×
×

من تاريخ الخمر: هل شرع القرآن والسنة عقوبة لشارب الخمر؟ (الجزء الرابع)

في هذا الجزء الرابع، نتابع حكاية اختلاف الآراء حول العقوبة المفروضة على شارب الخمر في الإسلام.

بعدما تابعنا في الجزء الثالث، حكاية اختلاف الآراء فيما إذا كان القرآن قد حرم الخمر، نواصل الملف في جزئه الرابع، مع حكاية اختلاف الآراء حول العقوبة المفروضة على شارب الخمر.

نشير دائما إلى أننا نعتمد في هذا الملف، على مؤلّف الكاتب والروائي اليمني، علي المقري، “الخمر والنبيذ في الإسلام”.

يطلق الفقهاء والشراح على “العقوبة” اسم “حد”، وفي الجمع “حدود”.

لكن هذا اللفظ إذ يرد في القرآن، لا يرد بمعنى عقوبة وفق المقري، إنما بمعنى الأوامر والنواهي، كما جاء في سورة النساء، الآية 14، مثلا: “ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين”.

في القرآن والسنة، لا نجد حدا على شارب الخمر.

اقرأ أيضا: المساواة في الإرث في المغرب: هل نحن فعلا أمام آيات قطعية؟ 1/3

القرآن لم يتضمن أي عقوبة على شارب الخمر، كما أن مصادر الحديث، يؤكد المفكر العراقي هادي العلوي، في “من قاموس التراث”، لم تورد أي وقائع موثقة يستفاد منها تشريع عقوبة لشارب الخمر في عهد النبي.

نقرأ في سنن أبي داوود، مثلا، عن ابن عباس (ابن عم النبي)، أن النبي لم يؤقت في الخمر حدا.

ابن عباس يضيف أن “رجلا شرب فسكر فلقي يميل في الفج، فانطلقت به إلى النبي، فلما حاذى بدار العباس انفلت فدخل على العباس فالتزمه، فذكر ذلك للنبي فضحك وقال: “أفَعَلَها” ولم يأمر فيه بشيء”.

القرآن لم يتضمن أي عقوبة على شارب الخمر، كما أن مصادر الحديث لم تورد أي وقائع موثقة يستفاد منها تشريع عقوبة لشارب الخمر في عهد النبي.

أما فيما بعد، فقد عمل الصحابة بآرائهم في أمور لم يكن لها ذكر لا في الكتاب ولا في السنة، يقول ابن أبي الحديد في “شرح نهج البلاغة”، موضحا أن “حد الخمر عمله الصحابة اجتهادا، إذ لم يحد النبي شاربي الخمر، بل وقد شربها الجم الغفير في زمانه بعد نزول آية التحريم”.

أبو داوود يذكر في سننه، أن عليا بن أبي طالب قال: “ما كنت أدي (من الدية) من أقمت عليه حدا إلا شارب الخمر، فإن رسول الله لم يسنن فيه شيئا، إنما هو شيء قلناه نحن”.

اقرأ أيضا: هل ولى عمر بن الخطاب، الشفاء، قاضية للحسبة في عهده؟

ويذكر علي المقري أن ابن حزم إمام مذهب الظاهرية أكد في كثير من كتبه عدم إقامة النبي للحد في شارب الخمر، بل واعتبر ذلك مخالفة للقرآن والسنة ولو كان بالإجماع.

أكثر من كل هذا، يورد المقري عن المؤرخ جلال الدين السيوطي أن النبي كان ينهى عن لعن من شرب الخمر مرارا إذا كان يحب الله ورسوله.

يلاحظ  أن الخلفاء لم يتشددوا كثيرا في إقامة الحد على شارب الخمر، والحقيقة أن التمسك بحد شارب الخمر كان أحد العوامل التي تؤدي إلى عدم الرغبة في دخول الإسلام.

أما الذي اختلف فيه الصحابة والخلفاء، يقول العلوي في “من قاموس التراث”، كان عقوبة شرب الخمر: حول ما إذا كانت بين أربعين وثمانين جلدة، وإذا كانت على مجرد شرب الخمر أم السكر.

علي بن أبي طالب، الذي قال إن النبي لم يسن حدا في شرب الخمر، رأى، وفق سنن أبي داوود، أن الرجل إذا شرب افترى، ما يجعله تحت طائلة حد الفرية وهو ثمانون جلدة.

هذا القياس، يقول المقري، دليل قاطع على أن النبي لم يوقع عقوبة على شارب الخمر، إلا إذا كانت قد استهدي بها دون قياس كحكم توفيقي.

ثم إن القياس الذي يساوي بين شارب الخمر والقاذف، قياسٌ محل نظر، في نظر المفكر المصري محمد سعيد العشماوي، لأن العلة (الافتراء) محمولة على التقدير بأن من سكر هذى، ومن هذى افترى؛ بينما قد لا يحدث ذلك.

اقرأ أيضا: لِماذا لا تُجسَّد شخصية الرسول محمد في السينما العربية؟

إجمالا، يجمع فقهاء الحنفية والمالكية والشافعية والظاهرية والزيدية على أن من شروط إقامة الحد على شارب الخمر عدم الضرورة، فلا حد على من أكره على شرب الخمر ولا على من أصابته غصة.

وينسب إلى عائشة بنت أبي بكر قولها: “ادرؤوا الحدود عن المسلمين (بالشبهات) ما استطعتم، فإن وجدتم للمسلم مخرجا فخلوا سبيله، فإن الإمام لَأن يخطئ في العفو خير له من أن يخطئ في العقوبة”.

علي بن أبي طالب، الذي قال إن النبي لم يسن حدا في شرب الخمر، رأى، وفق سنن أبي داوود، أن الرجل إذا شرب افترى، ما يجعله تحت طائلة حد الفرية وهو ثمانون جلدة، وهذا القياس أو الحكم التوفيقي، محل نظر؛ ذلك أن ليس كل من شرب افترى.

وقد لوحظ، وفق المقري، أن الخلفاء لم يتشددوا كثيرا في إقامة الحد على شارب الخمر. بل إن الخمر والمجون أصبحا من أبرز ظواهر بعض الخلفاء في العصرين الأموي والعباسي كما سنرى لاحقا.

الحقيقة أن التمسك بحد شارب الخمر كان أحد العوامل التي تؤدي إلى عدم الرغبة في دخول الإسلام.

مما يذكره أهل الأخبار، أن الخليفة عبد الملك بن مروان عرض الإسلام على الشاعر الأخطل، فقال: “يا أمير المؤمنين إني مشغوف بالخمر، أفرأيت إن أسلمت تدعني وشربها؟ قال: لا يا أخطل، لا أحل لك ما حرم الله عليك، وإن أسلمت ثم شربتها حددتك. فقال له الأخطل: لا حاجة لي في الإسلام ودين آبائي أحب إلي”.

اقرأ أيضا: “جهنم” في الديانات السماوية 2/2

بالرغم من هذا الموقف، سنجد في روايات أخرى، فيما بعد، ما يشير إلى أن عبد الملك بن مروان شرب الخمر، حسب ما يذكره علي المقري في كتابه “الخمر والنبيذ في الإسلام”، مضيفا أن بعض الخلفاء رجحوا فيما بعد الجانب السياسي والاعتبارات الأخرى على إقامة الحد.

في الجزء الخامس: النبيذ غَيرُ الخمرِ… وفي الإسلام، البعض اعتبر شربه سُنّة!

لقراءة الجزء الأول: من تاريخ الخمر: في البدء كان شراب الخلود (الجزء الأول)

لقراءة الجزء الثاني: من تاريخ الخمر: ما حكاية تدرج الإسلام في النهي عن شرب الخمر؟ (الجزء الثاني)

لقراءة الجزء الثالث: من تاريخ الخمر: هل انتهى القرآن إلى تحريم الخمر حقا؟ (الجزء الثالث)

لقراءة الجزء الخامس: من تاريخ الخمر: النبيذ غَيرُ الخمرِ… وفي الإسلام، البعض اعتبر شربه سُنّة! (الجزء الخامس)

لقراءة الجزء السادس: من تاريخ الخمر: العصر الأموي… الخليفة يريد إحداث مقصف على الكعبة ليشرب فيه الخمر مع ندمائه! (الجزء السادس)

لقراءة الجزء السابع والأخير: من تاريخ الخمر: المجون العباسي… لأول مرة، تخصيص موظفين برواتب في البلاط مكلفون بشؤون الشراب! (الجزء السابع والأخير)

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *