×
×

أبو العباس “السفاح” ونبش قبور بني أمية… حكاية “إعدام” الموتى!

… قد يُقتل الكبار تحت مظلة صراع الحكم، ويُقتل الصغار تحت مظلة تأمين مستقبل الحكم، وقد تُمحى الآثار تحت مظلة إزالة بقايا الحكم السابق… لكن، ما فعله أبو العباس، يقول المفكر المصري فرج فودة، عصيٌّ عن التبرير وليس له سابقة في التاريخ، بل ولا أحد بعده فاقه فيما أتاه.

يَحفل التاريخ الإسلامي بكثير من قصص الاغتيال، ولك أن تتخيل ما شئت مما نُفذت به هذه الاغتيالات… لكن، أن تُنبش قبور الموتى، ويُعاد تعذيب هؤلاء (إن جاز التعبير) وصلبهم وإحراقهم وذر رمادهم في الريح، فذاك ما حار فيه بعض دارسي هذا التاريخ واعتبره سابقة لم يكن من بَعدٍ لها.

تلك الحكاية “البشعة” كان بطلها مؤسس الدولة العباسية، أبو العباس “السفاح” وقائده، عمه عبد الله بن علي، كما نتابع أحداثها في هذا الملف.

كريم الهاني
كريم الهاني

تلوح بوادر الحكاية في خراسان…

هناك، قاد أبو مسلم الخراساني دعوة العباسيين وحشد لها الأنصار، فبعدما فرقت الأهواء السياسية بين بني أمية، كانت هزيمة هؤلاء مسألة وقت ليس إلا، وبدا أن ميلاد الدولة العباسية، لا ينتظر سوى المخاض…

أما الحكاية، فقد بدأت عام 132هـ/750م، حين بويع أبو العباس كأول خليفة عباسي.

لا حاجة لنا بتقديم الدولة العباسية؛ تقدم نفسها بنفسها كما يقول المفكر المصري فرج فودة[1]، وذلك على يد مؤسسها أبو العباس، الملقب بـ”السفاح”، الذي قال يوم مبايعته: “إن الله رد علينا حقنا، وختم بنا كما افتتح بنا، فاستعدوا فأنا السفاح المبيح، والثائر المبير”… وكان كذلك!

اقرأ أيضا: شغب ناعم… قصة جارية حكمت الدولة العباسية 1/2

بويع “السفاح” في مسجد بني أود في الكوفة، حيث قال أيضا يومها:

هذه الواقعة ذكرها العديد من المؤرخين، من بينهم البلاذري والمقدسي وياقوت الحموي وابن الأثير وابن العبري وأبو الفداء وابن خلدون وابن الماروني… وغيرهم كثير.

“ويشتد علينا سوء سيرة بني أمية فيكم واستنزالهم لكم واستئثارهم بفيئكم وصدقاتكم ومغانمكم عليكم… تبا تبا لبني حرب بن أمية وبني مروان!”[2].

ثم راح يعدد ما فعله الأمويون من جور وظلم للعباد… ما حل بالأمويين بعد هذه الخطبة، لم يشهد التاريخ مثله؛ فأبو العباس قد وضع نصب عينيه إبادة كل ما يمت بصلة إليهم.

وتلك مهمة أوكلها لعمِّهِ عبد الله بن علي العباسي.

لا يهمنا هنا ما فعله بالأحياء منهم، الذين لم يفلت منهم سوى الرُّضع، ومن هرب إلى الأندلس مثل عبد الرحمن بن معاوية (عبد الرحمن الداخل)[3]، حفيد هشام بن عبد الملك، الذي أسس هناك دولة أموية جديدة ناهز عمرها ثلاثمائة عام.

اقرأ أيضا: المأمون و”محنة خلق القرآن”… صورة عباسية أخرى لاستغلال الديني في السياسي! 2/1

… قد يُقتل الكبار تحت مظلة صراع الحكم، ويُقتل الصغار تحت مظلة تأمين مستقبل الحكم، وقد تُمحى الآثار تحت مظلة إزالة بقايا الحكم السابق… لكن، ما فعله أبو العباس، يقول فرج فودة، عصي عن التبرير وليس له سابقة في التاريخ، بل ولا أحد بعده فاقه فيما أتاه.

أجمع المؤرخون على استثناء قبر الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز… نفهم ذلك إذا عرفنا أن الخليفة العباسي المهتدي، كما يُروى، كان يتأسى بسيرة عُمر.

الذي يهمنا هنا، وهذا هو موضوع الملف، أَمْرُه لعمه عبد الله بإخراج جثث خلفاء بني أمية من قبورها، وجلدهم وصلبهم، وحرق جثثهم أو ما بقي منها، ونثر رمادها في الريح!

هذه الواقعة ذكرها العديد من المؤرخين، من بينهم البلاذري والمقدسي وياقوت الحموي وابن الأثير وابن العبري وأبو الفداء وابن خلدون وابن الماروني… وغيرهم كثير.

ثمة من يقول، بالمناسبة، إن هذه الحكاية قابلة للنقد بل وللتفنيد، بالرغم من أن كل هؤلاء المؤرخين قد أوردوها.

اقرأ أيضا: من تاريخ الخمر: المجون العباسي… لأول مرة، تخصيص موظفين برواتب في البلاط مكلفون بشؤون الشراب! (الجزء السابع والأخير)

أحد هؤلاء المؤرخين، البلاذري، كان يشتغل في بلاط العباسيين، وما نقله من خبر نبش عبد الله بن علي لقبور بني أمية، أشد الروايات حيادا وأكثرها اعتدالا، ومنه أخذه جل المؤرخين، ثمّ ساقوه بقريب لفظه ومعناه[4]، وزادوا تفاصيل من قبيل: تسمية من نبشوا القبور بـ”أجناد الشام”، ووصف ما فُعل بما وُجد في تلك القبور.

يتساءل فرج فودة في كتابه “الحقيقة الغائبة”: “في أي نص من كتاب الله وسنة رسوله وجد العباسيون ما يبرر فعلتهم؟ وأين كان الفقهاء والعلماء من ذلك كله؟”.

يقول: “أمر بنبش قبر معاوية (بن أبي سفيان)، فما وجد من معاوية إلا خط، ونبش قبر يزيد بن معاوية، فوجد من يزيد سُلاميات[5] رجله، ووجد من عبد الملك بن مروان بعض شؤون رأسه، ولم يوجد من الوليد وسليمان إلا رفات، ووجد هشام (ابن عبد الملك) صحيحا، إلا شيئا من أنفه، وشيئا من صدغه، وذلك أنه كان طلي بالزئبق والكافور وماء الفُوّة، ووجدت جمجمة مسلمة، فاتخذت غرضا حتى تناثرت، ولم يعرض لعمر بن عبد العزيز، وجُمع ما وجد في القبور فأحرق”.

اقرأ أيضا: دولة “الإسلام”: من العدل والرحمة إلى الجور والاستبداد… حكم “السفاح المبيح” 3/3

قبل أن نمضي في هذا الخبر، أجمع المؤرخون على استثناء قبر الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز… نفهم ذلك إذا عرفنا أن الخليفة العباسي المهتدي، كما يُروى، كان يتأسى بسيرة عمر ويقول: “إني أستحيي أن يكون في بني أمية مثل عمر بن عبد العزيز وألا يكون في بني العباس مثله”.

يشير المفكر الفلسطيني حسين عطوان[6] إلى أن مؤرخي الشيعة أيضا حفظوا هذا الخبر. لكنهم، خلاف غيرهم، أوجدوا حججا لما حل بقبور بني أمية، وسوغوا العبث بعظامهم، كما أحلوا ذلك وأفتوا بصحته ولم يحرموه، وقد ذكر بعضهم أنه اقتصاص لمن جَلدوا من العباسيين.

أمر السفاح عمه عبد الله بإخراج جثث خلفاء بني أمية من قبورها، وجلدهم وصلبهم، وحرق جثثهم أو ما بقي منها، ونثر رمادها في الريح!

في هذا الصدد، جاء في تاريخ اليعقوبي، وهو مؤرخ شيعي، أن عبد الله ضرب هشام بن عبد الملك بعدما أخرجوه من قبره وقد كان قوامه شبه مكتمل، وذلك بـ120 سوطا.

ويضيف موضحا أنه فعل ذلك، لأنه دخل يوما على أبيه فشاهد آثار السياط عليه، فلما سأله عنها قال له: “إن الأحول، هشام، أخذني ظلما فضربني ستين سوطا”، فكان أن عاهد الله إذا ظفر به أن يضربه بكل سوط سوطين.

اقرأ أيضا: الشُّعوبية: حين سعى مَواليّ العهد العباسي إلى قلب الطاولة على المسلمين العرب! 2/2

الغريب أن البعض رأى في هذا معجزة إلهية! فجثة هشام وحدها وجدت شبه كاملة فعذبت إن جاز التعبير وصلبت ثم أحرقت وذر رمادها في الريح… كان ذلك انتقاما إلهيا من هشام، وفق هؤلاء، لأنه عامل زيد بن علي[7] بنفس ما حل به إذ خرج عليه.

حسنا، قد يكون هذا انتقاما وجزاءً من جنس العمل… لكن، بماذا نفسر ما حدث لغيره؟

تفصح هذه الحكاية عن تنافس حول السلطة في الدولة الإسلامية، الفتية آنذاك، لم يشكل فيه الدين أي وازع، بل وأتى فيه “السفاح” وأمثاله ما يذهل له الدارسون اليوم.

يتساءل فرج فودة في كتابه “الحقيقة الغائبة”: “في أي نص من كتاب الله وسنة رسوله وجد العباسيون ما يبرر فعلتهم؟ وأين كان الفقهاء والعلماء من ذلك كله؟ أين أبو حنيفة وعمره تجاوز الخمسين وقتها؟ وأين مالك وعمره وقتها تجاوز الأربعين؟”.

ثم يتابع: “ولما لاذ غيرهم بما هو أكثر من الصمت، أقصد التأييد والتمجيد والأشعار، ورواية الأحاديث المنسوبة للرسول والمنذرة بخلافة السفاح، ومنها ما أورده ابن حنبل في مسنده مثل (يخرج رجل من أهل بيتي عند انقطاع من الزمان وظهور من الفتن، يقال له السفاح، فيكون إعطاؤه المال حثيا)”.

اقرأ أيضا: الوجه الآخر للخلفاء العباسيين… الاهتمام بالعلوم والمعارف وترجمتها إلى اللغة العربية 4/3

هذه إذن كانت الحكاية… ورغم التحفظ على ما يسمى بـ”الحقيقة التاريخية”، فإنها تفصح عن تنافس حول السلطة في الدولة الإسلامية، الفتية آنذاك، لم يشكل فيه الدين أي وازع، بل وأتى فيه “السفاح” وأمثاله ما يذهل له الدارسون اليوم.


[1] الحقيقة الغائبة (فرج فودة).
[2] الكامل في التاريخ (ابن الأثير).
[3] الخلافة الإسلامية (محمد سعيد العشماوي)
[4]  الدعوة العباسية – تاريخ وتطور (حسين عطوان).
[5]  عظام أصابع اليد والقدم.
[6]  الدعوة العباسية – تاريخ وتطور (حسين عطوان).
[7]  ابن الحسين بن علي بن أبي طالب.
تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *