جرائم بلا شرف: فاجعة كوثر بشار… إلى متى تدفع الفتيات ثمن “مفهوم الشرف” المشوه؟ - Marayana
×
×

جرائم بلا شرف: فاجعة كوثر بشار… إلى متى تدفع الفتيات ثمن “مفهوم الشرف” المشوه؟

قضية كوثر بشار ليست مجرد رقم ينضم إلى سجلات “جرائم قتل النساء”، بل هي المرآة العارية التي تعكس عمق الخلل في وعينا المجتمعي.
عقول لا تزال تعيش تحت أقبية التاريخ المظلمة، حيث يقاس “الشرف” بقطرات دم تُسفك على عتبات البيوت.

تحت وطأة موروثات بالية، لا تزال جرائم قتل النساء تشكل جرحا نازفا في جسد حقوق الإنسان والنساء بشكل خاص، حيث تُسلب الأرواح بدم بارد خلف أقنعة تبريرية واهية تُحاول إلباس الجريمة ثوب الفضيلة.

تحت جريرة “الشرف”، تدفع الضحايا ثمن مفاهيم مشوهة تربطها بجسد المرأة دون سواها.

جرائم قتل النساء، تقف كشاهد إدانة صارخ على ازدواجية المعايير الإنسانية، حيث يُنتهك أقدس حقوق الإنسان – الحق في الحياة – تحت مبررات واهمة تجعل من القتل “حاميا للشرف والكرامة” ومن الضحية مُذنبة دون محاكمة. مأساة تمتزج فيها دماءُ الضحايا بجهل الموروث الثقافي، وقسوة الضغط المُجتمعي.

ثم شُطر رأسها… لأنها قالت “لا”

في مُجتمع قبلي، لا يزالُ يؤمن أن المرأة لا بد أن تُوضع تحت رحمة الرجل والقبيلة والعادات، وأن تنحني تحت مفاهيم تبرر العنف ضد النساء؛ “الشرف”، “العار”.. ماذا لو قالت “لا” في وجه كل ذلك؟

في منطقة النهروان، جنوب شرق بغداد بالعراق، ظنت كوثر بشار الحسيجاوي، تلك الطفلة البالغة من العُمر 15 سنة، أن استخدام سلاحها الوحيد المُتاح “لا”، في وجه عائلتها، قد يُحرك بعضا من مشاعر الضمير الإنساني لديهم… أن يُفكروا في تلك الـ “لا” بعُمق.

لم تكن كوثر تظن أن الـ “لا” في وجه العشيرة والمجتمع والأعراف، قد يبتلعُ حياتها وحياة نساء وفتيات أخريات في منظومة لا تعترفُ إلا بـ”نعم”… بالرضوخ والسمع والطاعة.

لنرسم خيوط الحكاية كاملة.. ثم نُفكر بوعي!

وفق روايات أحد أفراد عائلة الضحية كوثر، حُرمت الطفلة مُبكرا من الدراسة، وأجْبرت على زواج قسري في سن الـ 13 من رجل مدمن كحول يكبُرها بسنوات.

في تجربة زواجها القسري الأول، عاشت كوثر فصولا قاسية من العنف والاضطهاد، ملامحها الحنطية لم تسلم من الكدمات والندوب الزرقاء طوال فترة الزواج. بعد عام من العذاب الممتد، لاذت بالفرار، مهددة عائلتها بإنهاء حياتها إن هم حاولوا إرغامها على العودة لذلك الجحيم.

لم تُفكر العائلة مُطلقا بكرامة الفتاة، بجسدها المترهل، بالعُنف الممارس عليها… تعرضت داخل أسرة كان من المفترض أن تكون “جسر أمان”، لكل أنواع التعنيف الجسدي والنفسي، لكن الطفلة ظلت مصممة على اللاعودة، لتُنهي المحكمة فصول المعاناة هاته.

من عُنف إلى آخر… تعرضت كوثر لحبس منزلي وعنف من طرف أسرتها، ليخرج ابن عمها من السجن ويطلبها للزواج، علما أن كل العائلة تعلمُ أن ابن عمها متورط في تجارة “الكريستال” والكحول بشكل غير قانوني.

زواج قسري آخر ستدخلهُ كوثر في سن الـ15. وبعد أن اقترب حفل “الاغتصاب القسري”، خرجت كوثر من البيت هاربة… لا تحمل معها سوى ملابس عادية وغطاء رأس.

خرجت كوثر دون وجهة… خرجت لتتنفس حرية مملوءة بالخوف، قبل أن يراها أحد أبناء منطقتها، ويأخذها بالقوة محتجزا إياها لمدة ثلاثة أيام.

سُلمت كوثر لعائلتها. لم يكن ذلك تسليما لحضن دافئ أو ملاذ آمن، بل كان – بكل أسى – بمثابة توقيع على قرار إعدامها، وتسليما للضحية إلى جلادها.

يوم السبت التاسع من ماي 2026، على الساعة الثالثة فجرا، أخذت كوثر من طرف عمها ووالدها و”خطيبها بالإجبار” داخل سيارة مع ثلاثة رجال من العائلة، نحو منطقة أصبحت مقبرة خفية لأجساد نساء وفتيات.

هُناك، أطلقت عشرُ رصاصات على جسد لا يتجاوز الـ15، قبل أن يُشق رأسها، وتُدفن هناك… فقط لأنها قالت “لا”.

الحكاية لم تكتمل… ساعات بعد ذلك، أقامت عائلتها مناسبة للغناء والرقص والاحتفال… احتفال أحيط بمفاهيم تُبرر العنف ضد النساء والفتيات: “غسل الشرف والعار”، و”سمعة العائلة والقبيلة”…

الآن.. لنفكر بوعي

الخطيئة الوحيدة لكوثر أنها وُلدت داخل بنية مُجتمعية ترى في جسد الأنثى وحريتها “حقل ألغام”، وفي موتها مخرجا سهلا لـ”عقد اجتماعية متوارثة”، تحولت خلالها من طفلة في الـ15 من عُمرها، تبحث عمن يُشاركها الـ”لا” إلى رمز جديد لمأساة نسوية لا تزال فصولها تُكتب بالدم تحت غطاء “الشرف”.

حين تُبرر الجريمة

المشكل ليس في الجريمة في حد ذاتها، بل حين تُهندس المفاهيم من أجل تبرير الجريمة.

حين يعاد تدوير مصطلحات “الشرف” و”العار” و”الهروب”، لتتحول إلى واجهات أخلاقية تبرر التصفية الوحشية والقتل، تُختزل “قيم القبيلة” بأكملها في مساحة خانقة لا تتعدى جسد الأنثى وحريتها واستقلاليتها. في هذا السياق المشوه، لا يعود “الهروب” من التعنيف والزواج القسري صرخة استغاثة أو محاولة غريزية للنجاة، بل يُصنف “كتمرد” على العادات والتقاليد، وجريمة خروج عن الطاعة تستوجب العقاب الذي يصل إلى حد الموت.

منظومة أبوية تلجأ إلى توظيف هذه الثنائيات لشرعنة القتل وتحويل الجاني إلى “حام” والضحية إلى “مصدر للتدنيس”، تسعى بالدرجة الأولى إلى التغطية على عجز المجتمع عن حماية الطفولة، والتستر على الجريمة خلف قناع من “الفضيلة” التي تُغسل بالدم، في غياب تام لحرمة “الجسد”.

يظل السؤال المُعلق في هذا الإطار: كيف يُبرر القتل؟ كيف يُفهم؟ كيف يُبحث له عن الأسباب والعلل؟ ضمن هذه الأسئلة يتحول القتل إلى مؤسسة اجتماعية يتواطأ فيها الجميع، ويُصبح خلالها عُنفا تبريريا.

هنا، يُصبح الهروب من البيت والرفض وقول “لا” في وجه العادات، تمردا على خريطة مجتمعية لا تعترف للنساء بحق الاختيار خارج ما تقرره الجماعة الذكورية، وتُصبح أجساد النساء وقرارتهن أرضية لشرعنة وتبرير الفعل كيفما كان نوعه ونتيجته.

قصة كوثر.. حديث عن ثمن “لا” التي تقولها النساء ولا تُسمع.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *