×
×

المساواة في الإرث في المغرب: هل نحن فعلا أمام آيات قطعية؟ 1/3

جوهر ما يجب أن يتجه إليه البحث في مباشرة سؤال المساواة في الإرث، طبيعة التعامل مع النص الديني، خاصة في الجانب التشريعي منه، إذ هل حقا أننا أمام نصوص قطعية الدلالة، لا مجال فيها للاجتهاد أو إعادة قراءتها؟ وهل هذه الأحكام والنصوص متعالية على الواقع التاريخي ومتجاوزة له؟ أم أنها مشروطة بالسياقات التاريخية التي ظهرت فيها؟

يوسف المساتي:
طالب باحث في علوم الآثار والتراث

تعتبر محاولة مقاربة المساواة في الإرث محاولة محفوفة بالمخاطر، وذلك بسبب تعقد مستويات وزوايا النظر إلى الموضوع. هذا الأمر جعل مقاربتها ذات طبيعة إشكالية بامتياز، زادت من حدتها التموقعات والقوالب الجاهزة، والتقاطبات التي يفرضها أو يفترضها النقاش حوله.

هذا الأخير كثيرا ما ينزلق ليصبح نوعا من “البولميك” أو السجال، الذي يرتكز على إبطال حجة الخصوم ودحضها، والدخول في الردود والردود المضادة، أكثر من الانشغال بالبرهنة على حقيقة، أو التأسيس لنوع من المعرفة، أو الاهتمام بالسياقات والاشكاليات الحقيقية.

هذه التوترات التي يفرزها موضوع المساواة في الإرث، تصل حد الدخول في تقاطبات مجتمعية بين تيار يدافع عن الخصوصية الهوياتية للمغرب، ويرى أن أي مس بقوانين الإرث هو مس بأحد الثوابت، باعتبار أن الله قد حدد وفصل في الإرث، في آيات قطعية وصريحة الدلالة؛ وبين تيار آخر ينطلق من كونية حقوق الإنسان وضرورة وفاء المغرب بالتزاماته الدولية في هذا السياق. هذا التقاطب يجعل النقاش في أحيان كثيرة يدور حول أسئلة مزيفة ومنطلقات خاطئة، تنتج عنها بالضرورة نتائج خاطئة، لا تؤسس لفعل معرفي قدر تأسيسها لتقاطبات أيديولوجية، ما تلبث أن تخمد حتى تشتعل من جديد.

نحن هنا إزاء اجتهادات بشرية لقراءة النص القرآني. دليلنا في ذلك أنه، حتى في الأحكام القطعية والصريحة في القرآن، كحد الزنا والسرقة، نجد أن الفقهاء هم من حددوا الخطوات العملية لإجراء هذه الأحكام والحدود، وفصلوا فيها وحددوا كل ما يرتبط بها، بل واختلفوا فيها أحيانا، رغم ورودها في نصوص صريحة.

يكشف هذا النقاش المحتدم عن عوائق ابستيمولوجية ترتبط بمنطلقات كل طرف، كان من تداعياتها أن جعلت موضوع المساواة في الإرث يدور في حلقة مفرغة، إذ أن كل فريق في واد يصيح بمعزل عن الآخر، لا يلتقيان إلا في تبادل الاتهامات والتصنيفات الجاهزة، التي يتماهى فيها المعرفي بالايديولوجي، بالتاريخي، بالفقهي، وصار يصعب النظر إلى الموضوع في سيرورة تشكله التاريخية والابستمولوجية لا في صيرورته الإيديولوجية.

إقرأ أيضا: بعض من كلام: المساواة في تونس… إنهم يغتالون الإسلام!

عوائق ابستيمولوجية تجعل من المُلح والضروري فتح النقاش من جديد، وفق مقاربات جديدة، بمعزل عن التقاطبات الأيديولوجية والقوالب الجاهزة والتصنيفات التقليدية؛ والبحث عن رؤى جديدة، لا بمنطق التوفيق، لأن “كل توفيق تلفيق”، ولكن وفق منطق الكشف عن المستويات المتعددة التي ترتبط بالموضوع، والكشف عن تداخلاتها وتمثلاتها، وقراءتها وفق سيرورة تشكلها التاريخية، في أفق تجاوز العوائق الابستمولوجية.

بما أن النقاش يتفاعل اليوم داخل المجتمعات التي تستمد تشريعاتها من النصوص الإسلامية، فإن هذا النقاش لابد أن يكون من داخل هذه المنظومة، عبر إعادة مساءلة سياقاتها التاريخية والدينية وسيرورة تشكلاتها، بالجمع لا بالمفرد، والبحث بالتالي عن منافذ للتعاطي مع النص الديني بشكل يجعلنا نتجنب التوترات القائمة بين الخصوصية والكونية من جهة، وبين المطالب الحقوقية والتشريعات الفقهية من جهة أخرى، وهو ما يقتضي الانطلاق من تساؤل أساسي، هل المساواة في الإرث تعتبر مسا بهوية الدولة والمجتمع؟

المساواة في الإرث مس بهوية الدولة؟

يعترض رافضو المساواة في الإرث على هذا المطلب من منطلق أن ذلك يعتبر مساسا بأحد ثوابت الدولة، أي الدين الإسلامي، وذلك على اعتبار أن الآيات المحددة لنصب الإرث قطعية الدلالة، صريحة المعاني، وواضحة لا لبس فيها، وأنها جزء من التشريعات الأساسية في الدين الإسلامي، والمس بالتشريع هو مس بجوهر الدين، وبالتالي مس بهوية الدولة. بقدر ما يبدو هذا الأمر حصيفا عند القائلين به، إلا أنه يقتضي التوقف عنده والنظر إليه من ثلاث زوايا:

–         الزاوية الأولى:

الخلط الذي يقع فيه الكثير من دعاة دينية الدولة ــ بل وحتى علمانيتها أحيانا ــ عدم التمييز بين هوية الدولة وقوانينها وتشريعاتها؛ ذلك أن استقراء التاريخ الإسلامي يجعلنا نخرج بنتيجة مهمة، وهي أن تشكل التشريع الإسلامي ــ أو الفقهي بمعنى أصح،- لم يتم إلا في مراحل لاحقة لتشكل الدولة، وبالضبط مع الإمام الشافعي (الذي توفي سنة 204 هجرية). الأخير وضع أصول الفقه، وأسس لمناهج استنباط الأحكام، مع كتابه “الرسالة”، الذي يعد أول ما وضع في أصول الفقه.

بما أن النقاش يتفاعل اليوم داخل المجتمعات التي تستمد تشريعاتها من النصوص الإسلامية، فإن هذا النقاش لابد أن يكون من داخل هذه المنظومة، عبر إعادة مساءلة سياقاتها التاريخية والدينية وسيرورة تشكلاتها، بالجمع لا بالمفرد، والبحث بالتالي عن منافذ للتعاطي مع النص الديني بشكل يجعلنا نتجنب التوترات القائمة بين الخصوصية والكونية من جهة، وبين المطالب الحقوقية والتشريعات الفقهية من جهة أخرى

بمعنى أننا هنا إزاء اجتهادات بشرية لقراءة النص القرآني. دليلنا في ذلك أنه، حتى في الأحكام القطعية والصريحة في القرآن، كحد الزنا والسرقة، نجد أن الفقهاء هم من حددوا الخطوات العملية لإجراء هذه الأحكام والحدود، وفصلوا فيها وحددوا كل ما يرتبط بها، بل واختلفوا فيها أحيانا، رغم ورودها في نصوص صريحة.

–         الزاوية الثانية:

يطرح الحديث عن هوية الدولة إشكاليات عديدة، مرتبطة بطبيعة مفهوم الدولة والهوية والدين والعلاقة بينها. سنتجاوز هنا عن الإشكاليات التي يطرحها تحديد هذه المفاهيم، وننطلق من كون الإسلام كهوية الدولة، فلا يشترط أبدا أن يكون مصدرا للتشريع…

إقرأ لنفس الكاتب: تلبية وطواف: أهم أركان الحج عند عرب ما قبل الإسلام 2\3

ومن الممكن هنا أن نحيل على النموذج التونسي والماليزي والأندونيسي، أو النموذج الإنجليزي والسويسري والأمريكي وغيرهم كثير، فهي كلها دول بهويات ومرجعيات دينية ولكن بتشريعات مدنية، ولا يوجد ما يهدد هوية الدولة أو ثوابتها.

–         الزاوية الثالثة:

وهي جوهر ما يجب أن يتجه إليه البحث، ونقصد هنا طبيعة التعامل مع النص الديني، خاصة في الجانب التشريعي منه، إذ هل حقا أننا أمام نصوص قطعية الدلالة، لا مجال فيها للاجتهاد أو إعادة قراءتها؟ وهل هذه الأحكام والنصوص متعالية على الواقع التاريخي ومتجاوزة له؟ أم أنها مشروطة بالسياقات التاريخية التي ظهرت فيها؟

لقراءة الجزء الثاني: المساواة في الإرث في المغرب: قطعية الآيات على ضوء السياقات التاريخية 2/3

لقراءة الجزء الثالث: المساواة في الإرث في المغرب: الإرث…التاريخ … القوامة وسقوط العلة 3/3

تعليقات

  1. Moha Ou Haddou

    Il est parfois IMPOSSIBLE d’appliquer un partage selon ce qui est écrit dans le Coran. Par exemple dans ce cas: Héritage à partager entre la soeur d’un défunt et ses parents (père & mère).Selon le texte, la soeur a droit à la moitié de l’héritage, et les parents, un tiers chacun. Or 1/2 + 1/3 +1/3 dépasse la totalité de l’héritage.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *