×
×

من مصر، محمد حميدة يكتب: ابن تيمية والقتل المقدس

محمد حميدة، صحافي مصري

أثارت عمليات الذبح التي قام بها تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، داعش، جهرًا، وعلى مرأى ومسمع من العالم أجمع، كثيرًا من الجدل والاختلافات والتشابكات الفكرية والفقهية.

ما بين بشاعة ما تأتيه عناصر داعش بحق خصومها من عناصر المؤسسات الحكومية في العراق أو في سوريا، أو بحق منافسيها من التيارات والتنظيمات الجهادية الأخرى، أو حتى ضدّ من يرفضون الانصياع لسطوتها وسيطرتها من المدنيين والمواطنين العاديين، وبين تضارب وتشابك الآراء الفقهية والمدونات التاريخية، النصية والسلوكية، تتسع بقعة الجدل والقلق التي تفتح عناصر داعش قوسها، ويظلّلها من يمتهنون الفقه وعلوم الدين والشريعة، سواء ضمن بنية المؤسسات الدينية الرسمية، أو ممن يعملون وفق انحيازات خاصة وغير مؤسسية.

 التنظيم الإرهابي بحسب تأكيدات صادرة

بناء على تصريحات بعض قيادات داعش، يعتمد هذا النهج على الحديث المروي عن الرسول، والذي جاء فيه: “أما والذي نفس محمد بيده، لقد جئتكم بالذبح”.

يعتقد كثيرون من الأصوليين وأنصار النظريات النقلية والانحيازات الحرفية في التعامل مع النصوص والمرويات العقدية والتاريخية، أن الذبح هو أمر واجب التنفيذ من الرسول، وأنه يتصل بقضايا الخلاف السياسي والنزاع البشري، ولا ينسحب الوصف والفعل على معنى تأويلي يتصل بآلية الذبح بعيدًا عن غايته والمستهدف به.

هنا، لا يفرّق التعامل الأصولي بين كون أضحية العيد – مثلاً – ذبحًا يحقّق سنّة الرسول التي أتى بها، هذا إن كان هذا الحديث منقولا عن الرسول أساسا، ولا ينبغي أن يكون الذبح فعلاً عامًا مقصودًا فيما يخص البشر، خاصة وأن الإسلام نفسه ينهى عن التمثيل بالموتى، والذبح نفسه من صور التمثيل المستقبحة والمرفوضة في منظومة القيم الإسلامية السوية.

اقرأ لنفس الكاتب: مسلسل “الاختيار”، العقلية الماردينية والقتل المقدس

نص الحديث جاء كالتالي: قال عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، قال يعقوب: حدثنا أبي عن ابن إسحاق، قال: وحدثني يحيى بن عروة بن الزبير عن أبيه عروة، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قلت له: ما أكثر ما رأيت قريشًا أصابت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيما كانت تظهر من عداوته؟، قال: حضرتهم وقد اجتمع أشرافهم يومًا في الحِجر، فذكروا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من هذا الرجل قطّ، سفّه أحلامنا، وشتم آباءنا، وعاب ديننا، وفرّق جماعتنا، وسبّ آلهتنا، لقد صبرنا منه على أمر عظيم، أو كما قالوا، قال: فبينما هم كذلك، إذ طلع عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل يمشي، حتى استلم الركن، ثم مرّ بهم طائفًا بالبيت، فلما أن مرّ بهم، غمزوه ببعض ما يقول، قال: فعرفت ذلك في وجهه، ثم مضى، فمرّ بهم الثانية، فغمزوه بمثلها، فعرفت ذلك في وجهه، ثم مضى، ثم مرّ بهم الثالثة، فغمزوه بمثلها، فقال: “تسمعون يا معشر قريش، أما والذي نفس محمد بيده، لقد جئتكم بالذبح”، فأخذت القوم كلمته، حتى ما منهم رجل إلا كأنما على رأسه طائر واقع… إلى آخر الحديث الذي يأتي تحت رقم 7036 من المسند، تحقيق أحمد شاكر، وقال: إسناده صحيح.

فى رواية أخرى لابن حبان عن عمرو بن العاص، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي عند مقام إبراهيم، بجوار الكعبة المشرفة، فقام عقبة بن أبي معيط يخنقه بردائه، حتى جعله في عنق الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم جذبه حتى وجبت لركبتيه، وتصايح الناس، فظنّوا أنه مقتول، فأقبل أبو بكر الصديق يشتدّ حتى أخذ بضبعي رسول الله صلى الله عليه وسلم من ورائه، وهو يقول: أتقتلون رجلاً أن يقول ربى الله؟، فلما انصرفوا عن النبي صلى الله عليه وسلم قام يكمل صلاته، فلما قضاها مرّ بهؤلاء الجبابرة من قريش وهم جلوس في ظل الكعبة فقال: “يا معشر قريش، أما والذى نفسى بيده، ما أرسلت إليكم إلا بالذبح”.

حسب تفسر العديد من الفقهاء لهذا الحديث، فإنه لم يكن سندًا لارتكاب مثل هذه المجازر التي يقوم بها تنظيم “داعش”، ولم يقم الرسول بهذا الأمر قطّ، وإنما ذهب المفسّرون إلى أن قول النبي – الذي كان أعزل ولا يحمل سلاحًا، وكان بمفرده أيضًا – أنه قول أراد به ترهيب المشركين الذين كانوا يريدون قتله.

اقرأ أيضا: “نصوص متوحشة”: هكذا وطّد ابن تيمية خطاب التكفير في التراث الإسلامي 4/4

عناصر تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام “داعش”، أو الخوارج الجدد، زايدوا على رسول الله كما زايد سابقوهم ممن خرجوا على عليّ بن أبي طالب وطعنوا في توجهاته وصدق انحيازاته، فاستند خوارج “داعش” وإرهابيوها إلى هذا القول، وتناسوا قول الله تعالى: “وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ” (الأنبياء: 107)، وأيضًا قوله تعالى: “لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ” (256) من سورة البقرة، وهي الرسالة الواضحة التي لا تحتاج إلى تأويل أو تفسير أو اجتهاد، فالآية دالة وواضحة المعنى والمقصد، كما في قوله أيضًا: “مَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ” (الآية 29 من سورة الكهف).

كذلك تناسى هؤلاء الخوارج أن حفظ النفس من مقاصد الشريعة الإسلامية العليا، وأن ثمة ضوابط ومحدّدات وضعها الإسلام لقطاف النفوس والأرواح، وفي كل الأحوال ليس من بينها رخصة التمثيل والذبح وإرهاب الناس وتخويفهم بهذه الصور البشعة التي يشيعها التنظيم الإرهابي.

الأمر لم يقتصر عند هؤلاء الخوارج على حديث الرسول، بل إنهم يستندون إلى كثير من فتاوى بعض الأئمة والفقهاء من الأسلاف الأوائل، وعلى رأسهم ابن تيمية، والذي أنتج في هذا الباب عددًا من الآراء الغريبة والصدامية مع النص والمنطق وروح الإسلام، وهي الآراء التي تستند إليها عناصر داعش وتعتبرها سندًا شرعيًّا لقتل المسلمين وغير المسلمين، ومنها قوله: “وَمَنْ لَمْ يَنْدَفِعْ فَسَادُهُ فِي الْأَرْضِ إلَّا بِالْقَتْلِ قُتِلَ، مِثْل الْمُفَرِّقِ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَالدَّاعِي إلَى الْبِدَعِ فِي الدِّينِ”؛ وهو ما يعتبرونه سندًا شرعيًّا لقتل كل من لم يبايع قائدهم الموصوف بالخليفة، حيث إنه بالامتناع عن البيعة، نطبق عليه القول بأنه من المفسدين الذين لا يندفع فسادهم إلا ببيعة قائد التنظيم أو بالقتل، كما تعتبر فتوى “ماردين” إحدى المراجع والركائز الرئيسية لهؤلاء التكفيريين.

اقرأ أيضا: “نصوص متوحشة”: هكذا أسس أبو حامد الغزالي لخطاب التكفير في التراث الإسلامي 4/2

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *