×
×

حوار الحضارات من خلال أدب الرحلات 1\2الجزء الأول

ظل أدب الرحلة على مر العصور وفي جميع الثقافات جنسا أدبيا متميزا، سواء كانت الرحلة بغرض الاستجمام أو الحج أو لمهمة رسمية أو للاستكشاف الجغرافي أو التجارة. يزاوج أدب الرحلة …

محمد اشتاتو

ظل أدب الرحلة على مر العصور وفي جميع الثقافات جنسا أدبيا متميزا، سواء كانت الرحلة بغرض الاستجمام أو الحج أو لمهمة رسمية أو للاستكشاف الجغرافي أو التجارة.

يزاوج أدب الرحلة بين الحقيقة والخيال، وبين السيرة الذاتية والاثنوغرافيا، كما يجمع بين عدد من الحقول العلمية، والأصناف الأدبية والأنساق الاجتماعية. فضلا عن ذلك، يتطرق أدب الرحلة لقضايا تتعلق بالسلطة، والنظرة إلى الذات وثقافة الآخر، والخيال.

يقصد بأدب الرحلة الكتابات التي تتناول الرحلة في قالب أدبي. ويتناول أدب الرحلة عادة ما يصادفه المؤلف من أشخاص وأحداث ومشاهد وما يخالجه من مشاعر أثناء ترحاله في بلد أجنبي لمجرد متعة السفر. ويسمى العمل الأدبي الفردي في بعض الأحيان مسار الرحلة.

اقرأ أيضا: خناثة بنونة وآمنة اللوه: هؤلاء 6 نساء بصمن تاريخ الكتابة الأدبية في المغرب (الجزء الأول)

يشترط في العمل، حتى يكون عملا أدبيا، أن يقدم قصة وأفكارا متماسكة وذات قيمة، وألا يقتصر على مجرد تسجيل التواريخ والأحداث، كما لو تعلق الأمر بسجلات رحلات السفن. وغالبا ما يصنف الأدب الذي يروي المغامرات والاستكشافات في باب أدب الرحلة، رغم أن له جنسا أدبيا خاصا به، وهو ما يعرف بـ “أدب الهواء الطلق” (Outdoor Literature) والذي يضم أجناسا غالبا ما تكون متداخلة ويصعب التمييز بينها بشكل دقيق وواضح.

يسعى أدب الرحلة إلى إيجاد فرص لتبادل الأفكار ونقل المهارات والمعارف، وتبادل الخبرات والموارد بين المنظمات والمؤسسات من أجل تشجيع الحوار والتواصل بين الثقافات بأفضل السبل الممكنة.

يحظى أدب الرحلة اليوم بحيز مهم من الإصدارات. ومع ذلك، فنادرا ما يكون توثيقا نزيها وعلميا للأوضاع التي ينقلها من بلدان أخرى. باعتباره جنسا أدبيا، فهو خاضع لقواعد معينة. عادة ما يبحث فيه قراؤه عن الآخر، ومكامن الاختلاف في الأماكن التي يستكشفونها في قالب أدبي.

كما قد يكون أدب الرحلة أدبا عابرا للثقافات \ transcultural  أو عابرا للحدود الوطنية \ transborder، أو قد ينقل القارئ إلى مناطق مختلفة داخل البلد نفسه.

اقرأ أيضا: هؤلاء 10 من أشهر شعراء العرب… يهود ومسيحيون في زمن الجاهلية! (الجزء الأول)

دور أدب الرحلة في الحوار بين الثقافات

يعتبر السفر وفق معظم الأساطير والحكايات جزءاً من المغامرة الإنسانية. سواء كانت رحلة الإنسان لعمل خيري أو نحو أرض الميعاد (النبي ابراهيم والنبي موسى)، ليواجه العديد من المحن قبل عودته إلى موطنه الأصلي (أوليس)، ويقطع المسافات طلبا للحكمة من خلال لقاءات متعددة (بوذا) أو يذهب إلى اكتشاف أرض مجهولة (ابن بطوطة،  كريستوفر كولومبوس أو ماركو بولو)، فهو في آخر المطاف يغني تصوره للعالم. وقد أضحى السفر في عصرنا الحاضر جزءاً من حياتنا اليومية.

لعل أبرز نموذج ملموس للحوار بين الثقافات هو أدب الرحلة، ذلك أن الناس انتقلوا على مدى قرون من مكان إلى مكان آخر إما للعمل، أو لطلب العلم، أو للتجارة، أو في مهام دبلوماسية، أو لغاية الترفيه؛ فكان التفاعل مع أشخاص آخرين من أجناس وثقافات وعقائد مختلفة. وتتخذ هذه التفاعلات أشكالا مختلفة، فتكون عنيفة ومدمرة أو سلمية وودية. ولا نقصد بالعنف هنا الاحتلال أو الغزو، بل نعني به تصورا ثقافياً خاطئاً ناجما عن نقص في التواصل بسبب الأفكار المسبقة.

في الحقيقة، فإن الإنسان سيج نفسه بكثير من الحواجز ولم يشيد سوى القليل من جسور التواصل واللقاء. فهل كان ذلك بسبب الخوف؟ أم التفوق؟ أم الكراهية؟ أم إن السبب يكمن في كل هذه الأمور مجتمعة؟ في الواقع ليس ثمة إجابة جاهزة لهذه الأسئلة بل ثمة العديد من السيناريوهات…

لعل أبرز نموذج ملموس للحوار بين الثقافات هو أدب الرحلة، ذلك أن الناس انتقلوا على مدى قرون من مكان إلى مكان آخر إما للعمل، أو لطلب العلم، أو للتجارة، أو في مهام دبلوماسية، أو لغاية الترفيه

يسعى أدب الرحلة، إلى تعزيز التبادل الثقافي في مجال الأدب والترجمة، عبر توطيد التعاون متعدد الأطراف الذي يشمل البحث والتحليل في مجال التخطيط والمنشورات والتدريب في مجال الترجمة وتنمية المهارات.

يمكن تلخيص الأهداف الرئيسة التي يتوخى بلوغها في مجال أدب الرحلة في ما يلي:

·      تعزيز الحوار من خلال تشجيع أدب الرحلة وترجمته؛

·      تيسير الوصول إلى أعمال أدب الرحلة الأقل شهرة، وخاصة تلك المكتوبة باللغات المستخدمة على نطاق محدود، وتلك الأعمال الأقل حضوراً في الساحة الدولية؛

·      تشجيع المزيد من التنوع في الملتقيات الأدبية الدولية ونشر الأعمال الأدبية لفائدة جميع الفئات العمرية؛

·      صياغة منهجيات مبتكرة للإبداع الأدبي، وتشجيع الترجمة ودعمها وتدريب مترجمي الأعمال الأدبية العاملين باللغات الأقل استعمالا؛

·      تحفيز أنماط التواصل الجديدة متعددة الأطراف، وأشكال التعاون والمشاريع المبتكرة التي تمكن أدب الرحلة من التفاعل مع غيره من الأجناس الفنية، واستكشاف الدور الاجتماعي والسياسي للكتابة؛

·      تحفيز النقاش حول القضايا ذات الصلة بالحوار بين الثقافات؛

·      إيجاد فرص لتبادل الأفكار ونقل المهارات والمعارف، وتبادل الخبرات والموارد بين المنظمات والمؤسسات من أجل تشجيع الحوار والتواصل بين الثقافات بأفضل السبل الممكنة.

في الجزء الثاني والأخير، سنطالع نماذج لأشهر الرحالة: ابن بطوطة، رفاعة الطهطاوي، ماري ورتلي مونتاغير وجون ليود ستيفنز.

*محمد اشتاتو أستاذ جامعي مغربي

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *