإسرائيليات في الثقافة الإسلامية: أصل الحكاية

روايات تذكر أيضا أن عددا من زعامات القوم كانت تشرب الخمر آنذاك، كداوود وأيوب مثلا، وأن رئيس سقاة فرعون، الذي كان في السجن مع يوسف، حلم أنه يعطي “الكأس في يد فرعون”، أو يعصر الخمر بتعبير القرآن في سورة يوسف.

إجمالا، تورد التوراة عددا من القصص التي تمتدح الولائم حيث يكون الخمر، لكنها أيضا تورد عددا آخر من القصص، تحث على عدم شربها واجتنابها في أماكن العبادة.

الخمر لطالما كانت في الديانات القديمة رمزا للشباب والحياة الدائمة. لذا، ثمة من استنتج أن شجرة الحياة والموت في التوراة، كانت كرمة، لكونها التعبير النباتي عن الخلود.

عند المسيحيين

يروي الإنجيل أن أولى معجزات المسيح كانت تحويل الماء إلى خمر.

كان في عرس قانا الجليل، ففرغت الخمر، ولما أخبرته أمه بذلك طلب منهم أن يملؤوا الأجران بالماء، فملأوها وقدموها فإذا بها خمر… وكانت، حسب ما جاء في إنجيل يوحنا، “هذه بداية الآيات فعلها يسوع في قانا الجليل وأظهر مجده فآمن به تلاميذه”.

اقرأ أيضا: الكيف بين اليهودية، المسيحية والإسلام: علاقة الكيف بتدين المغاربة 2\2

كان النصارى، ومعهم اليهود، معروفين بشرب الخمر والتجارة فيه في الجزيرة واليمن والعراق والشام…

في العصر الجاهلي (كما يسميه المسلمون)، كان الخمر أفضل شراب لدى الجاهليين… شعر الخمريات أحد أبرز الشواهد هنا، والشاعر الأعشى يأتي في مقدمتها.

الأديرة[3] أسهمت في تعريف التجار العرب بالنصرانية لفرط ما انتشرت في هذه الأماكن… كما اشتهرت بإيواء العابرين؛ حتى إنها، تلبية لرغبة بعضهم، ألحقت بها حانات لشرب الخمر.

العرب، وفق ما يورده المؤرخ العراقي جواد علي، في “المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام”، “وجدوا فيها أماكن للهو والشرب… يطربون بشرب ما فيها من خمور ونبيذ معتق امتاز بصنعه الرهبان”.

اقرأ أيضا: كيف بدأ عرب الجزيرة يعبدون الأصنام قبل ظهور الإسلام؟ ولادة هبل 1\3

من أشهر الأديرة هنا، دير هند بنت النعمان ابن المنذر، الذي كان شباب الكوفة يخرجون إليه للهو والشرب. يقول فيه حسان بن ثابت، الذي لقب بشاعر الرسول فيما بعد:

يا دير هند لقد أصبحت لي أنسا … ولم تكن قط لي يا دير مئناسا

سقيا لظلك ظلا كنت آلفه … فيه أعاشر قسيسا وشماسا

قدما وقد كانت الأوقات من طرب … ومن سرور به يا قوم أعراسا

لا أعدم اللهو في أرجاء هيكله … ولا أرد على الساقي به الكاسا

عند عرب “الجاهلية”

في العصر الجاهلي (كما يسميه المسلمون)، كان الخمر أفضل شراب لدى الجاهليين. شعر الخمريات أحد أبرز الشواهد هنا، والشاعر الأعشى يأتي في مقدمتها.

يروى أن ضريح الأعشى صار بعيد وفاته مقصدا للفتيان الذين كانوا يؤمونه ليشربوا عنده ويصبون عليه كؤوسا من شرابه، يذكر المفكر العراقي هادي العلوي، في “من قاموس التراث”.

كان للأعشى معصرة خاصة به أقامها في إحدى القرى اليمنية ذات الكروم الوافرة.

اقرأ أيضا: الشعر ديوان العرب في الزندقة أيضا… قبل أن يطاله مقص رواة الأخبار! 2/1

زراعة الكرمة دخلت الحجاز، حسب بعض المراجع التاريخية، من الشام، وذلك في القرن الرابع للميلاد.

كان النصارى، ومعهم اليهود، معروفين بشرب الخمر والتجارة فيه في الجزيرة واليمن والعراق والشام… وقد أسهمت الأديرة في تعريف التجار العرب بالنصرانية لفرط ما انتشرت في هذه الأماكن… تلك الأديرة اشتهرت بإيواء العابرين؛ حتى إنها، تلبية لرغبة بعضهم، ألحقت بها حانات لشرب الخمر.

مما يذكره المقري أن عرب شبه الجزيرة قد عرفوا الكرمة وعصروا العنب في بوادي اليمن وتهامة والطائف ويثرب ووادي القرى، فتناثرت الكروم وتعالى شجر النخيل، كما ضجت في أرجاء الجزيرة أصوات المعاصر.

مع ذلك، ظل عرب شبه الجزيرة يستوردون الخمر.

من شواهد ذلك، قول الشاعر عمرو بن كلثوم: “ألا هبي بصحنك فاصبحينا… ولا تبقي خمور الأندرينا”… أندرين هذه، مدينة سورية، عرفت بجودة خمورها وقتذاك.

انتشار المجون والخمر في تلك الفترة، ذهب بالبعض إلى حدود لا تصدق… الشاعر عروة بن الورد، مثلا، بلغ به الأمر حد أن شرب الخمر بكل شيء يملكه، حتى إنه ارتهن زوجته سلمى الغفارية.

اقرأ أيضا: المرأة “الزوجة” في شبه الجزيرة العربية قبل ظهور الإسلام… 3/1

لكن… كانت ثمة لحظات يتجنب فيها الخمر… حتى يثأر المرء لدم، مثلا. أشهر المرويات في هذا الصدد، أن امرأ القيس حين بلغه مصرع والده، قال: “اليوم خمر وغدا أمر”.

الرواة ينسبون في تلك البيئة، أيضا، تحريم الأحناف للخمر على أنفسهم (الذين كانوا على دين إبراهيم)… كما أن الروايات الإسلامية تذكر عددا من الشخصيات حينذاك لم تشرب الخمر قط، مثل عثمان بن عفان، وأمية بن أبي الصلت، وورقة بن نوفل، والوليد بن المغيرة، وغيرهم كثير.

في الجزء الثاني: ما حكاية تدرج الإسلام في النهي عن شرب الخمر؟

لقراءة الجزء الثاني: من تاريخ الخمر: ما حكاية تدرج الإسلام في النهي عن شرب الخمر؟ (الجزء الثاني)

لقراءة الجزء الثالث: من تاريخ الخمر: هل انتهى القرآن إلى تحريم الخمر حقا؟ (الجزء الثالث)

لقراءة الجزء الرابع: من تاريخ الخمر: هل شرع القرآن والسنة عقوبة لشارب الخمر؟ (الجزء الرابع)

لقراءة الجزء الخامس: من تاريخ الخمر: النبيذ غَيرُ الخمرِ… وفي الإسلام، البعض اعتبر شربه سُنّة! (الجزء الخامس)

لقراءة الجزء السادس: من تاريخ الخمر: العصر الأموي… الخليفة يريد إحداث مقصف على الكعبة ليشرب فيه الخمر مع ندمائه! (الجزء السادس)

لقراءة الجزء السابع والأخير: من تاريخ الخمر: المجون العباسي… لأول مرة، تخصيص موظفين برواتب في البلاط مكلفون بشؤون الشراب! (الجزء السابع والأخير)


[1]  سورة يوسف، من الآية 36.
[2]  ينحدرون من أصل واحد، وينتمون إلى مجموعة قبائل كانت تتكلم اللغة السامية من نسل إبراهيم، وكانوا مستقرين في القرن 14 قبل الميلاد في الأردن اليوم.
[3]  جمعُ دِير: مبنى معد للعبادة.
تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *