×
×

من تاريخ الخمر: هل انتهى القرآن إلى تحريم الخمر حقا؟ (الجزء الثالث)

في هذا الجزء الثالث، نرى إذا ما كان القرآن توقف عند قوله باجتناب الخمر، أم أن هنالك آيات أخرى نزلت لاحقا، تفيد بأن تسامحا قد حصل مع شرب الخمر وفق البعض.

بعدما تابعنا في الجزء الثاني، حكاية تدرج القرآن في الدعوة إلى اجتناب الخمر، نواصل الملف في جزئه الثاني، لنرى إذا ما كان القرآن قد انتهى عند هذه النقطة أم أنه، وفق البعض، عاد عن ذلك وتسامح مع الخمر، ليأتي التحريم فيما بعد من لدى بعض الفقهاء.

نشير دائما إلى أننا نعتمد في هذا الملف، على مؤلف الكاتب والروائي اليمني، علي المقري، “الخمر والنبيذ في الإسلام”.

الآيتان 90 و91 من سورة المائدة كانتا كافيتين لدى بعض الفقهاء، دليلا، على تحريم الخمر.

بيد أن التحريم هنا، يبدو غير مكتمل. وفق المفكر العراقي هادي العلوي في “من قاموس التراث”، فربما أيضا يفهم من قول القرآن “فاجتنبوه لعلكم تفلحون”، أنه تحبيذ للامتناع عن شرب الخمر، راعى فيه الاعتبارات الشخصية للفرد.

اقرأ أيضا: في مكة والجاهلية والحج: قصي بن كلاب يؤسس المدنس على المقدس

المحرمات في القرآن تأتي، عادة، بنطق لفظ التحريم صراحة، كما الحال مع الخنزير وزواج المحارم وغيره، أو تأتي على صيغة فعل محرم تقع على مرتكبه عقوبة، مثل السارق والقاتل وغيره.

القرآن لم يورد لفظ التحريم مع الخمر صراحة، كما لم يوقع عقوبة على شاربه. وفق العلوي. ذلك لا يخلو من دلالة في سياق التدرج الذي تابعناه في الجزء الثاني، مما يدل في حد ذاته على التردد في التحريم.

المحرمات في القرآن تأتي، عادة، بنطق لفظ التحريم صراحة، في حين لم يفعل ذلك مع الخمر كما لم يوقع عقوبة على شاربه.

على أن هناك آراء تختلف تماما مع هذا، ويرفض أصحابها فكرة التردد ويأتون بتأويلات وتفسيرات تفيد أن أمر الاجتناب أشد من التحريم.

ما يجعل المسألة غامضة، أن بعض مصادر التراث تؤكد أن النبي لم يحدد (عقوبة) شارب الخمر، وأنه حتى بعد نزول “آية التحريم”، فقد شربها الجم الكثير في زمانه، وهو ما نجده أيضا في مراجع كثيرة أخرى، منها مثلا: شرح نهج البلاغة 1-11 مع الفهارس ج6، لـ “ابن أبي الحديد المدائني”.

أما ما زاد غموض المسألة، فهو مجيء الآية 93 من سورة المائدة، القائلة: “ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا”.

اقرأ أيضا: من اليمن، حسين الوادعي يكتب: حول البخاري وأصحابه

وفق العلوي، فقد فسرت الآية على أنها تخص الذين شربوا الخمر قبل التحريم، لكنه في الغالب مجرد تبرير، لأنه ما من حاجة هنا إلى نص يبرئ من شربوا الخمر حين كانت مباحة.

هذا الرأي تؤيده الآية 145 من سورة الأنعام، التي تقول: “قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم حنزير”.

بعض مصادر التراث تؤكد أن النبي لم يحدد (عقوبة) شارب الخمر، وأنه حتى بعد نزول “آية التحريم”، شربها الجم الكثير في زمانه.

هذه الآية، من أواخر الآيات التي جاءت في القرآن، مما يفيد وفق علي المقري، أن تسامحا قد حصل بالنسبة للموقف من الخمر بعد الآية التي دعت إلى اجتنابه، أو أن ظروفا اجتماعية وسياسية خاصة بحياة المسلمين وعلاقتهم بغيرهم من اليهود والمسيحيين، أدت إلى عدم التشديد في الدعوة إلى اجتناب الخمر بل وعدم إدراجه بين الأطعمة المحرمة التي وردت في الآية.

ويورد ابن قتيبة الدينوري في “الأشربة وذكر اختلاف الناس فيها”، آراء الرافضين للقول بتحريم الخمر، فيقول إن الخمر عندهم ليست محرمة وإنما نهى الله عن شربها تأديبا، كما أنه أمر في الكتاب بأشياء ونهى عن أشياء على جهة التأديب وليس منها فرض.

اقرأ أيضا: هل ستنهار الأخلاق من دون الإيمان والدين؟ 2/1

إذا كان بعض الفقهاء قد كرسوا جهودهم لمحاربة شرب الخمر لأسباب شخصية أو اجتماعية أو سياسية، حيث كانوا يغتنمون فرصة احتفال غير المسلمين وشربهم للهجوم عليهم، وحاولوا أن يجدوا مبررات من القرآن والحديث لعملهم هذا، يقول المؤرخ المصري محمد بيومي مهران في “دراسات من تاريخ العرب”، فإن شرب الخمر كما تفيد المصادر، وربما لبعض الأسباب ذاتها، ظل متاحا للمسلمين وغيرهم من العرب، يؤكد المقري في “الخمر والنبيذ في الإسلام”.

آية “قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم حنزير”، من أواخر الآيات في القرآن، مما يفيد أنه ربما قد حصل تسامح بالنسبة للموقف من الخمر بعد الآية التي دعت إلى اجتنابه.

من بين هؤلاء ولاة مشهورون، يذكر منهم المقري من عهد عمر بن الخطاب، قدامة بن مظعون والي البحرين، والنعمان بن نضلة والي ميسان.

كما أن شرب الخمر انتشر بين الفتيان وقتذاك دونما انصياع لأي توجيه ديني. مما يذكره المقري، أن حسان بن ثابت (شاعر الرسول)، بعدما ترك الخمر، عنف بعض الفتيان على شربها وسوء تنادمهم عليها، فقالوا له: “إنا إذ هممنا بالإقلاع عنها، ذكرنا قولك:

ونشربها فتتركنا ملوكا … وأسدا ما ينهنهنا اللقاء”.

التشديد في تحريم الخمر، في نظر هادي العلوي، يعود إلى الفقهاء المتأخرين نسبيا. ويرتبط هذا التشدد، حسبه دائما، باكتمال العقلية الدينية، وعلى حساب الوعي الحضاري للإسلام في منحاه الدنيوي.

في الجزء الرابع: هل شرع القرآن والسنة عقوبة لشارب الخمر؟

لقراءة الجزء الأول: من تاريخ الخمر: في البدء كان شراب الخلود (الجزء الأول)

لقراءة الجزء الثاني: من تاريخ الخمر: ما حكاية تدرج الإسلام في النهي عن شرب الخمر؟ (الجزء الثاني)

لقراءة الجزء الرابع: من تاريخ الخمر: هل شرع القرآن والسنة عقوبة لشارب الخمر؟ (الجزء الرابع)

لقراءة الجزء الخامس: من تاريخ الخمر: النبيذ غَيرُ الخمرِ… وفي الإسلام، البعض اعتبر شربه سُنّة! (الجزء الخامس)

لقراءة الجزء السادس: من تاريخ الخمر: العصر الأموي… الخليفة يريد إحداث مقصف على الكعبة ليشرب فيه الخمر مع ندمائه! (الجزء السادس)

لقراءة الجزء السابع والأخير: من تاريخ الخمر: المجون العباسي… لأول مرة، تخصيص موظفين برواتب في البلاط مكلفون بشؤون الشراب! (الجزء السابع والأخير)

تعليقات

  1. يوسف

    وما بال الآية 67 من سورة النحل التي ذكر فيها الله عز وجل “ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *