نبيل فازيو لمرايانا: العلمانية مرفوضة لأن مآل الهزيمة فرض نوعاً من التشرنق على الذات… ولا أحد يستطيع ادعاء امتلاك التراث! 2/2 - Marayana - مرايانا
×
×

نبيل فازيو لمرايانا: العلمانية مرفوضة لأن مآل الهزيمة فرض نوعاً من التشرنق على الذات… ولا أحد يستطيع ادعاء امتلاك التراث! 2/2

تطرقنا مع الباحث نبيل فازيو لمفهوم الحاكمية وعلاقة النص الديني بالإرهاب وتقييم الدعوات التي تقول بضرورة تجفيف هذه النصوص في الجزء الأول.
في هذا الجزء الثاني، تسائل مرايانا نبيل فازيو عن تصوّره للعلمانية، وتقييمه للقراءات النقدية التي اتخذت من التراث السياسي الإسلامي موضوعاً للتفكيك باعتماد آليات أيديولوجية قوامها المادية الجدلية، على غرار مشروع الطيب تيزيني وحسين مروة.

  • سبقَ وقلتَ إنّ العَلمانية من الأسس المهمّة لبناء الدّولة الحديثة، لقطع الطريق على الاستعمال المتطرف للمشترك الديني؛ والذي كانت الصّحوية من أكثر صرخاته بروزاً في العَصر الحديث. إذا كانت الصّحوية الإسلامية التي جاءت بالحَاكمية لتحجيم العَلمانية من جهة، والانقلاب على أسُس “الإصلاحية”، التي دشنها حسن البنا من جهة أخرى، خروجاً واضحاً من التاريخ… أيمكن التعويل على العَلمانية لإعادة التّاريخ إلى سيرورته العادية في نظرك؟

دعني أوضح أولاً فكرة العلمانية. لم يكن هذا المفهوم محظوظاً في سياق تلقيه في العالم العربي الإسلامي، ليس فقط بسبب قلق ترجمته، التي حملت كثيرين على الربط بينه وبين الكفر والإلحاد، وإنما أيضا بسبب الظرفية الثقافية التي شكلت سياق تلقيه في العالم العربي، حيث فرض مآل الهزيمة نوعاً من التشرنق على الذات والانكماش حول كل ما هو تقليدي فينا. تضخم الرأسمال الديني يمكن أن يفهم على ضوء هذا السياق.

لا تعني العلمانية أكثر من الاقتناع بأن السياسة هي مجال المصالح الدنيوية، وأنها مجال النسبية التي يفرضها عيشنا المشترك. أي أن السّياسة تدبير وجودنا المشترك في هذا العالم. هل يعني ذلك الكفر بالدين أو نبذه؟ لا، أبداً. يعني فقط أن الدين -كعلاقة شخصية، إيمانية، بين الإنسان وخالقه، تقوم على الشعور بالمطلق والسّعي إلى تملّكه من خلال الرجاء-، لا ينبغي أن يخضع لمنطق السياسة، ولا أن يخضع هذا الأخير لمنطق الدّين.

السّياسة إذن تدبير يتّخذ أشكالاً متعدّدة فصَّل المنظرون القول فيها منذ أفلاطون، والديمقراطية هي حكم يعتمدُ النقاش العمومي كما يقول أمارتيا صن.

هل يمكن أن نناقش المعتقدات؟ الفشل المزمن لفكرة حوار الأديان يبقى الدليل الأوضح على استحالة ذلك؛ فالإيمان مبني على التسليم لا على التفكير، وكل شخص يعتقد أنّ ما يؤمن به يملك القدر الكافي من الصدق والصلاحية، الأمر الذي يربط الحقيقة الإيمانية بشيء من القوة والعنف لا مجال فيه للنقاش والحوار مطلقاً. لهذا، يغلب على الحوار الديني منطق الجدل؛ إذا قال لك… فقل له (الفنقلة)؛ أسئلة جاهزة، وأجوبة جاهزة؛ تعلمنا تسفيه الآخر والانتشاء بالذات، لكنّها لا تعلمنا الإنصات له والتّفكير في ما يقوله.

على مستوى العلاقة بين الحاكم والمحكوم، يبدو دور العلمانية حاسماً؛ فهي تقف في وجه التوظيف السياسي للدين والمقدس من طرف الحاكم، بما يعنيه ذلك من كبح لذلك الضرب من الاستبداد الذي يمكن أن يمارس باسم الدين، دون أن يعني ذلك أنها تحول دون قيام أشكال أخرى من الاستبداد كما هو واضح من تجربة الأنظمة الشّمولية.

  • لكن، ينبغي أن ننتبه إلى أنّ البعض يدفعُ بحجة أنّ هناك نماذج كثيرة للعلمانية وليس نموذجاً واحداً ينبغي تعميمه؟

تماماً. لهذا علينا أن نأخذ بعين الاعتبار أن العلمانية مفهوم متعدد الدلالات وله تجليات مختلفة، كما أن التجارب التاريخية التي يمكن الاستناد عليها لفهمه متعددة؛ وهذا ما يفسر اختلاف المنظرين في تصورهم للعلمانية، بصرف النّظر عن اتّفاقهم في ضرورة الفصل بين الدين والسياسة.

العلمانية، في التجربة الفرنسية، ليست هي عينها العلمانية في مناطق أخرى من العالم الغربي، لأن النموذج الفرنسي بني على تصور علموي يمقت الدين، وينظر إليه بعيون فلسفة التقدم التي هيمنت على المفكرين الفرنسيين في سياق الثورة الفرنسية (تيرغو، كوندورسيه، كونت، إلخ). الذين يفهمون العلمانية اليوم على ضوء هذا النموذج، لا يستطيعون استيعاب مفعول الدين في الحياة اليومية للناس، ولا يعترفونَ له بأيّ دور إيجابي في الحياة الاجتماعية والسّياسية؛ خلافا لتجارب أخرى كانت أكثر انفتاحاً وتفهماً لروح الدّين وحاجة الإنسان إليه.

الذين يعوّلون على العلمانية لحل كل مشاكل السياسة والمجتمع في دول منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، يتخيلونها أشبه بحلّ سحري يمكن أن يحقق كل شيء في لحظة واحدة، والحال أنَّ العلمانية ثقافة، وزمن الثقافة ليس هو زمن الأفراد. سنحتاج تعاقب أجيال لتتحقق سيرورة الثقافة العلمانية التي تقوم على الحق في الاعتراف والاختلاف وتقبل الآخر في مغايرته المطلقة لنا، وأنت تعلم أن كثيرين، ممن يدعون أنهم يمثلون العلمانية عندنا، لا يقلون دوغمائية عن أشد الأصوليين تطرفاً، خاصة عندما ترتبط العلمانية عندهم بنزعة عرقية متطرفة.

لذلك قلت إن العلمانية، مثلها مثل الديمقراطية، ليست مجرد قرار سياسي، ولا تنزيلا لمقولة جاهزة. العلمانية هي رؤية إلى العالم، تؤمن بالتعدد والاختلاف، بدولة الحق والمواطنة، وتؤمن بالحق في التفكير النقدي بصرف النظر عن نتائجه، وتحتاج إلى نشر ثقافة الاعتراف.

هل يقبل الجميع، مؤمنون وغير مؤمنين، متدينون وغير متدينين، حضور الآخر في اختلافهم الجذري وغيريتهم المطلقة؟ متى أغفلنا عن البُعد الثّقافي للعلمنة، إلا واختزلناها في مجرد دعوى، يقتنع بها أصحابها بصرف النظر عن مفعولها الواقعي.

  • أعود بك إلى مفهوم الحاكمية، ونسجل أنّ ثمّة من المفكرين المعاصرين من يرى بأنّ التّيار الذي تزعّمه سّيد قطب، في “السّياسة الشّرعية”، كان فقيراً فكرياً وسياسياً. أين يكمن “فقر” خطاب الإسلاميين، خصوصاً سيد قطب وتيّاره، في نظر نبيل فازيو؟

هذا السؤال يتضمّن قدراً من حكم القيمة. ليس لأن تنظيره في هذا الموضوع قوي أو ضعيف، وإنما لأنه كان مسكوناً بهاجس حركي ومتورّطاً في موقف إيديولوجي ليس من شأنه إلا أن يوجه فهمه لمفهوم السياسة الشرعية.

لكن، هناك ملاحظة ينبغي تسجيلها: الذي نحت فعلا هذا المفهوم، السياسة الشرعية، هو ابن تيمية، وليس ذلك صدفة، فقد عاش في جو من النضال من أجل إنقاذ الدين الإسلامي في واحدة من آخر عواصمه، التي كانت تواجه خطر الانهيار التام تحت وطأة التهديد الأجنبي. لكنه عاش هذه التجربة في ظل دولة ضعيفة، فما كان قادراً على التعويل على الدولة وقوتها، وإنما حاول أن يبني ذاتيةً إسلامية قادرة على تعويض دور الدولة.

لذلك تعج كتاباته بالتوجيهات الوعظية، الدينية والأخلاقية؛ فهو لم يكن مجرد واعظ، ولا مجرد فقيه يضع الأحكام، ولا مجرد قاضٍ ينزِّل أحكام الشرع، بل كان أكثر من هذا كله؛ صاحب وعي قلقٍ يرسم معالم الإنسان المسلم القادر على جبه الخطر الأجنبي.

هنا لعبت السياسة الشرعية دورها؛ فرغم أنها تتطرق لشروط الحاكم وواجب الطاعة، لكن ما يهمها هو شخصية الرّعية، التي ينبَغي أن تخضع للشّرع ومقولاته؛ فالشّرع هو طبّ القلوب كما يقول، وكل ما يمكن أن نلاحظه من تشدد أو تطرف في خطابه، راجع إلى سياق مواجهة هذا الخطر.

لنعد إلى سيد قطب، ولنلاحظ أنه كان في سياق المواجهة كذلك؛ مواجهة خصومه السياسيين بالداخل وعدوه الأكبر في الخارج الذي هو الغرب. سيحاول قطب إحياء تقليد السياسة الشرعية، لكن للغاية نفسها: صناعة شخصية مسلمة تستجيب لشروط المواجهة.

لاحظ أيضاً، أنه في الحالتين معاً، هناك ضعف الدولة وتصدع مشروعيتها.

لذلك قلتُ إن خطاب السياسة الشرعية هو خطاب أزمة بالضرورة وليس خطاب تأسيس دولة.

هل يمكن أن نعتمد عليه لتطوير فهمنا للدولة وتأسيس نظرية في شأنها؟ لا أظن ذلك. فالمطلوب هو تطوير فهمنا للسياسة ليتجاوز سطوة النظرة الشرعية صوب الآفاق الفسيحة للفكر القانوني الحديث والمعاصر. كوننا ندرس الفقه السياسي اليوم لا يعني أننا بخير، بل على العكس من ذلك، يعني أنّ هناك خللا في تطور فكرنا السياسي وعطبا في قدرته على استيعاب مكتسبات الفكر الحديث.

  • قلتَ سابقاً بأنّ الطيب التيزيني وحسين مروة، لم يقرأوا التّراث الإسلامي معرفياً، بل من زاوية أيديُولوجية محضة. لكنهما مع ذلك، ساهما، من زاويتيهما، في إيضاح الكثير من الأفكار بخصوص تصوّر بعض الفُرق الإسلامية في التّراث لكيف ينبغي أن تكُون الدّولة… السّؤال الذي يطرح، هو أنهما حاولا قراءة التّراث كأيديولوجيات متفرّقة. فهل تتصوّر أنه من الممكن قراءة أيديولوجيا بدون اعتماد مكانزمات أيديُولوجيا أخرى؟

كلامي عن قراءة طيب تيزيني وحسين مروة للتراث الإسلامي أتى في سياق التمييز بين مشروعيهما من جهة، والمشاريع النقدية اللاحقة عليهما، مثل مشروع الجابري وأركون، من جهة ثانية.

هما لا يخفيان المضمون الإيديولوجي لقراءتهما للتراث؛ وقيمتهما ليست في النتائج التي انتهيا إليها، وإنما في قدرتهما على ضخ مفاهيم المادية الجدلية في حقل الدراسات التّراثية. كان هذا الأمر بمثابة ثورة حقيقية في تلك الفترة، لأنها انتزعت التراث من القبضة الحديدية للنّزعات الأصولية التي كانت تُهيمن عليه، كما أن تلك القراءة أرسَت دعائم رؤية عقلانية للتراث ما زالت تفرض نفسها على قرائه إلى يومنا هذا.

لا أنظر إلى هذا النفس الإيديولوجي الفاقع نظرة سلبية أبداً، ولا أظن أنه من السهل، بل من الممكن، أنْ يدعي أحد أنه يقرأ التراث قراءة موضوعيةً بريئة من كل منظور إيديولوجي. لم ينكر الجابري المضمون الإيديولوجي لقراءته النقدية للتراث العربي، وعندما قرر دراسة العقل السياسي العربي، أعلن أنه منحاز إلى الديمقراطية، مثلما كان منحازا، في نقده لتكوين العقل وبنيته، إلى العقلانية. هل ينكر أركون أنَّ قراءته للتراث ونقده للعقل يخلوان من كلّ إيديولوجيا؟

التمييز بين المعرفي والإيديولوجي في قراءة التراث مسألة صعبة جداً، لأن تأويل التراث يفرض، بشكل غير واع في كثير من الأحيان، الاصطفاف إلى جانب هذا الموقف أو ذاك، وتبني منظور هذا التيار، ونبذ منظور تيار آخر؛ كلّ ذلك بسبب أسئلة يطرحُها القارئ على التّراث انطلاقا من راهنه.

يريدُ العقلاني أن يبحث في هذا التّراث عن مظاهر العقلانية، فيلهث وراء إظهار عقلانية المعتزلة وابن رشد وابن خلدون، لكنه يظهرها على حساب من يراهم خصوم العقلانية؛ فلا يرى في الغزالي إلا علامة، أو سببا على انهيار الحضارة الإسلامية واستقالة عقلها.

أما ناقد العقلانية، فيرى في الغزالي فكرا سابقا لزمانه، سبق ديكارت وهيوم… لذلك نجده ينسف عقلانية ابن رشد وابن خلدون ويسفه مواقف المعتزلة. فجأة، أصبح المفكرون العرب أسماء مستعارة لمفكري التراث؛ يحضر ابن رشد وابن خلدون من خلال الجابري، والتوحيدي من خلال أركون، والغزالي من خلال طه عبد الرحمان، إلخ. هل تخلو هذه الاختيارات من إيديولوجيا؟ لا أبدا! هل المطلوب أن نتوقف عن قراءة التراث بسبب ذلك؟ ليس الأمر كذلك. المطلوب هو أن نعي ألا أحد يقرأ التراث بموضوعية، لذلك، لا أحد يستطيع ادعاء امتلاك التراث.

مقالات قد تثير اهتمامك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *