×
×

محمد رشيد رضا… مُجهضُ النّهضة الإسلامية والمنقلب على التيار الإصلاحي 1/3

اعتباره أنّ الرق لا يتنافى مع العدل، واعتبار تعدد الزوجات جائزا دوماً هو، ببساطة، دليل على أنّ رشيد رضا أصبح منغلقاً على شاكلة الوهابية في الحجاز وقتئذ، وانحاز عن مسار الفكر الإصلاحي…

في وقتٍ كانت فيه الأصواتُ تنتصرُ للنهضة الخلدونية، أجمع لفيف من الباحثين من عيار مالك بن نبي ومحمود قاسم وحسن حنفي وعبد الرحمن الرافعي، على أن رائد اليقظة ليس إلاّ جمال الدّين الأفغاني الذي لن ينازعه غيره -من منظورهم- على مستوى الريادة في بعث نهضة فكرية مبِّكرة هاجسُها الإصلاح.

بلغ بهم الأمر حد ربط اسمه عندهم بألقاب حَّلوه بها، فهو باعث الحركة الإصلاحية ورائدها، وبطلها الأسطوري في العصر الحديث، وهو حكيم الشرق، ورجل الإصلاح الديني والسياسي والاجتماعي في بلاد المسلمين كافة… وهو باعث النهضة الإسلامية أو نهضة الشرق أو باعث النهضة الفكرية في الشرق.. [1]

لم يتوقفِ الأمرُ عند هذا الحدّ، بل انتزع من المستشرقين الاعتراف بكونه الرائد الكبير للنهضة الإسلامية الحديثة في القرن التاسع عشر.

كان رشيد رضا  يجمعُ بجلاء بين حدود ميله إلى العالم الحديث، وبالوقت نفسه مقدار تأصّل جذوره في التقليد..

تلكَ النّهضة التي تابع على منوالها محمد عبده وتلميذهُ محمد رشيد رضا في بداياته، قبل أن يصبح الأخير في نظر الكثير من الباحثين، وضمنهم عبد الإله بلقزيز، هو مُجهضُ النهضة الإسلامية أو “الأفغانية” والمنقلبُ على التيار الإصلاحي!

ألبرت حوراني يذهبُ في كتابه “الفكر العربي في عصر النّهضة” إلى أنّ الكثير من تلاميذ محمد عبده ألقوا شكّا على أن يدعي محمد رشيد رضا خلافة محمد عبده الرّوحية، على اعتبار أن الكثير من أفكار محمد عبده تعرّضت للتحوير على يد رشيد رضا وأصبحت منغلقةً تميل إلى التشدد. [2]

رشيد رضا… الانقلاب على الانقلاب!

لا يختلفُ الباحثون على أنّ محمد رشيد رضا، في بداياته، أبان عن فكر نهضوي معتدل يسايرُ نهج سابقيه، جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، وعمل هؤلاء الباحثون عبر تمحيص مجلة “المنار”، التي أسسها محمد رشيد رضا، لإحياء تجربة “العروى الوثقى”، التي أسسها الأفغاني.

الكثير من تلاميذ محمد عبده ألقوا شكّا على أن يدعي محمد رشيد رضا خلافة محمد عبده الرّوحية، على اعتبار أن الكثير من أفكار محمد عبده تعرّضت للتحوير على يد رشيد رضا وأصبحت منغلقةً تميل إلى التشدد.

لكن… حين قارن فهمي جدعان بين جريدة “العروة الوثقى”، التي كان قد أصدرها الأفغاني وعبده سنة 1301هـ/1884م، وبين “المنار”، التي أصدرها رشيد رضا بدعم مادي ومعنوي من محمد عبده، من جهة التوافق والإضافة، فإنّ الخلاصة الهامة التي يجدها فهمي جدعان، تتمثّل في أن الذي وافق فيه المنار العروة الوثقى، هو تعاليمها الاجتماعية وقواعدها التي وضعتها للوحدة الإسلامية. أما ما أضافه، فهو البحث في جزئيات البدع وتفصيل القول في التعاليم الفاسدة والعقائد الزائفة والتربية المفيدة.

لقد كانت أفكار الأفغاني ومحمد عبده تشكّل انقلاباً إيجابياً على جانب من التّراث العربي، فقرؤوا الفكر الليبرالي والعلوم الغربية وانفتحوا عليها واعتمدوها، قبل أن يأتي رشيد رضا في مرحلته الثّانية ليشَكّل انقلاباً عليهما ويفتي بنوع من التشدد، فماتت النّهضة الإسلامية في خلال القرن العشرين بظهور الإسلام الحزبي على يد حسن البنا في مصر، والذي كان تلميذ رشيد رضا.

رشيد رضا… المحدّث والمنغلق!

حمّل الكثيرُ من الباحثين، على غرار ألبرت حوراني وفهمي جدعان ورضوان السيد ومحمد عمارة لرشيد رضا مسؤولية الوضع الحالي للعالم الإسلامي، لأنه تحوّل عن المسلك الإصلاحي لأستاذه محمد عبده إلى مسلك سلفي مغاير.

أكثر من ذلك، أقال محمد عمارة محمد رشيد رضا من خط التيار الإصلاحي النهضوي الذي رسمه الأفغاني ومحمد عبده. [3]

فاعتبار رشيد رضا إصلاحياً، حسب محمد عمارة، خلطٌ وتعميم يطمس فروقاً أساسية وهامة بين هذه التيارات، ومن مخاطره أنه يلبس المتخلف ثوب المتقدم، ويزين بعباءة العقلانية والاستنارة قوماً وقفوا فقط، أو… وقفت بهم قدراتهم عند ظواهر النّصوص.

لا يختلفُ الباحثون على أنّ محمد رشيد رضا، في بداياته، أبان عن فكر نهضوي معتدل يسايرُ نهج سابقيه، جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، وعمل هؤلاء الباحثون عبر تمحيص مجلة “المنار”، التي أسسها محمد رشيد رضا، لإحياء تجربة “العروى الوثقى”، التي أسسها الأفغاني.

كما أن رشيد رضا، يرى ألبرت حوراني، كان يجمعُ بجلاء بين حدود ميله إلى العالم الحديث، وبالوقت نفسه مقدار تأصّل جذوره في التقليد.

لعلّ هذا ما يبدو بشكل واضح عندما تفاعل مع ذلك الجدل الدّائر في البلاد العربية، وفي مصر على وجه الخصوص، بعد ما كتبه قاسم أمين بخصوص موضوع المرأة، حيثُ اعتبر رشيد رضا أن للمرأة المسلمة الحق في أن تشترك في حياة الإسلام الجماعية، كما فعلت طيلة “الأيام العظمى في التاريخ الإسلامي”، فإيمانها مثل إيمان الرجل نفسه، وواجباتها الدينية مثل واجباته، وكذلك واجباته الاجتماعية بمقدار ما هي مستمدة من الدّين! [4]

لكنه سُرعان ما عاد إلى فكر مشرقي منغلق، حيثُ اعتبر أنّ ثمّة لامساواة فعلية نتيجة تفوّق الرجل على المرأة في القوة والذّكاء؛ ولذلك، وفق رشيد رضا، فسيطرةُ الرّجل علَى المَرأة ينبَغي أن تُمارَس على غرار سيطرة الحاكم على الدولة، لا بالاستبداد بل بالتشاور. [5]

كخلاصة، فإنّ الكثير من مواقف محمد رشيد رضا من تحرير المرأة، كما يبدو، كانت ضبابية وغير واضحة، يمتزج فيها التقليد بنوع من التحديث المُغلّف بالدين دائماً، فهو بهذا، رغم ما بدا فيه من انفتاح على شاكلة أستاذه محمد عبده، سرعان ما عاد إلى “السّلف الصالح” لإصدار بعض الأحكام.

… اعتباره أنّ الرق لا يتنافى مع العدل، واعتبار تعدد الزوجات جائزا دوماً هو، ببساطة، دليل على أنّ رشيد رضا أصبح منغلقاً على شاكلة الوهابية في الحجاز وقتئذ، وانحاز عن مسار الفكر الإصلاحي.

فكيفَ نظرَ محمد رشيد رضا لقيام السّلفية الوهابية بالحجاز؟

الإجابة في الجزء الثاني من هذا الملف…

الهوامش:

[1] سعيدة الفقير، حفريات في سؤال النهضة.. أطروحات وسياقات ومناقشات.

[2] حوراني ألبرت، الفكر العربي في عصر النّهضة: 1798 – 1939، ترجمة كريم عزقول، دار النهار للنشر.

[3] سعيدة الفقير، المرجع السابق.

[4] حوراني ألبرت، المرجع السابق.

[5] نفسه.

مقالات قد تثير اهتمامك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *