×
×

ابن حزم الظاهري… نصيرُ المرأة وفيلسُوف الحُب!

ابن حزم الأندلسي يعتبرُ “إحدى الشّخصيات التي تصدت لجبروت الفقهاء والمتكلمين، وأدانت أساليبهم في الابتزاز وخنق حرية الفكر والتعبير؛ فقد اتهم ابن حزم فقهاء زمانه بالخلط بين الإيمان والتّقنين الصارم للطّقوس والشعائر الدينية، واتهمهم أيضا باختزال التعليم الديني في الحفظ الآلي/ التلقيني، أي ما كان يطلق عليه بالاستظهار للشروحات، وشروحات الشروحات، دون الرجوع إلى مصادرها الأصلية”.

هو أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب بن صالح بن خلف. ولد ابن حزم في رمضان عام 384هـ، بقرطبة بالجانب الشرقي.

يذهبُ الكثير من المؤرخين إلى أنّه فارسي الجنسية وقرشي الولاء، نشأ في بيتِ عز وجاه عريض، حيث كان من أسرة غنية، وكان أبُوه وزيراً، فعاش حياةً رغداء ومعيشةً رفاهية.

كان أيضاً وزيراً لبعض أمراء الأندلس، قبل أن ينصرف إلى طلبِ العلم، ولا يبغي منه لا مالاً ولا حُظوة، بل وجد فيه العزة والشّرف والسلامة، فعلا بالعلم ودوى في التاريخ والفقه والشعر والنثر.

بعد خروج السلطة من أيدي الأمويين إلى أبي منصور العامري وأسرته، اختلطت حياته بالشدة، حتى أنه نُفي بعد اعتقال دام عدة شهور.

حفظ ابن حزم القرآن وقدراً من الشعر، وتعلم الخط والكتابة في الصغر على أيدي النساء من الجواري والقريبات. تتلمذ على يدي أحمد بن الجسور وأبي القاسم عبد الرحمن الأزدي.

تشيرُ كتبُ التراث أن ابن حزم كان في بداية الأمر مالكياً، ثم انتقل إلى مذهب الشافعي، وكانت له دراية بالمذهب الحنفي، ثم انتقل إلى المذهب الظاهري، وكان ملماً بالحديث والفقه والفلسفة والمنطق وعلوم القرآن.

ترجّل ابن حزم عن صهوة الحياة سنة 456هـ، تاركاً خلفهُ مؤلفات عديدة، أشهرها الإحكام في أصول الأحكام، والمحلى، وطوق الحمامة وغيرها.

في هذا البورتريه نتعرّف عن كثب على فلسفة ابن حزم وبعض جهوده الإصلاحية…

معاداةُ الفقهاء والمِحنة

يقولُ عقيل يوسف عيدان في كتابه “شُؤمُ الفلسفة”، إن ابن حزم الأندلسي يعتبرُ “إحدى الشّخصيات التي تصدت لجبروت الفقهاء والمتكلمين، وأدانت أساليبهم في الابتزاز وخنق حرية الفكر والتعبير؛ فقد اتهم ابن حزم فقهاء زمانه بالخلط بين الإيمان والتّقنين الصارم للطّقوس والشعائر الدينية، واتهمهم أيضا باختزال التعليم الديني في الحفظ الآلي/ التلقيني، أي ما كان يطلق عليه بالاستظهار للشروحات، وشروحات الشروحات، دون الرجوع إلى مصادرها الأصلية”.  [1]

في تفسيره لآية : “الرجال قوامون على النساء”، يعتبرُ ابن حزمٍ بأنها “قوامة لا علاقة لها بالحقوق والطبيعة الإنسانية، أو القدرة على تصريف الأمور”.

ليس معروفاً بشكلٍ دقيقٍ هل كان اختلاف الفقهاء عليهِ استطالتهُ بفضل القول عليهم، وأنه يلحن بالحجة حيثُ لا يجدون له رداً؛ أمّ أن الأمر نابعٌ، عملياً، من اعتماده مذهباً آخر غير مذهب مالك المعروف عندهم؟ [2]

كان ابن حزم يختلفُ مع المذاهب الكبرى الأربعة في الإسلام، ويستقرّ على المذهب الظاهري حتى بات يحملُ اسمه.

يعتمدُ هذا الفقيهُ بديهة العقل؛ مُعتقداً أن الطّريق إلى العلم هو ما أوجبته بديهة العقل، والمُقدمات الراجعة إلى بديهة العقل وأوائل الحس. يتوسّلُ العقل بغيةَ إثبات التوحيد وصدق النبوة، وبعد ذلك يعتمد على النص، يأخذ بظاهره في العقائد والأعمال، ولا يحاول تأويله. كما لا يجوز التقليد عنده، بل ينبغي أن يجتهد كلّ واحد حسب طاقته. [3]

بذلك، رفض ابن حزم الأصلين الثالث والرابع من أصول الاستنباط الفقهي التي وضعها الشافعي، وهما “الإجماع”، و”القياس”؛ مُعتبراً أن “الإجماع بدون نص، لا يعدو أن يكون تحريماً لما حلله الله، أو تحليلاً لما حرمه الله” [4]

في الأخير، حصر ابن حزم الإجماع بـ”إجماع” الأمة على السنن العملية المشهورة، كما نُقِلتْ عن الرسول… كالعبادات!

أما القياس  عندهُ، فهو ظنّ من الفقيه بوجود مشابه بين النازلة الجديدة وأصل معين نزل فيه نص، إذ “يقوم بإنزال حكم الأصل على الفرع، لغلبة ظنه بوجود مشابهة بينهما في علة التحريم؛ والظن، كما يقول ابن حزم، ليس تشريعاً، إذ الأصل في الأشياء الإباحة.  [5]

جرّت على ابن حزم آراؤه هذه معاداة فقهاء عصره، واتهموه بالزندقة، بل الأخطر من ذلك، تشير كتب التاريخ، أن الفقهاء قاموا بتأليب أُمراء الأندلس عليه لإحراق كتبه ، فتمّ إحراقها بالفعل، ولكنّه ردّ على الذين أحرقوها والذين أوعزوا إليهم [6] :

وإن تُحرقوا القرطاس لا تحرقوا الذي … تضمنهُ القرطَاسُ فهو في صدري

يسيرُ نعي حيثُ استقلتُ ركائبي … وينزلُ إذ أثوى ويدفنُ في قبري

دعوني من إحراق رق وكاغد … وقولوا بعلم كي يرى من يدري

وإلا عودوا في الكاتب بدأةً … فكم دون ما تبغون لله من ستر

ويظهرُ أنّ ابن حزم كان “يناضل” على جبهتين… ، نضالٌ فقهي وفكري ضد “الفُقهاء” في عصره من جهة، ونضالٌ سياسي ضد الأمراء بالأندلس من جهة ثانية، باعتباره كان نصيراً لحكم بني أُميّة، وهو ما أدى إلى اعتقاله ونفيه واضطهاده، وكذلك كبح جموحه فكرياً ودينياً بإحراق كتبه واتهامه بالزندقة.

فلسفةُ الحُب ونُصرةُ المرأة

كتبَ ابن حزم كتاب “طوق الحمامة”، الذي اعتبرهُ المؤرخون من أهم كتب الحبّ في التاريخ الإسلامي لما يتضمّنهُ من حداثةٍ في اللفظِ والمَعنى.

تجرّأ الفقيهُ على سبر أغوار الذّات العاشقة، وكيف يتوقّد الحبّ والصبابة والهوى في وجدان الإنسان، بطريق أشبه باعتماد مناهج علم النّفس… ويبدو أنّ ما كتبهُ في ذلك الكتاب، نابع من التجربة والعيان، لا بالظّن والتخيل، فلم يلجأ إلى بطون الكتب، بل إلى الحس المدعوم بالعلم.

يقُول ابن حزم في هذا الكتاب: “ولقد شاهدتُ النّساء وعلمتُ من أسرارهن ما لا يكادُ يعلمهُ غيري؛ لأني رُبيتُ في حجورهن، ونشأتُ بين أيديهن، ولم أعرف غيرهن. ولا جالستُ الرجال إلاّ وأنا في حد الشباب وحين تفيّل وجهي. وهنّ علمنني القرآن وروّيني كثيراً من الأشعار ودرّبنني في الخط، ولم يكن وكدي وإعمال ذهني مذ أول فهمي وأنا في سنّ الطّفولة جدًّا إلاّ تعرّف أسبابهن، والبحث عن أخبارهن، وتحصيل ذلك. وأنا لا أنسى شيئاً مما أراه منهن، وأصل ذلك غيرة شديدة طُبعتُ عليها، وسوء ظنّ في جهتهنّ فُطرتُ به، فأشرفتُ من أسبابهن على غير قليل.”  [7]

ابن حزم كان “يناضل” على جبهتين… نضالٌ فقهي وفكري ضد “الفُقهاء” في عصره من جهة، ونضالٌ سياسي ضد الأمراء بالأندلس من جهة ثانية، باعتباره كان نصيراً لحكم بني أُميّة

والواضحُ، هُنا، أنّ ابن حزم حاول أن يصوّر الأدوار الثّقافية والمجتمعية المهمة للمرأة، وأن يرتقي بها من النظرة السائدة في عصره والعُصور التي قبله، فهي في هذا القول، وفي سائر صوره في “طوق الحمامة”، تحضرُ “كمعلمة ومتعلمة، شاعرة ومثقفة، عفيفة لا تطمع فيها الأبصار، وفية ذات خلال عالية، تستحق أن يبكيها الرجل؛ بل أن يموت أسفاً عليها إذا فارقها: حية أو ميتة”.[8]

أكثر من ذلكَ، يقصّ الفقيه في هذا الكتاب الكثير من الأسرار عن النساء، دون أن يحاكمهنّ أو يلحقهن باللعن والسباب، بطريقة يُفهمُ منها مناداتهُ بتحرير المرأة والنظر إليها بشكل اعتباري، حتّى أنهُ يجيزُ أن تضطلع المرأة بوظيفة القضاء، رغم منعها من طرف أكثر الفقهاء.

وفي تفسيره لآية : “الرجال قوامون على النساء”، يعتبرُ ابن حزمٍ بأنها “قوامة لا علاقة لها بالحقوق والطبيعة الإنسانية، أو القدرة على تصريف الأمور”.[9]

وحسب ابن حزم الأندلسي، فإنه “لو كانت قوامة الرجل بهذا المعنى للزم أن يكون كل رجل أفضل من كل امرأة، وهذا في نظر ابن حزم لا يستقيم في لغة العقل، وفي نظره أن المرأة هي التي تعلم الأطفال القرآن والحديث والشعر والخط، وكان ابن حزم واحداً من الذين تلقوا تربينهم وتعليمهم الأولي على يد النساء، وكان لظروف نشأته التي تميزت بالرخاء أثر كبير في أن تكون صورة المرأة عنده إيجابية”.[10]

عن “طوق الحمامة”، قال الفيلسوف الإسباني “أورتيجا أي جاسيت”: تكلم ابن حزم في كتابه “طوق الحمامة” عن العلاقة الخالدة بين الرجل والمرأة، وسجل تحليلاته العبقرية عن المرأة بعقل رجل موضوعي، لا يذم ولا يمدح، مستخدماً لهجة الفيلسوف، وأسلوب الأديب، ومحاولة الإنسان الدائمة لكي يفهم نفسه ويفهم الآخرين.[11]

لحسن الحظ، ربما، أن “طوق الحمامة”  و”المحلى” وصلا إلى الأجيال الحالية، لتتأكد أن ابن حزم الظاهري الأندلسي لم يكن زنديقاً، بل على ما يبدو كان مُحدثاً ومجتهداً!

الهوامش:

[1] عقيل يوسف عيدان، شؤم الفلسفة، الحرب ضدّ الفلاسفة في الإسلام، دار العين للنشر.

[2] محمد أبو زهرة، ابن حزم، حياته وعصره – آراؤه وفقهه، دار الفكر العربي.

[3] محمد شفيق الرحمن، مراجعة لكتاب أعلام الفقهاء والمحدثين.

[4] يوسف أبو الخيل، محنة الإمام ابن حزم.

[5] نفسه.

[6] محمد أبو زهرة، المرجع السابق.

[7] ابن حزم، طوق الحمامة.

[8] محمد حماد، المجددون في الإسلام (4)، ابن حزم.. مجدد المذهب الظاهري ونصير المرأة.

[9] أنور محمود زناتي، ابن حزم، الرائد الأول لحقوق المرأة” أعطاها حقّها وحملها المسؤولية.

[10] نفسه.

[11] نفسه.

مقالات قد تثير اهتمامك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *