×
×

إبراهيم… حكاية “نبيّ” يوحد الديانات الثلاث 3/1

في التاريخ الديني للبشرية، يحتل إبراهيم، أو لنقل شخصية إبراهيم، مكانة متميزة ليس ثمة من نزاع حولها في الديانات الثلاث الكبرى التي ظهرت في شرق المتوسط.

هناك شبه إجماع على أن إبراهيم يعد من أهم الشخصيات في ميثولوجيا الديانات السماوية، حتى إنها تنسب إليه فتدعى أيضا بـ”الديانات الإبراهيمية”.

غير أن شخصية إبراهيم، مع ما يمثله من نقطة التقاء تجمع بين هذه الديانات، تعرف الكثير من الاختلاف في ما يتعلق بتفاصيل حكايته؛ فما يذكره عنه القرآن مثلا غير ما تذكره التوراة…

بل وثمة روايات أخرى عن شخصيات مماثلة وجدت قبل ظهور هذه الديانات حتى، فيما يمضي بعض آخر بجانب التاريخ الميثولوجي، ويتشبث بالعلم وحده سبيلا يؤكد وجود “الخليل”.

فما هي حكاية هذه الشخصية إذن؟ ذاك ما نتابعه في هذا الملف.

كريم الهاني
كريم الهاني

يكتنف نسب إبراهيم في المراجع التاريخية بعض الاختلاف، غير أنه بعد بضعة أسماء، ينتهي بنا إلى نوح…

في التوراة مثلا، ونكتفي بها هنا مثالا، إبراهيم هو أبرام بن تارح بن ناحور بن سروج بن رعو بن فادج بن عابر بن شالخ بن أرفكشد بن سام بن نوح.

الاختلاف يكمن في زيادة اسم جديد أو حذف آخر، أو في رسم تلك الأسماء نفسها؛ فمثلا، تارح الذي يكون في التوراة أب إبراهيم، القرآن يطلق عليه اسم آزر.

وإن اختلفنا في النسب، فوارد جدا أن نختلف في المولد؛ مكانا وتاريخا.

اقرأ أيضا: الحنيفية: عن دين إبراهيم في “الجاهلية”! 3/1

لنبدأ بالتاريخ. في أقدم المصادر التاريخية عن إبراهيم؛ أي التوراة، فإن إبراهيم قد ولد عام 1900 ق.م.

لكن الباحثين خاضوا في ذلك، حتى قدموا لنا تواريخ كثيرة ولكل سنده في ذلك. لكن، لنبرز مدى الاختلاف ذاك، إذا جمعنا كل التواريخ التي مررنا بها، فإنها تمتد من 2324 إلى 1261 ق.م… إبراهيم إذن ولد ذات يوم من هذه القرون!

إبراهيم عاش قرنا ويزيد. قيل 160 عاما، وقيل 175، وأيضا 180؛ وقد دفن في مغارة تدعى المكفيلاه في حبرون (مدينة الخليل الفلسطينية حاليا)، وهي مغارة يروى أنه اشتراها من رجل اسمه عفرون بن صوحر الحثي، لتكون قبرا له ولأسرته.

أما عن مكان مولده، فالأمر لا يقل اختلافا. اختلاف يرجعه الباحثون برغبة كل منطقة على حدة في القول بأن إبراهيم هو ابنها.

ثمة من قال إنه ولد بالسوس في الأهواز (جنوب إيران)، ومن قال ولد في كوثى في سواد العراق (بابل)، كما وقيل إن مولده في حرّان (جنوب شرق تركيا)، وأيضا في الوركاء (مدينة سومرية – العراق)، فيما يعتقد البعض أن أور (مدينة سومرية – العراق) هي مسقط رأسه، وهو الأكثر ترجيحا.

لكن ثمة ترجيحات أخرى. ابن كثير مثلا، في “البداية والنهاية”، يرد مولده إلى بابل فيقول: “هذا هو الصحيح المشهور عند أهل السير والتواريخ والأخبار”.

اقرأ أيضا: ملف مرايانا: نحن أحق بالشك من ابراهيم! 3/3

إبراهيم عاش قرنا ويزيد. قيل 160 عاما، وقيل 175، وأيضا 180؛ وقد دفن في مغارة تدعى المكفيلاه في حبرون (مدينة الخليل الفلسطينية حاليا)، وهي مغارة يروى أنه اشتراها من رجل اسمه عفرون بن صوحر الحثي، لتكون قبرا له ولأسرته.

في التاريخ الديني للبشرية، يحتل إبراهيم، أو لنقل شخصية إبراهيم، مكانة متميزة ليس ثمة من نزاع حولها في الديانات الثلاث الكبرى التي ظهرت في شرق المتوسط.

إيل أقطع لإبراهيم ونسله من بعده أرض كنعان. في الرواية العبرية، نجد أن هذا العهد تم توثيقه بعلامة شاهدة، وختم لا يمحى، أصبح فيما بعد فريضة على كل يهودي… وهذا الختم هو الخِتان.

فعند العبريين، هو أهم الآباء الأوائل، بل أب سلسلة من الأبناء كانوا جميعا على علاقة حميمة بالإله.

هؤلاء يردون موطنه إلى أور (العراق القديم)، ويعتقدون بأنه قد هاجر من هناك على رأس قبيلته إلى أرض كنعان (فلسطين حاليا)، وأنه التقى هناك بربه الذي يعرف في التوراة باسم “إيل”.

الإله إيل هذا بحسب التوراة، اتخذ من النبي إبراهيم خلا له… وعبارة “خليل”، ليست سوى تجميعا لـ”خل” و”إيل”؛ ومنه أيضا حازت المدينة الفلسطينية التي مررنا بها قبل قليل اسمها، وذلك لوجود مرقد إبراهيم بها.

اقرأ أيضا: أحمد المهداوي يكتب: دوجماطيقية الخطاب الديني

إيل أقطع لإبراهيم ونسله من بعده أرض كنعان. في الرواية العبرية، نجد أن هذا العهد تم توثيقه بعلامة شاهدة، وختم لا يمحى، أصبح فيما بعد فريضة على كل يهودي… وهذا الختم هو الخِتان.

يقول إيل لإبراهيم كما جاء في التوراة: “هذا هو عهدي الذي تحفظونه بيني وبينكم وبين نسلك من بعدك، يختتن منك كل ذكر، فتختتنون في لحم غرلتكم (الجلدة التي تقطع في الختان)، فيكون علامة عهد بيني وبينكم… فيكون عهدي في لحمكم عهدا أبديا[1]“.

تفاصيل كثيرة بالتوراة عن إبراهيم، لم ترد في القرآن، كما لم ترد في التوراة تفاصيل عديدة وردت في القرآن.

أما عند المسيحيين، فإنجيل متّى يقرر أن إبراهيم هو الجد الأعلى ليسوع المسيح، وهو لا يقل رتبة عند هؤلاء عن اليهود.

هذا وإن كان، يقول المفكر المصري سيد قمني في كتابه “النبي إبراهيم والتاريخ المجهول”، يستعصي الفهم كيف يتفق أن يكون المسيح من نسل إبراهيم، مع جوهر الاعتقاد المسيحي وأساسه الأول؛ أي أن يسوع إله ليس له أب بشري.

دون الخوض في ذلك (فهذا موضوع آخر)، المسيحية تصدق بالروايات التوراتية حول خروج إبراهيم من أور إلى كنعان.

اقرأ أيضا: قداسة الكعبة على ضوء التاريخ الإسلامي: حين قدس العرب 8 كعبات! 1/3

أما عند المسلمين، فإبراهيم كذلك خليل الله (واتخذ الله إبراهيم خليلا[2])، وهو أبو الأنبياء، ذلك أن سلسلة من هؤلاء تنحدر من صلبه (وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب[3]).

قصة النبي إبراهيم في القرآن معروفة، وقد أسهب فيها، كما وذكر اسمه 68 مرة. الأهم في هذه القصة أنه كان غريبا على بلاد العرب الحجازية… حتى نالت من نسله نصيبا.

الذي حدث وفق السردية الإسلامية، أنه زارهم وترك فيهم ولده إسماعيل، ثم عاد إلى زيارته بعد يفوعه، فقاما بإعادة بناء البيت الإلهي أو الكعبة.

عند المسيحيين، إنجيل متّى يقرر أن إبراهيم هو الجد الأعلى ليسوع المسيح، لكن يستعصي الفهم كيف يتفق أن يكون المسيح من نسل إبراهيم، مع جوهر الاعتقاد المسيحي وأساسه الأول؛ أي أن يسوع إله ليس له أب بشري.

على أن التوراة (يؤكد سيد قمني على تلك المتاحة بين أيدينا اليوم)، لم تتطرق مطلقا إلى ما أعلنه القرآن، حول علاقة إبراهيم ببلاد العرب الحجازية.

الواقع أن تفاصيل كثيرة بالتوراة عن إبراهيم، لم ترد في القرآن، كما لم ترد في التوراة تفاصيل عديدة وردت في القرآن.

اقرأ أيضا: الإسرائيليات في الثقافة الإسلامية: أصل الحكاية

مثل ذلك، قصة تكسير إبراهيم لأصنام قومه، أو قصة إلقائه في النار، أو خلافه مع أبيه حول العقيدة الأصح، أو مثل الحوار الذي دار بينه وبين ملك طاغية (لم يرد في القرآن بالاسم، إنما يعرف في التراث الإسلامي بالنمرود).

أو في بعض التفاصيل الصغيرة، مثل ما يورده المفكر المصري محمود عباس العقاد في كتابه “إبراهيم أبو الأنبياء”، من أن الضيوف الثلاثة الذين حلوا على إبراهيم، في التوراة أكلوا حتى شبعوا وكان أحدهم الإله، فيما لم يقربوا في القرآنِ الطعامَ حتى توجس منهم فعرف أنهم من غير البشر.

في الجزء الثاني نتابع لمحة عن الشك والتزيد اللذين يكتنفان حكاية إبراهيم.

لقراءة الجزء الثاني: إبراهيم… بين الميثولوجيا الدينية وعلم التاريخ 3/2

لقراءة الجزء الثالث: إبراهيم… مَن الذبيح مِن ابنيه، إسماعيل أم إسحاق؟ أكثر من مجرد اختلاف! 3/3


[1]  العهد القديم – سفر التكوين 17 (9-14).
[2]  سورة النساء – الآية 125.
[3]  سورة العنكبوت – الآية 27.
تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *