×
×

دراسة لنبيل فازيو: قرآننا واستشراقهم… عن حالة المُستشرقَيْن كوك وكرون! 2\2

تعرّفنا في الجزء الأول من هذه الدراسة على سياق صدور كتاب قرآن المؤرخين. وعرّجنا بتفصيل على إظهار ملامح “الاستشراق الجديد”، الذي يترجم منحى متشدّدا في نقد التراث الإسلامي، ومحاولته دراسة القرآن بعيداً عن كلّ مصادر التّقليد السنّي، بغاية الرجوع بالنص المقدّس إلى المستوى الصفر من الفهم والتأويل. 
ثمّ انتقل بنا نبيل فازيو إلى إبراز كون كتاب “قرآن المؤرخين” يعدّ بمثابة استمرارية للنّقد الذي ابتدأه المستشرق وانسبورغ وطلبته؛ وأنّ غاية المستشرقين الجُدد الإمعان في إحراج نموذج التحليل الذي قدَّمه المستشرق نولدكه وطلبته؛ إذ اعتبروه نموذجاً يقوم على مجموعة من المسلمات القابلة للمساءلة والتشكيك بحكم اعتمادها على التقليد الإسلامي بالدرجة الأولى.
في هذا الجزء الثاني من الدراسة، نرصدُ حالة المستشرقين كوك وكرون، وكيف تجاوزا أيضاً المصادر الإسلامية والمدونة المتعلقة بالمسلمين، واللجوء إلى مدوَّنة أُخرى مغايرة، لكن… معاصرة للأحداث.

يقول مايكل كوك في دراسته محمد نبي الإسلام؛ “إذا كانت المصادر الخارجية تملكُ أدنى درجة من الحقيقة… فالأمر يعني أن الروايات الإسلامية خطيرة في تضليلها في سمات هامة من تناولها لحياة محمد. بل إن الشكوك قد تحيط بالحقائق القرآنية المتعلقة برسالته”[1]. يجسِّدُ هذا القولُ موقف الاستشراق الجديد من المصادر الإسلامية، وقد عمَّمه كوك في بحثه مع باتريشيا كرون على الإسلام المبكر ونشأته في كتابهما الهاجَريون، معتبراً أن المرويات الإسلامية لا تملك القدر اللازم من الموثوقية التي تأذن لنا باعتمادها في تحليل القرآن وفهم نشأة الإسلام.

في مقابل هذا التشكيك في المرويات الإسلامية، ينزعُ المستشرقان، في إعادة بناء صورة الإسلام المبكر، إلى الاعتماد على مرويات غير إسلامية[2]. كما سيعمدان إلى صياغة فهم للإسلام الناشئ، بناء على سياقه الحضاري العام الذي ربطه بالحضارات القديمة وتاريخها المتأخر المتزامن مع نشأة الإسلام[3]. فأمامَ “عقم” المصادر الإسلامية التي أتت بعد فترة الرسالة المحمدية، يدعو الباحثانِ إلى اعتبار التقليد الإسلاميّ [تاريخ، سير، حديث، مغازي…] فارغاً من أي مضمون تاريخي مفيد في هذا الباب؛ فكتبه، في نظرهما، لا تصلح إلا لدراسة القرن الثامن لا القرن السابع، الذي يهمّنا في حالة الإسلام المبكر.

لذلك، لا يوجد من بدٍّ، للخروج من هذا المأزق، غيرَ تجاوز المدوَّنة الإسلامية والارتكازِ على مدوَّنة أُخرى معاصرة للأحداث. تَجَسَّد هذا الاختيارُ المنهجيُّ في لجوءِ كرون وكوك إلى نصّ “عقيدة يعقوب”، وهو نصٌّ يوناني ينقضُ العقيدة اليهودية ويذكر اضطهاد هيراقليوس (610-641). والنص عبارة عن حوار دار بين يهوديين في قرطاج سنة 634، يدور حول أحداث واضطرابات وقعت في فلسطين، بعد أن وصل صدى أخبار رجل يدعى محمد زعمَ أنه يملك مفاتيح الجنة[4].

اعتبر الباحثان أنَّ هذا النص وثيقة تاريخية دقيقة، لأنه مساوقٌ لأحداث نشأة الإسلام وقريبٌ منها جداً. كما يُمكن اعتمادهُ لتبيُّن بعض مُعطيات الإسلام المبكر التي أخفاها التقليد الإسلامي المتداول. فإذا كان هذا الأخير يقر بوفاة النبيّ قبل بداية “الفتوحات الكبرى” [على اعتبار أن آخر غزوة شارك فيها هي غزوة تبوك في السنة التاسعة للهجرة]، فإنَّ النص اليوناني يقرُّ بأن النبي كان ما يزال على قد الحياة عند فتح فلسطين.

لعلَّ من بيْن الفرضيات الأساسية في كتاب الهاجَريون، تلكَ الصلةُ التي أقامها صاحباه بين الإسلام واليهودية، حيث اعتبرا أنَّ جوهر الديانة الإسلامية يهوديُّ النزعة. مردُّ هذه الفرضية إلى أنَّ النبي محمداً اعتبر نفسه الرسول المنتظر المسطر اسمه في الكتب القديمة؛ “فأقدم مصدر يوناني- يقول كوك- يقدم لنا العبارة القائلة إن النبي الذي ظهر بين السرسنيين [العرب] كان يعلن قرب قدوم المسيا (اليهودي)”[5]، وهذه فكرة تنتمي في نظرهما إلى الفكر اليهودي. هناك خبرٌ يذكُره تيوفان حولَ نشأة الإسلام، يتضمن إشارةً إلى اعتقاد اليهود بمجيء رسولٍ منتظر، ويدعم سفرُ الرؤيا هذا المعطى، عندما يمضي في دعم فرضية “الفتح العربي”.

كما يذكر الباحثان قصيدة أخروية يهودية[6] تسير في اتجاه الموقف اليهودي الإيجابي من “الفتوحات العربية”، وهذا ما استنتجا منه أن اليهودية أدرجت تلك الفتوحات ضمن تصورها العام لأحداث النبوة اليهودية. يستلزمُ هذا الأمرُ التسليمَ بأنَّ النبيَّ كانَ على دراية بعقيدة الرسول المخلص المنتظر عند اليهود. في تاريخ الإمبراطور هيراقليوس الذي وضعه الأب سيبيوس، يسمى المخلص باسم عمر، ولا يتردد المستشرقان في الاستشهاد بما وَرَد في تاريخ الطبري من حديث عن دخول عمر بن الخطاب سورية راكبا حماراً، لإثبات موقفهما من الأصل اليهودي للدعوة المحمدية. غير أن ما يستنتجانه من شهادة سيبيوس الأرميني، هو أنَّ الدعوة المحمدية لم تتجه صوب مكة، وإنما صوب فلسطين[7].

في نظر كرون وكوك، لم يتسم المسلمون بهذا الاسم منذ البداية، وإنما استعاره العرب من السامريين؛ حيث أن المصادر التي يعتمدها الباحثان لا تَذكر هذا الاسم قبل 691 بقبة الصخرة[8]. بل ويزعم المستشرقان أن كلمة “مسلم”و”إسلام” لم تكونا متداولتين زمن نبوة محمد، وإنما ظهرتا إبان القرن الثامن، ممّا يزكي فرضية تطور النص القرآني إلى ما بعد وفاة النبي بمدة زمنية طويلة. وليس هذا الاسم الأول الذي أطلق على أصحاب الرسالة الجديدة غير “الماهغاريتاي“، الذي يرد ذكرُه في بردي يونانيّ يعود إلى سنة 642؛ وهو لقب يشير إلى المهاجرين، وخاصة إلى الإسماعيلين الذين هاجروا من الجزيرة العربية إلى الأرض الموعودة [فلسطين][9].

واضحٌ أن هذه الحكاية تتناقض كثيراً مع المصادر الإسلامية؛ فهذه تعتبر المهاجرين نخبة المسلمين وقواد الجيش في “الفتوحات” الكبرى، أمَّا المروية اليونانية والسريانية، فتعمّم صفة المهاجرين على المسلمين جميعاً. غير أن كرون وكوك يأبيان إلَّا أنْ يعتمدا على مصدرٍ غيرِ إسلامي [رغم أنه لاحق هو أيضاً على الدعوة وأحداثها] للحسم في المسألة، معتبرين أنّ الهاجريين ساهموا في الهجرة إلى أرض الميعاد، وأنَّ هذه الفكرة ستشكل الصيغة الجنينية للعقيدة الإسلامية المبكرة[10].

تتضحُ علاقةُ الهاجريين بالخط اليهودي في الاختيار السياسي للرسالة المحمدية. اختفى حلم الدولة اليهودية مع إجازة العقيدة اليهودية للمملكة الداودية. غير أن الفكرة عاودت الظهور عقب محاولات بعض الرسل اللاحقين، وقد جعل أتباعُ عيسى القدس سلطنة روحية لعالم سماوي[11]، في حين كان للهاجريين رأيٌ آخر بحكم قوة نفوذهم الذي انتشر بسرعة. هنا، يمثل النموذج الموسوي دليلاً قويا على تأثر الدعوة المحمدية بنموذج الحكم اليهودي.

ترصد كرون وكوك تماثلاً كبيراً بين السردية السامرية التي ترفض قُدسية “أورشليم” وتبدلُها بحرم إسرائيلي أكثر قِدماً، والسردية الإسلامية التي تعتبر الكعبة أكثر الحرم قدسيةً. ويبدو أنَّ التشابه بين السرديتين كان من أهم فرضيات كتاب الهاجريون؛ فعليه أقام الباحثان مراجعتهما للصورة التي تقدمها المصادرُ العربية عن مكة وحرمها، وهما يذهبان، في ظلّ صعوبة الوثوق في ما تقوله المصادر تلكَ عن الموقع الجغرافي لمكة، إلى التشكيك في نسبة الكعبة إلى إسماعيل، لأنه لا وجود لأثر لمكة في المصادر المبكرة غير العربية في نظرهما.

يفتحُ الباحثان ورشاً جديداً لإعادة التفكير في “الجغرافيا المقدسة” التي ترسمها السردية الإسلامية؛ فيُشكّكان في موقع الحجاز ويثرب والطائف، ليخلصا إلى أنَّ المدينة كانت هي الوجهة النهائية للهجرة، وأنه وجدت فيها بناية كانت أشبه بالكعبة[12]. هنا، تنهضُ فلسطين بالدور الرمزي عينه الذي اضطلعت به الكعبة في المرويات الإسلامية. يقول كوك: “الفارق الهامُّ الآخر بين الرواية الإسلامية والمراجع غير الإسلامية هو موضع فلسطين في المخطط المحمدي. ففلسطين بعيدة عن كونها غير ذات أهمية في الروايات الإسلامية (وقد رأينا كيف تميلُ إلى استعادة موقعها المركزي في نهاية الزمان). ومع ذلك، فمرتبتها تنخفض في الروايات التقليدية لسيرة محمد لصالح مكة في السنة الثانية للهجرة، أي حين يقوم محمدٌ بتبديل القبلة لأتباعه من القدس إلى مكة.

هكذا، أصبحت مكة البؤرة الدينية لحركته، مثلما هي الهدف الرئيس لطموحاته السياسية والعسكرية. بالمقابل، ففي المصادر غير الإسلامية، نجد أن فلسطين هي التي تلعب مثل هذا الدور، وتقدم لنا بالتالي حافز غزوها من مطلق ديني. بل إن المؤرخ الأرميني يقدم لنا الأساس المنطقي لهذه العلاقة: لقد أخبر محمد أتباعه بأن لهم هم أيضاً حقا بالأرض التي وعد الله بها إبراهيم وذريته، لأنهم جاؤوا من إبراهيم عبر إسماعيل. والواقع أنَّ ديانة إبراهيم تحتلُّ موقعا مركزياً في الرواية الأرمينية التي تتناول حياة محمد مثلها مثل المصادر الإسلامية، لكنها تختلف عنها في أنها تنحرف عنها جغرافياً بالكامل”[13].

إنَّ تأثير السامرية بلغ، في نظر كرون وكوك، درجة استحضار نموذجها السياسي/الديني [إضفاء المشروعية على الكهانة الهارونية]، وقد وجدت كرون في نموذج الإمامة الإسلامية [عند الشيعة] دليلاً على التطابق بين الرؤيتيْن؛ ففي كلتيهما، يحضرُ التمازج بين النفوذ السياسي والنفوذ الديني؛ كما يحضرُ فيهما التمسُّك بالنسب الشريف، والانتساب إلى نبي. غير أنَّ الكهنوت السامري لم يكن وحده المرجعية الدينية التي لجأ إليها الهاجريون في نظر كرون وكوك، بل إنهم ارتكزوا، كذلك، على المهدوية اليهودية الجديدة. قصَّة العجل في القرآن عبارة عن نقد رمزي لدور السامريين في تشكل الكهنوت العلوي الأكبر في نظرهما.

سيكون من المفيد التنبيه، هنا، إلى أنَّ الباحثيْن يعتمدان على رواية سيبيوس التي ورد فيها أن الني محمداً أسس مجتمعاً مكونا من العرب واليهود، غير أن ما يرميان إليه هو إثبات فضل اليهودية على الهاجريين؛ فمنهم استلهموا نموذج شعب الله المختار؛ وعلى منوالهم حاكوا تصورهم الحكم. هنا، تظهر أهمية المصدر اليوناني الذي اعتمدا عليه، فهو يشير إلى “اليهود الذين كانوا في صفوف السرسنيين”، وعن الخطر الذي قد يحيق بالنفس والولد إذا ما وقع الإنسان بين أيدي هؤلاء اليهود والسرسنيين”[14].

هل يمكن الطعن في موثوقية هذا المصدر بحكم ما يمكن أن يلحظ فيه من تحاملٍ مسيحي على اليهودية[15]؟ يجيب كوك بالقول: “نحنُ لا يمكن أن نرفض هذا الدليل بسهولة على أساس أنه ناتج عن تحامل مسيحي، لأنه يجد توثيقاً له في أبوكاليبس عبرانية أشارت إلى ما سبق”[16]. فوحده الاعتمادُ على مثل هذه الوثائق مكن من بلورة أطروحة مفادها أن العلاقة بين المسلمين واليهود كانت أقوى بكثير مما تصوره لنا كتب التاريخ الإسلامي، وأن القطيعة بينهما لم تكن في وقت مبكر [بُعيْد الهجرة إلى المدينة ووقعة الخندق].

في النقد الخارجي للقرآن

تشير المُعطيات السابقة بأننا أمام قراءة برّانية للإسلام المبكر والنص القرآني اعتماداً على مصادر غير عربية: يونانية، سريانية، أرمينية، عبرية، آرامية وقبطية؛ ترجع إلى زمن “الفتوحات الإسلامية” على حد قولهما. كما يعتمد المستشرقان على بعض النقوش الحجرية التي ترجع إلى ما قبل لحظة تدوين القرآن.

يمكن أن نستشف من هذه المعطيات المنهجية طبيعة نقدهما للنص القرآني المستلهم من مرجعيات غير إسلامية. يقول مايكل كوك مقارناً بين المصادر الإسلامية ونظيرتها غير الإسلامية: “من الواضح أنَّ امتلاكنا بعض المراجع القديمة التي لم تنقلها الآثار الإسلامية، أو التي تعكسُ مرحلتها الأولى على الأقل، قد يشكل عنصراً مساعداً (…)؛ فهناك بين أيدينا ما يستحق الانتباه، وهو مؤلفٌ من نوعين من المراجع: مادةٌ إسلامية محفوظة أركيولوجيا، وهي بالتالي لم تتأثر بالتطور المتأخر للروايات، ومراجعٌ غير إسلامية حفظها لنا أدب الطوائف [الفرق] غير الإسلامية. كل هذه المراجع ترجع إلى بعد الغزو الإسلامي للهلال الخصيب والذي كان في عامي 633-634، بل إن كثيراً من تلك المواد إنما يرجع إلى ما بعد ذلك التاريخ، بعقود عدة، لكنها تظل قادرة على أخذنا إلى ما قبل الروايات الإسلامية في شكلها الذي يعود إلى القرن الثامن.

من الجانب الإسلامي، يمكننا معرفة بعض الأمور من تلك المصادر مثل المخطوطات ذات العلاقة بالأمور الإداريةـ أو العملات والنقوش، خاصة ما يرجع منها إلى السنوات الأخيرة من القرن السابع. أما أقدم الكسرات لمخطوطة قابلة للتأريخ والتي تحمل مضمونا دينياً، فهي إنما تعود إلى النصف الأول من القرن الثاني للهجرة فقط. من الجانب غير الإسلامي، بين أيدينا مجموعة صغيرة من المواد باللغتين اليونانية والسريانية يعود تاريخها إلى زمن الغزوات، ومادة أخرى من زمن لاحقٍ باللغة السريانية ترجع إلى نهاية ذلك القرن. أما أقدم روايةٍ وصفيةٍ لسيرة حياة محمد، فهي تلك التي قدمها لنا مؤرخ أرميني كتب في ستينيات القرن السابع والنص موجود في غير لغة. بالعبرية، لدينا أبوكاليبس ترجع إلى القرن الثامن مطمورة في أبوكاليبس أكثر قدما منها، والتي تبدو أنها كانت معاصرة للغزوات”[17].

واضحٌ أن فرضية كهذه من شأنها أنْ تدفع أصحابها إلى افتراض أن نشأة النص القرآني لم تتم قبل ظهور الشيعة ومفهومهم عن الإمامة، وهذا لا يتناقض والخط العام لرؤية المستشرقين المحدثين الذين لا يسلمون بتشكل القرآن في اللحظة النبوية. يرى كل من كوك وكرون أن القرآن عرف تغيراً طيلة المائة عام اللاحقة على وفاة النبي، ودليلهما على ذلك قطع النقود التي تعود إلى زمن عبد الملك بن مروان، والتي ذكرت فيها جملةٌ قرآنية، كما يعتمدان على الكتابة “القرآنية” التي تم العثور عليها في قبة الصخرة، ليستنتجا من ذلك وجودَ مصحف سابق لمصحف عثمان ومختلف عنه في الخط والحروف. كما يوافقان وانسبروغ في قوله إنَّ النصَّ القرآني يفتقرُ إلى بناءٍ منطقيٍ واضح، وباتصافه بالغموض وعدم دقَّة الألفاظ المستعملة فيه. استنتج وانسبروغ من هذه المعطيات أنَّ المصحف الرسمي وُضع في وقت قصير جداً، بل وبشيءٍ من التسرع كذلك.

متى أعرضْنا عن الأخذ بالروايات الإسلامية وسرديتها عن القرآن، وصرفنا انتباهنا شطرَ المصادر غير الإسلامية، ألفينا أن أول رواية برانية عن القرآن ترجع إلى أواسط القرن الثامن في نظر كرون وكوك، وهي عبارة عن حوار بين عربيٍّ وكاهن “بيت حال” ويلاحظ المستشرقان أنه من الصعب الحسم في الاختلاف أو التشابه بين القرآن الشفوي والنص المكتوب، مشددَيْن، في الآن ذاته، على الدور الذي اضطلع به الحجَّاج بن يوسف الثقفي في ترسيم القرآن وتوفير جوٍّ سياسي مُناسب لنسبة النص القرآني برمته إلى النبي محمد. دليلهما، هذه المرة، حكايةٌ نسبها المؤرخ الأرمني “ليفومد” إلى ليو، تذكر خبراً عن “جمع الحجاج لكل كتابات الهاجريين وإبدالها بكتابات أخرى تخضع لذوقه الخاص، ثم عن توزيعها على كل الأمصار”[18].

هكذا نكون أمام صورة عن نشأة الإسلام وتدوين القرآن، مغايرة لما يمكن أن يستنتج من السردية الإسلامية الرسمية. لا يهمُّ كثيرا أن ننتقد هذه الصورة ولا أن نكشف عن طابعها الوهمي، طالما أن كرون وكوك لا يسلمان بمصداقية المرويات الإسلامية ويطعنان في قيمتها المعرفية. ويبدو أن مشكلة كتاب قرآن المؤرخين أنه لا يكتفي فقط بالترويج لأطروحة كرون وكوك، بل ويعمد إلى التنقيب عما يقيم الدليل على صحتها مما استجد من بحوث أركيولوجية كذلك.

خاتمة

ملاحظات نقدية؛ هل يمكن الأخذ بكل ما جاء به الاستشراق الجديد في مجال الدراسات القرآنية والإسلام المبكر؟

أ- إذا كان من السهل أن نعتبر نقد المفكرين العرب للاستشراق نابعاً من موقع الدفاع عن معقولية التاريخ الإسلامي، فإنَّ هذا لا يمنعُ من تسجيل أنَّ نقد الاستشراق الجديد لا يمكن أن يعتبر علامة فارقة على انزواء صاحبه داخل موقع المدافع عن الذات العربية وتاريخها. لقد سبق لنورمان دانييل أن اعتبر هذا الصنف من النقد المتطرف استمراريةً للسجال اللاهوتي مع المسلمين[19]، وهذا أمرٌ يُمكن تبيُّنه ليس فقط من الطعن المبالغ فيه في موثوقية المصادر الإسلامية، بما فيها القرآن، وإنما كذلك من الدفاع عن الأصل اليهودي للرسالة المحمدية التي صارت، من منظور كوك وكرون، منبع الهوية الدينية للرسالة المحمدية.

إننا هنا أمامَ السجال القديم عينه الذي دار بين المسلمين وغيرهم من معتنقي الديانات الإبراهيمية، حول أصالة الإسلام ومدى استنساخه للديانتين اليهودية والمسيحية. غير أنه يحضر، هذه المرة، في صورة خطاب علمي مدجج بمناهج النقد والتأويل. بل ولا يمكن للقارئ في عمل المستشرقين إلا أن يتساءل عن “موقع الاستعلاء” الذي يحاكمان على ضوئه تاريخية الدعوة المحمدية، والذي يحملهما على التسليم بموثوقية المصادر غير الإسلامية رغم أنها، هي أيضاً، ليست مساوقة لأحداث البعثة؛ بل وعمدا إلى ليِّ عنق أحداث البعثة نفسها لتتواءم مع ما تقوله المصادر اللاحقة عليها.

لا غرابة أن يبدو النبي في صورة القائد المتحالف مع اليهود حتى بعد واقعة الخندق وصراعه الدموي مع القبائل اليهودية في المدينة؛ ولا غرابة -كذلك- أن يكون قد عاش عقوداً بعد تاريخ وفاته الذي تقرره المصادر الإسلامية، لا لشيء إلا  لأن مصادر غير إسلامية لاحقة على البعثة قالت بذلك.

المدهش أن كرون وكوك لا يتورعان عن الاعتماد على المصادر الإسلامية كلما وجدا فيها ما يتناسبُ مع أطروحتهما. هكذا، اعتمدا على ابن إسحاق وحديثه عن “صحيفة المدينة” لإثبات التعايُش الذي ساد بين المسلمين واليهود؛ لكنهما لم يعتمدا عليه لتبيُّن ما سيحدث بعد سنوات بين اليهود والمسلمين من صراعات وخلاف انتهى بمشاهد دموية ينقلها لنا التاريخ الإسلامي نفسه؛ ولا هما اعتمدا عليه في التعرف على مكان الكعبة ومكة وحقيقة القبلة بعيد الهجرة، إلخ. إن هذه الانتقائية في التعامل مع المصادر الإسلامية تبقى من أهم معاطب الاستشراق الجديد، وتعيدُه إلى دائرة الأحكام النمطية التي حكمت الرؤية الوسيطية-المسيحية إلى الإسلام ونشأته.

ب- على المستوى المنهجي، يدينُ كوك وكرون إلى أستاذهما وانسبروغ ونقده الجذري. غير أن طريقة هذا المستشرق تعرضت بدورها لكثير من النقد من طرف الباحثين. فمن جهة، يحتاج إثبات فرضية أن تشكل القرآن استغرق أكثر من قرن، التدليلَ عليها انطلاقاً من المخطوطات الأولى؛ أي أن نجد مخطوطاتٍ من تلك الفترة تسمح لنا بمقارنتها بالنسخة العثمانية المتداولة. وأمام تعذر هذا المعطى، تبقى هذه الأطروحة فرضيةً غير قابلة للفحص التاريخي. غير أنَّ كرون وكوك يذهبان أبعد من هذا، ويجعلان من عباراتٍ كُتبت على عملة نقدية في العصر الأموي، أو نقشت على قبة الصخرة، نصوصاً تضارع، من حيث قيمتها التاريخية والوثائقية، مخطوطات القرآن، وتأذن للباحثين باستنتاج وجود قرآن آخر غير القرآن الذي تقدمه المخطوطات.

ينبهنا رضوان السيد، من جهة أخرى، إلى معطى تاريخي جد مهم يمكن اعتباره دليلاً قويا في هذا الباب. من المعلوم أن المسلمين اختلفوا في ما بينهم أشدَّ الاختلاف منذ النصف الثاني من خلافة عثمان. لكن، لا أحد منهم ادعى امتلاكه نصاً مغايراً تماماً للقرآن العثماني. صحيحٌ أنَّ البعض منهم، كالغُلاة والشيعة، زَعَمَ وجودَ آيات أُسقطت منه؛ لكنهم لم يعتبروا ذلك دليلاً على فساد النص الرسمي وبُطلانه في مجمله. يقولُ رضوان السيد في هذا السياق: لقد اختلف المسلمون “اختلافاً شديداً منذ أواخر خلافة عثمان، الذي تقول الرّواية الرسمية المعتمدة، إن النص القرآني جُمع في أيّامه. وما لبثت الفرق الإسلامية المختلفة أن ظهرت، بحيث ما عاد من المُمكن (الإجماع) على (قانونية) نصٍّ مقدسٍ بعد ذلك لا أيام الأمويين ولا أيام العباسيين.

ونحن نعلم أن هناك أفراداً من الغُلاة قالوا بنقص القرآن، وما تابعتهم أكثرية المسلمين الساحقة على ذلك. لكن الغُلاة أنفسهم ما ذكروا أنَّ النص القرآني القائم غير صحيح. ونعرف اليوم من دراسات مدقّقة أن هؤلاء خالفوا أكثرية المسلمين في تأويل النص القرآني، وليس في تحريفه. والخلاصة أن (قانونية) النص لابد أن تكونَ قد استقرت قبل الانقسام في (الجماعة)، وإلا لظهرت مصاحف متعددة، مثلما ظهرت عشرات الأناجيل، نتيجة عدم الاتفاق على نص العهد الجديد قبل الانقسام الذي نزل بالجماعة المسيحية الأولى، وما يزال مستمراً”[20].

ج- يهمني أن أشير، في الأخير، إلى مسألة منهجية على قدر كبير من الأهمية، لأنها تلقي بظلالها على اختيارات الباحثين العرب اليوم. كان الاستشراق الجديد، الموغل في النقد الجذري، نتيجة رغبة في تجاوز المنهج الفيلولوجي ورؤيته التاريخانية؛ فأتى منهجه الجديد ثمرة إفادة من مكتسبات الثورة المعرفية التي عرفها الفكر الغربي في مجال الدراسات الإنسانية بمختلف مجالاتها: الألسنية، النفسية، الاجتماعية، الاقتصادية؛ كما أفاد من المرجعية التأويلية التي فتحت الباب على مصراعيه أمام تأويل التاريخ في سياق تاويليات الكتاب المقدس. استدعِيَت لذلكَ مفاهيم ذات صلة بمجالات متعددة من التاريخ: تاريخ الأديان، التاريخ الثقافي، التاريخ السياسي، التاريخ الاثنوغرافي، التاريخ الأنثروبولوجي، إلخ؛ فكانت النتيجة الخروج من حصر الدين الإسلامي في نصوصه التي وصلتنا عبر الروايات الرسمية، والسقوط، في مقابل ذلك، في سيْل جارف من الفرضيات التي لا حدود لها مطلقاً، تدَّعي أنها على القدر نفسه من “المعقولية” إن هي قورنت بالسردية الإسلامية، أو بنتائج الاستشراق الكلاسيكي.

غير أنَّ مفكرين عرباً دعوا، أيضاً، في سياق نقدهم المنهجي للاستشراق، إلى تجاوز المنهج الفيلولوجي والإفادة من مكتسبات الثورة المعرفية، كما هو الشأن بالنسبة إلى أنور عبد الملك الذي دعا إلى الاستفادة من المنهجية الماركسية، ومحمد أركون الذي أقام مشروعه على الإفادة من العلوم الإنسانية ثورته المعرفية في مجال الدراسات الدينية. السؤال إذن” ما هي حدود “معقولية” توظيف هذه المكتسبات المعرفية؟ وكيف يمكن أن نستفيد منها دون أن نخل بمقتضيات البحث الأكاديمي التاريخي وصرامته المنهجية؟

ليس الغرض من السؤال الانتصار للمنهج الفيلولوجي؛ فهو، كغيره من المناهج العلمية، نتاجُ سياق تاريخي محدد، غير أنَّ تجاوزه لا ينبغي أن يعني الانجرار نحو تحويل دراسة الإسلام المبكر إلى حزمة من الفرضيات التي، مهما كانت جذابة من حيث تناغمها المنطقي، ومهما بدت مشروعة من منظور تأويلي، فإنها تبقى محكومة بهاجس معاندة التّقليد الإسلامي.

هوامش:

[1]– ماكيل كوك، محمد نبي الإسلام، ص. 106.

[2]– كرون وكوك، الهاجريون، ص. 27.

[3]– لا ينكر الباحثان الطابع المعياري لأسلوب التحليل الذي اعتماده في دراستهما، غير أنهما يشددان على أن الغاية من الدراسة ليس إصدار أحكام قيمة في حق التاريخ الإسلامي، وإنما المساهمة في إعادة بناء صورة الإسلام المبكر، داخل مجال بحثي ما يزال في حاجة إلى حفريات. كما يعترفان بتحدرهما من دروس وانسبرو، واستفادتهما من خدمات برنارد لويس الذي مكنهما من ترجمة قصيدة لسفر يهودي قبل النشر.

[4]– كرون وكوك، الهاجريون، ص. 28.

[5]– كوك،محمد بني الإسلام، ص. 105.

[6]– كرون وكوك الهاجريون، ص. 18.

[7]– الجبلاوي، الاستشراق الأنجلوكسكسوني الجديد، ص. 141

[8]-يقول مايكل كوك؛ لا يوجد بين أيدينا ما يوحي بأن أتابع الديانة الجديدة حتى ذلك الوقت كانوا يدعون مسلمين” مايكل كوك، محمد نبي الإسلام، ترجمة نبيل فياض، بيروت؛ دار الارافدين، 2017، ص. 104.

[9]– كرون وكوك، الهاجريون، 34. انظر كذلك تحليل أمينة الجبلاوي لهذه الدعوة في كتابها عن كرون وكوك.

[10]– نقرأ للباحثين قولهما: “يعترف الجميع، يهود، مهغرايه، ومسيحيون بأن المسيح من نسل داود. ويعترف الجميع أيضاً، يهود، مهغرايه، ومسيحيون، أن المسيح، بالجسد، من نسل داود، ويعتبرون ذلك شيئا أساسياً. المهغرايه أيضاًيعترفون بثبات أنه [يسوع] هو المسيح الحق الذي كان سيأتي والذي أخبر عنه الأنبياء. لا جدال بيننا وبينهم في هذا الموضوع، لكن جدلنا مع اليهود. فهم يؤكدون لهم بطريقة تأنيبية أن المسيح كان سيولد من داود، بل أن هذا المسيح الذي أتى ولد من مريم. يعترف المهغرايه بهذا بثبات، ولا يجادل أحد منهم فيه، لأنهم يقولون للجميع دائما إن يسوع ابن مريم هو المسيح (…) فقد قدمت المسيحية في شخص يسوع مسيحا متحررا بالكامل من مقابر اليهود السياسية. وكل ما كان على الهاجريين فعله ليخلصوا أنفسهم من كابوسهم المسياني الخاص هو استعارة المسيا من المسيحية”، كرون وكوك، الهاجريون، ص. 41.

[11]– آمنة الجبلاوي، الاستشراق الأنجلوسكسوني الجديد، مقالة في الإسلام المبكر، باتريسيا كرون ومايكل كوك أنموذجاً، تونس؛ دار المعرفة للنشر، 2006، ص. 39.

[12]– كما يعقدان مقارنات بين حديث المصادر الإسلامية عن الحج وطقسه ومراحله، والحج السامري إلى جبل “جرزيم”.

[13]– ماكيل كوك، محمد بني الإسلام، ص. 106.

[14]– مايكل كوك، محمد نبي الإسلام، ص. 106.

[15]– عبد المسيح سعدي، الإسلام الناشئ في مصادر القرن السابع السريانية، ضمن:القرآن في محيطه التاريخي، ص. 325.

[16]– مايكل كوك، محمد نبي الإسلام، ص. 106.

[17]– ،المرجع نفسه، ص. 102-103. وحول نص الأبوكتاليبس انظر؛ نبيل فياض؛ نصان يهوديان حول الإسلام.

[18]– الجبلاوي، الاستشراق الأنجلوكسكسوني الجديد، ص. 145.

[19]– N, Daniel, Islam et occident, op, cit, p. 384.

[20]– رضوان السيد، المستشرقون الألمان، النشوء والتأثير والمصائر، ص. 101-102.

مقالات قد تثير اهتمامك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *