×
×

محمد رشيد رضا… الإصلاح الديني في لونِ السّلفية! 2/3

كان رشيد رضا هو الناطق الرسمي باسم الوهابية في مصر. واتهمه البعض، بأن هذا التحول راجع إلى أنه باع نفسه لابن سعود. بيد أنّه سرعان ما ردّ على ذلك، معتبراً أن الأمر راجع إلى قراءة وتفكير واطلاع، دفعه بالتالي إلى تغيير رأيه في الوهابية، بل والدعاية إليها والخروج بالتيار الإسلامي الإصلاحي عن مساره في المُحصلة…

ربّما، كانت الدول المنتمية لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ستكونُ أفضل حالاً فكرياً… لو استمرّ رشيد رضا في نهج النهضة الإصلاحية… كما رأينا في الجزء الأول!

لم يكن، أيضاً، ليصبِح الإسلام سياسياً، بالمعنى المُمَأْسَس للحزب، يرى عبد الإله بلقزيز، كما دشّنه تلميذهُ حسن البنا في مصر.

كان تحوّل محمد رشيد رضا نحو السّلفية الوهابية صدمةً في الذّات “العربية”، التي كانت تعلّق الكثير من آمالها على أفكار محمد عبده المتنوّرة. لذلك، كان رأي كثير من الباحثين قاسياً في حقّ محمد رشيد رضا، لأنه أقبر “مشروعاً” ضخماً للمدرسة الإصلاحية!

خالف رشيد رضا ابن تيمية في بداياته، إلاّ أنّه سرعان ما بدأ يستقي من تآليفه، وأكثر من ذلك أنّه استنجد به في حربه الضارية ضد التصوف في جريدة “المنار”.

حاول وجيه كوثراني أن يربط انقلاب رشيد رضا وعودته إلى الانكماش، بالمرحلة التاريخية العاصفة بالأحداث والانعطافات والتحولات الكبرى المصيرية أو المغيرة فعلاً للمصائر، باعتبارها، وفقه، مرحلة متقلبة وعنيفة وصادمة.

منذ الانقلاب الدستوري (1908م)، وحتى إلغاء الخلافة ومؤتمر لوزان (1933)، يضيف كوثراني، شهدت المرحلة انفجار الحرب العالمية الأولى، وسلسلة المعاهدات السرية بين الدّول الكُبرى من سايكس ـ بيكو إلى وعد بلفور، وانقضاض القوميين الأتراك على القوميين والإصلاحيين العرب، وقيام الثورة العربية، ومشروع المملكة العربية السعودية (فيصل)، وسقوط هذا الأخير مع مشروعه ومشروع والده، وقيام الثورة الكمالية التحريرية في تركيا، التي عطلت معاهدة سيفر، وبروز المشروع السعودي الثاني بقيادة عبد العزيز.

كلّها عوامل، ينظر إليها كثير من الباحثين على أنّها حتمية، لأن يُولّي محمد رشيد رضا وجهه شطر السّلفية…

رشِيد رضا والميلُ صوبَ الحَنبَلية!

يذهبُ ألبرت الحوراني إلى أنّ محور تفكير رشيد رضا، كان هو الحاجة إلى خلق نظام تشريعي يستطيع النّاس في العالم الحديث التقيّد به فعلاً، ويكونُ فيه القانونُ قانوناً بمعناه الصحيح أيضاً!

كان رشيد رضا الناطق الرسمي باسم الوهابية في مصر، واتهمه البعض، بأن هذا التحول راجع إلى أنه باع نفسه لابن سعود. بيد أنّه سرعان ما ردّ على ذلك، معتبراً أن الأمر راجع إلى قراءة وتفكير واطلاع…

وهو ميلٌ نحو المذهب الحنبلي، الذي يجمعُ التصلّب الشّديد في المنهج والليونة البالغة في التّطبيق. يُعتَبرُ الاتجاه الحنبلي هو أساس النظام التشريعي في السعودية، وفيها فقط لم يحصل، يقول الحوراني، الفصل بين الشريعة الإسلامية والقانون الحديث الذي حصل في سائر بلدان الشّرق الأدنى الإسلامية.[1]

كان رشيد رضا يؤمن أن الشّريعة تقتضي سلطة تحافظُ عليها وتُطبّقها، معتبراً أنّ الإسلام دينُ السيادة والسياسة والحكم. بالنسبة له، لا يمكن إصلاح الشّريعة الإسلامية إلاّ بإعادة تكوين الدولة الإسلامية، محاولاً استغلال إرث الخلافة والقول بأن المرجعية موجودة في التراث الإسلامي، تتجلّى في نظام سياسي قائم على التشاور بين الحاكم وحرّاس الشريعة ومفسريها! [2]

يبدو من هذا الطرح أنّ معالم المدرسة الإصلاحية شبه منعدمة إن لم نقل غائبة، فأي شخص قد يتساءل أي وجه للإصلاح، ما دمام رشيد رضا يتشبّث باعتبار الشريعة أساساً لروح القانون، ويدعو إلى قيام الخلافة الإسلامية؟

رشيد رضا… “انتكاسة” الوهابية!

تفسيرُ محمد رشيد رضا للإسلام بمنطق الحنبلية المتزمتة، كان نتيجة لسطوة هذا المذهب في سوريا ولاسيما في دمشق، أكثر منه في مصر.

ورغم أنّه خالف ابن تيمية في بداياته، إلاّ أنّه سرعان ما بدأ يستقي من تآليفه، وأكثر من ذلك أنّه استنجد به في حربه الضارية ضد التصوف في جريدة “المنار”.

لذلك، يعتبرُ ألبرت الحوراني، أنّ هذا العطف على الحنبلية، هو ما حمله فيما بعد على الاندفاع في تأييد انبعاث الوهابية في أواسط الجزيرة العربية، وسياسة زعيمها عبد العزيز بن سعود، مرحبا بفتح الوهابيين للحجاز، ومبرّئا إياهم من تهمة الخروج على الدّين، معلناً أن عقيدتهم سنية صرفة… ودينهم دين المسلمين الأوّلين. [3]

بهذا، أصبح رشيد رضا الناطق الرسمي باسم الوهابية في مصر، واتهمه البعض، بأن هذا التحول راجع إلى أنه باع نفسه لابن سعود. بيد أنّه سرعان ما ردّ على ذلك، معتبراً أن الأمر راجع إلى قراءة وتفكير واطلاع، دفعه بالتالي إلى تغيير رأيه في الوهابية، بل والدعاية إليها والخروج بالتيار الإسلامي الإصلاحي عن مساره في المُحصلة.

محور تفكير رشيد رضا، كان هو الحاجة إلى خلق نظام تشريعي يستطيع النّاس في العالم الحديث التقيّد به فعلاً، ويكونُ فيه القانونُ قانوناً بمعناه الصحيح أيضاً!

نخلصُ إذن أنّ تحوّل رشيد رضا نحو السّلفية والانشغال بقضايا العقيدة وبالظواهر والسلوكيات التي توصف حسب هذا الخطاب بالخرافات والبدع، والابتعاد عن النهج الإصلاحي الذي ينحاز للنهضة والتقدم والتمدن للأمّة بأجمعها، وفي سياق علاقتها من هذه الناحية بالأمم الأوروبية وبالغرب الصناعي والعلمي،[4] شكّل انتكاسة للمدرسة الإصلاحية وعجّل بنهايتها وبروز الإسلام الحزبي على يدي تلميذه حسن البنا، كما أقبر مشروع علمنة المجتمع.

يجوز التساؤلُ إذن… حول نظرة رشيد رضا للعلمانية وكيف أفتى بشأنها؟

سنحاول الإجابة عن هذا السؤال في الجزء الثّالث والأخير!

الهوامش:

[1] حوراني ألبرت، الفكر العربي في عصر النّهضة: 1798 – 1939، ترجمة كريم عزقول، دار النهار للنشر.

[2] نفسه.

[3] نفسه.

[4] الحداد حسام، رشيد رضا وتأسيس الأيديولوجيا الوهابية في مصر

مقالات قد تثير اهتمامك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *