×
×

علي عبد الرازق… الأزهري الذي جلد نظام الخلافة وكشف حقيقته في التاريخ الإسلامي

بعد قرابة القرن من صدور “الإسلام وأصول الحكم”، لا يبدو أن الخلافة عائدة يوما ما، وكل الدول الإسلامية قد أوجدت لنفسها شرعيات أخرى، بعضها محل نقاش حقا، لكنها على الأقل، غير “ظل الله في أرضه”.

نشأ في بيت فقه، عالمٌ أزهري، وقاضٍ شرعي… وفي الأخير، أصدر كتابا يجلد “نظام الخلافة”، يقول فيه صراحةً إنه ما من أساس لهذا النظام في القرآن، ولا في السنة، بل إنّه كان وبالا على الإسلام.

… بعضٌ من حكاية مُؤلّف كتاب “الإسلام وأصول الحكم”، علي عبد الرازق، التي نُتابع في هذا البورتريه.

علي عبد الرازق

ولد علي عبد الرازق، عام 1888م، في قرية أبو جرج، محافظة المنيا بمصر. درس في كتّاب القرية حيث حفظ القرآن، ثم ألحقه والده بالأزهر في القاهرة. ولما افتتحت الجامعة المصرية، درس فيها بالموازاة.

نال عبد الرازق شهادة “العالِمية” من الأزهر عام 1912، ثم سافر مع أخيه مصطفى إلى فرنسا ليتابع دراسته هناك.

بيد أنه، نزولا عند رغبة والده، ترك أخاه في فرنسا وسافر إلى إنجلترا، حيث درس السياسة والاقتصاد. لكن، بعد ثلاث سنوات، عاد إلى بلاده بعدما اضطربت الأوضاع بسبب الحرب العالمية الأولى، وعُيّنَ قاضيا شرعيا في محكمة المنصورة الشرعية.

اقرأ أيضا: النبوة والمسألة السياسية… حين وجد العرب في ادعاء النبوة سبيلا لسياسة الناس! 3/1

خَبِرَ عبد الرازق في عمله هذا دواليب القضاء الإسلامي، فتنبّه إلى أن الأخير مجرد مؤسسة بشرية، لا يمكن أن تحفها أي قداسة.

“الإسلام وأصول الحكم” كان أول كتاب من نوعه في “العالم الإسلامي” يؤكد صراحةً أن الإسلام دينٌ ليس بدولة.

ثم، لما عاد إلى نظام الخلافة بوصفه عِمادا، وجد بعد بحثٍ أن هذا النظام في حد ذاته، نظام بشري نشأ كرد فعل على صدمة غياب النبوة، وأن لا أساس ديني له؛ لا في القرآن ولا في السنة.

ولأن المفكر لا يهنأ حتى يصدح بأفكاره، عام 1925م أصدر كتابا بعنوان “الإسلام وأصول الحكم”، كان أول كتاب من نوعه في “العالم الإسلامي” يؤكد صراحةً أن الإسلام دينٌ ليس بدولة.

اقرأ أيضا: علي اليوسفي العلوي يكتب: الإسلام: دين ودنيا، أم دين ودولة؟

السابقة لا تتجلى هنا وحسب، إنما أيضا في أنها أتت من رجل ينتمي إلى الأزهر، أكبر المؤسسات الدينية في مصر، بل وفي الأقطار الإسلامية.

فكأنما لمس عش الدبابير… ضريبة خرق ما يسمى بإجماع الأمة، كانت أن سحب الأزهر من عبد الرازق شهادة العالمية، وأصدر قرارا يقضي بفصله من عمله كقاضي.

الواقع أن الجو العام كان يشي يومها بأن المسألة سياسية أكثر منها دينية.

ذهب عبد الرازق في كتابه صراحة إلى أن “التاريخ يبين أن الخلافة كانت نكبة على الإسلام وعلى المسلمين وينبوع شر وفساد”.

بعد سقوط “الخلافة” العثمانية، بدا أن العالم الإسلامي صار بلا قيادة سياسية، بخاصة وأن مؤسس تركيا الحديثة، مصطفى كمال أتاتورك، كان قد أطلق رصاصة الرحمة على هذا النظام.

في ظل هذا الفراغ، كان الأزهر، المؤسسة الدينية التي تعتبر نفسها قيمة على الدين الإسلامي، يبحث موضوع عودة الخلافة، حاملا مشعل إحيائها وتكريسها في مصر بعدما سقطت في آخر مواطنها.

اقرأ أيضا: حسين الوادعي يكتب: الأزهري الشجاع … والثلاثية العلمانية

ويبدو أن توجه الأزهر هذا، قد التقى مع طموح فؤاد، ملك مصر وقتها، الذي كان متحمسا لتعزيز عرشه، بتنصيب نفسه خليفة جديدا، على نحو يجعل مصر زعيمة للعالم الإسلامي.

بريطانيا، بحسب بعض المصادر، كانت موافقة على الفكرة، طالما أنها ستحفظ مصالحها في مصر والمنطقة، ذلك أن إعطاء طابع ديني للملك سيعزز من موقعه السياسي والشعبي.

يظل عبد الرازق محظوظا، ذلك أن ما كتبه لم يصل بالآخرين إلى حد تكفيره أو قتله، كما حدث مع أسماء أخرى لاحقا. غير أن الأقلام العاصفة، لم تترك عبارة ازدراء إلا ووسمته بها.

لكن، رغم أن هوى معظم المصريين كان مع إحياء الخلافة، واجهت الفكرة معارضة واسعة، إذ إن مصر كانت تشهد وقتها حركة فكرية تدعو إلى الاستقلال عن بريطانيا.

ثم إن النخبة هذه، كانت بعدُ متشبعة بالأفكار الليبرالية الموروثة عن الثورة الفرنسية، من حرية وحقوق إنسان وديمقراطية وعدالة ومساواة. من ثم، كانت ترى أن أي عودة إلى حكم ذا طابع ديني، ستكون مدخلا للطغيان والاستبداد.

اقرأ أيضا: قاسم أمين… رجل حلم بتحرير المرأة

في هذا الجو العام، إذن، كتب عبد الرازق “الإسلام وأصول الحكم” مناقضا الفهم السائد للدولة في الإسلام، فوجه بذلك ضربة مزدوجة، إحداهما للبلاط الملكي، والثانية للأزهر.

أكثر من ذلك، ذهب عبد الرازق في كتابه صراحة إلى أن “التاريخ يبين أن الخلافة كانت نكبة على الإسلام وعلى المسلمين وينبوع شر وفساد”.

ضريبة خرق ما يسمى بإجماع الأمة، كانت أن سحب الأزهر من عبد الرازق شهادة العالمية، وأصدر قرارا يقضي بفصله من عمله كقاضي.

وانبرى الإسلاميون إلى الرد… رثى رشيد رضا مثلا حال الأمة الإسلامية، وطالب بالرد على عبد الرازق، وكتب محمد الخضر حسين، شيخ الأزهر لاحقا، كتابا بعنوان “نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم”، ووصف عبد الرازق بـ”عدو الإسلام والمسلمين”.

في الأخير، يظل عبد الرازق محظوظا، ذلك أن ما كتبه لم يصل بالآخرين إلى حد تكفيره أو قتله، كما حدث مع أسماء أخرى لاحقا مثل فرج فودة. غير أن الأقلام العاصفة، لم تترك عبارة ازدراء إلا ووسمته بها.

اقرأ أيضا: اغتيال فرج فودة: حين يحاكم القاتل… قتيله!

“الإسلام وأصول الحكم” يظل الكتاب الذي سرق الأضواء في حياة عبد الرازق، إلا أن له مؤلفات أخرى عديدة منها “أمالي علي عبد الرازق”، “الإجماع في الشريعة الإسلامية”، “من آثار مصطفى عبد الرازق”.

بعد هذه الفترة العصيبة، سافر عبد الرازق إلى لندن، ثم إلى شمال إفريقيا، ومن هناك كتب عددا من المقالات كانت تنشرها له مجلة “السياسة”، التي كان يصدرها حزب الأحرار الدستوريون.

لما عاد إلى نظام الخلافة بوصفه عِمادا، وجد بعد بحثٍ أن هذا النظام بشري نشأ كرد فعل على صدمة غياب النبوة، وأن لا أساس ديني له؛ لا في القرآن ولا في السنة.

ثم لما تولى أخوه مصطفى عبد الرازق مشيخة الأزهر، عام 1945، أعاده إلى “زمرة العلماء”، وبعد ثلاث سنوات، تولى وزارة الأوقاف في حكومة إبراهيم عبد الهادي باشا، وبالموازاة كان برلمانيا، كما عين عضوا بمجمع اللغة العربية في القاهرة.

توفي علي عبد الرازق في الـ23 من شتنبر/أيلول 1966. توفي وقد حرك مياها ركدت منذ قرون. توفي وقد مثل كتابه لحظة فكرية هامة في مسلسل خروج العالم الإسلامي من عباءة “نظام الخلافة”، الذي كان ملغيا وقتها فعلا.

اليوم، وبعد قرابة القرن من صدور “الإسلام وأصول الحكم”، لا يبدو أن الخلافة عائدة يوما ما، وكل الدول الإسلامية قد أوجدت لنفسها شرعيات أخرى، بعضها محل نقاش حقا، لكنها على الأقل، غير “ظل الله في أرضه”.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *