×
×

من تاريخ الخمر: المجون العباسي… لأول مرة، تخصيص موظفين برواتب في البلاط مكلفون بشؤون الشراب! (الجزء السابع والأخير)

في الجزء السابع والأخير، نتابع حكاية انتشار المجون والخمر في العصر العباسي… ذاك الانتشار الذي يجمع المؤرخون على أنه غير مسبوق في التاريخ الإسلامي.

بعدما تابعنا في الجزء السادس بعضا من حكاية الخمر والمجون في العصر الأموي، نواصل الملف في جزئه السابع والأخير، مع حكاية الانتشار غير المسبوق في التاريخ الإسلامي للمجون والخمر، التي عرفها العصر العباسي.

نشير دائما إلى أننا نعتمد في هذا الملف، على مؤلف الكاتب والروائي اليمني، علي المقري، “الخمر والنبيذ في الإسلام”.

من يقرأ عن انتشار المجون والخمر في العصر العباسي، يظن أن ما كتب خيالي… بيد أن أكثر المراجع التاريخية تتفق على ذلك، على نحو قد يجعل المسلم الحالي مشدوها إن لم نقل مصدوما، أمام التصور الذي ساد لديه، أو الذي تم تشكيله له عن سلفه الأول.

الدولة العباسية ضبطت أمورها جيدا، كما أنها أمنت جانب الفرس الذين انخرطوا وشاركوا في إدارة شؤونها… كل هذا بجانب عوامل أخرى، أسهم في انتشار المجون آنذاك.

الفرس منذ القديم، عرفوا بالميل إلى اللهو والإغراق في حب النبيذ، ويعود ذلك وفق البعض إلى أن الديانة الزراديشتية أباحت النبيذ وجعلته من شعائرها.

اقرأ أيضا: حركة الحشاشين…أخطر حركة ثورية عرفها التاريخ الإسلامي؟ 4/1

المفكر المصري محمد سعيد العشماوي في كتابه “الخلافة الإسلامية”، يشير إلى أن مظاهر المجون في العصر العباسي بدأت في قصور الخلفاء المهدي والرشيد والأمين والواثق والمتوكل، حيث أصبحت القصور مغانيّ حافلة ومقاصف للهو وحانات للشرب وساحات للرقص… ثم تبعهم الميسورون وأبناء الخاصة، حتى انتشر الأمر وساد جل طبقات الشعب.

أكثر خلفاء بني العباس كانوا يفضلون النوم بالنهار والسهر بالليل ليشربوا الشراب ويلهوا مع الندماء. مع أنه في البداية، لم يعرف عن أبي العباس، أول الخلفاء العباسيين، حبه للهو والشرب؛ ذلك أنه تفرغ للقضاء على المعارضين.

كان المترفون ينشرون في مجالسهم، كما يذكر المقري عن الجاحظ، “الرياحين في قاعة الشراب وكانوا يجملون كؤوس الخمر بالرسوم الفارسية الخلابة، ويزينون رؤوسهم بأكاليل الزهور”.

الحقيقة أنه لا أدل على هذه الروايات، ما امتلأت به دواوين الشعراء مثل بشار بن برد وأبي نواس ومسلم بن الوليد، في وصف مجالس اللهو والشراب وما كان يجري فيها.

حتى إن الفقهاء كانوا يحضرون مجالس الخلفاء التي يشرب فيها الخمر، فيناقشون أثناءها، حد الخمر، يذكر المقري.

أكثر خلفاء بني العباس كانوا يفضلون النوم بالنهار والسهر بالليل ليشربوا الشراب ويلهوا مع الندماء. مع أنه في البداية، لم يعرف عن أبي العباس، أول الخلفاء العباسيين، حبه للهو والشرب؛ ذلك أنه تفرغ للقضاء على المعارضين.

اقرأ أيضا: الإلحاد في تاريخ الإسلام: حين استنفدت الروح العربية قواها الدينية! (الجزء الأول)

أما أول من روي عنه الشرب من العباسيين، فقد كان المهدي، وكان بعض أصحابه يشربون عنده دون ستر، ما يمثل بداية لظهور نديم الشراب في بلاط العباسيين.

على أن التسامح الذي ظهر به المهدي، أخفاه أحيانا أخرى، فقد عاقب حفيد الخليفة عمر بن عبد العزيز بـ300 جلدة لإدمانه شرب الخمر، كما أنه قتل الشاعر بشار بن برد بعد أن اتهمه بالزندقة.

يشير الرقيق القيرواني في “قطب السرور في أوصاف الأنبذة والخمور”، إلى أن شرب الخمر لم يكن مقتصرا على الرجال وحسب، إنما على الجواري أيضا، بل وشربته أخوات وزوجات وبنات الخلفاء كعلية (بنت المهدي ابن المنصور وأخت هارون الرشيد) والنساء من العامة.

النقلة النوعية في ترف العباسيين كانت أيام هارون الرشيد إذ ازدادت ثروة الدولة؛ ففي عهده سيتحول النديم لأول مرة إلى موظف في البلاط، يجزى له راتب خاص عدا ما يناله من جوائز.

أما الخليفة الأمين، فيروى أن مجالس الشرب طغت على حياته حتى إنه كان يعبث بشؤون الحكم أثناء منادمته.

علاقة الأمين بأبي نواس كانت، بالمناسبة، من الأسباب التي اتخذها المأمون لتأليب الناس عليه.

لما وقع الخلاف بين الأمين والمأمون، يذكر المقري، كان المأمون يخطب بخرسان بمساوئ الأمين ويقول في جملة ذلك: وما ظنكم بخليفة يقتني شاعرا ينشد بحضرته جهارا نهارا في مجلسه هذا القول:

ألا فاسقني خمرا وقل لي هي الخمر … ولا تسقني سرا إذا أمكن الجهر

فما الغبن إلا أن تراني صاحيا … وما الغنم إلا أن يعتقني السكر

رغم العلاقة التي كانت تربط أبا نواس بالأمين، فإن الأخير لم يتجاوز عنه يوم اتهم بالزندقة فأمر بحبسه.

اقرأ أيضا: في الزندقة: هؤلاء 7 من أشهر شعراء العرب، لم يهادنوا الإسلام في شعرهم! 2/2

المأمون في بداية حكمه قرب العلماء إلى مجلسه، لكن سرعان ما انفرط عقده هو أيضا. المأمون هو أول من قال: “النبيذ بساط، فإذا رفع طوي بما كان عليه”؛ أي نسيان ما يجري أثناء الشراب ومسامحة أخطاء الندماء.

أما الخليفة المتوكل، فقد اجتهد في مجالس الشرب والمنادمة أكثر من غيره، حد أنه خصص موظفين موكلين بالشراب، وغرفا لهم ملحقة بقصره. ومن أشهر ندمائه، البحتري وعلي بن الجهم.

النقلة النوعية في ترف العباسيين كانت أيام هارون الرشيد إذ ازدادت ثروة الدولة؛ ففي عهده سيتحول النديم لأول مرة إلى موظف في البلاط، يجزى له راتب خاص عدا ما يناله من جوائز.

إجمالا، يذكر المقري أن الخلفاء العباسيين اشتهروا بحب الشراب، فمنهم من كان لا يصحو من السكر، كالخليفة القاهر، ومنهم الذي كان ندماؤه يتبارون في الشرب بين يديه كالخليفة الراضي بالله.

المصادر التاريخية تتحدث أيضا عن مظاهر هذه الحياة في المجتمع عامة، بيد أن أكثر القصص في هذا الصدد، ظل مرتبطا بالخلفاء وأتباعهم من الوزراء والندماء والشعراء ومن إليهم.

أشهر هؤلاء يظل أبو نواس، الذي كانت له قصص خصته دون الخلفاء، ويرجع ذلك ربما إلى ما انتشر من شعره.

اقرأ أيضا: المرأة “الزوجة” في شبه الجزيرة العربية قبل ظهور الإسلام… 3/1

في الأخير، يشير الرقيق القيرواني في “قطب السرور في أوصاف الأنبذة والخمور”، إلى أن شرب الخمر لم يكن مقتصرا على الرجال وحسب، إنما على الجواري أيضا، بل وشربته أخوات وزوجات وبنات الخلفاء كعلية (بنت المهدي ابن المنصور وأخت هارون الرشيد) والنساء من العامة.

القيرواني يذكر في هذا الصدد قصة عجوز من الأعراب جلست في طريق مكة إلى فتيان يشربون نبيذا (خمرا في مصادر أخرى) فسقوها قدحا، فطابت نفسها وتبسمت، ثم سقوها قدحا آخر، فاحمر وجهها وضحكت، فسقوها ثالثا فقالت: “خبروني عن نسائكم بالعراق أيشربن من هذا الشراب؟”، قالوا نعم، قالت: “زين ورب الكعبة. والله لئن صدقتم لما فيكم أحد يعرف من أبوه”.

لقراءة الجزء الأول: من تاريخ الخمر: في البدء كان شراب الخلود (الجزء الأول)

لقراءة الجزء الثاني: من تاريخ الخمر: ما حكاية تدرج الإسلام في النهي عن شرب الخمر؟ (الجزء الثاني)

لقراءة الجزء الثالث: من تاريخ الخمر: هل انتهى القرآن إلى تحريم الخمر حقا؟ (الجزء الثالث)

لقراءة الجزء الرابع: من تاريخ الخمر: هل شرع القرآن والسنة عقوبة لشارب الخمر؟ (الجزء الرابع)

لقراءة الجزء الخامس: من تاريخ الخمر: النبيذ غَيرُ الخمرِ… وفي الإسلام، البعض اعتبر شربه سُنّة! (الجزء الخامس)

لقراءة الجزء السادس: من تاريخ الخمر: العصر الأموي… الخليفة يريد إحداث مقصف على الكعبة ليشرب فيه الخمر مع ندمائه! (الجزء السادس)

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *