×
×

علي اليوسفي: مخاض ولادة دولة الرسول – الجزء 1: صحيفة المدينة

إن الأمة التي أراد محمد تشكيلها من خلال نص الصحيفة، ليست أمة أفراد، وإنما هي تجميع للقبائل والعشائر العربية، بما فيها من مسلمين ويهود ووثنيين، في فضاء أوسع من القبيلة من دون أن يفكك كل وجوه الانتظام القبلي.
وينبغي التأكيد على أن خطاب محمد في الصحيفة كان خطابا سياسيا محضا، فما عدا الإشارة إلى أنه رسول الله وأنه الحكَم، لم يدْعُ في الصحيفة إلى الإسلام ولا علَّم الناس شيئا من العقيدة ولا فقَّههم في الدين.

علي اليوسفي ALI EL YOUSFI ALAOUI
علي اليوسفي العلوي، أستاذ مبرز باحث في تاريخ الفكر السياسي في بلاد الإسلام

تتسم كتابات الإسلام السياسي بالكثير من التضخيم للتاريخ الإسلامي، وبالتعميم والخلط في المفاهيم وإسقاط مصطلحات حديثة على ألفاظ وممارسات قديمة، في ما يعرف بالمفارقات التاريخية (Anachronisme)؛ وهذا أسلوب تضليلي دعائي وادعائي.

من نماذج الخلط الذي عودنا عليه هؤلاء، اعتبار الشورى ديموقراطية، والأمة دولة، وصحيفة المدينة دستورا؛ بل إن بعضهم ذهب إلى أن هذه الوثيقة (الصحيفة) أول دستور مثالي مكتوب في التاريخ البشري. وما دام الأمر كذلك، فلا داعي إذن أن نجتهد في إيجاد نظام سياسي عادل، ولا أن نتفحص ما أنجزته البشرية، فأحرى أن نساهم في ورشة البحث الإنساني المفتوح على جميع الآفاق، فنحن أمة مكتفية بذاتها، حلول مشاكلها خلفها وليس أمامها، و”ليس في الإمكان أبدع مما كان”!

محاولة منا لتقريب المعطيات التاريخية من القارئ، نتوقف في هذا المقال والذي يليه على مفهومين: صحيفة المدينة، و”دولة المدينة”.

وصل محمد إلى المدينة يوم 24 شتنبر سنة 622 م. بعد أيام في قُبَّاء، وقع اختياره على المكان الذي قادته إليه ناقته في قلب الواحة لكي يستقر فيه. فحل ضيفا (لمدة شهر) على أبي أيوب خالد بن زيد وهو خزرجي من بني النجار، في انتظار أن يبني له المهاجرون والأنصار بيتا في مكان توقف الناقة. وقد أثمرت جهود هؤلاء بيتا من فناء وغرفتين. خُصصت الغرفتان لزوجتي النبي، أما الفناء فكان مركز التقاء المسلمين لمعالجة الأمور الدينية والدنيوية: إذ كان أول مسجد للمسلمين، كما كان الرسول يقضي فيه معظم وقته يستقبل البعثات، ويعالج القضايا، ويخطب في أتباعه. في نفس الباحة، كان يُربط المساجين، ويُعالج الجرحى، بل وتمارس الرماية، وينام الفقراء من الصحابة.

لم يكن لمعظم المهاجرين موارد، فكان عليهم الاشتغال لدى يهود يثرب أو لدى الأنصار. وبما أنهم كانوا يجهلون تماما مبادئ الاعتناء بالنخيل، فقد اقتصرت أعمالهم على جلب الماء من الآبار أو سقي واحات النخيل، ما عدا عبد الرحمان بن عوف الذي كانت له خبرة تجارية فطلب أن يُدلَّ على سوق يثرب وهناك استدان بضاعة فباعها وحقق بها ربحا متواضعا، لينطلق في التجارة ويتزوج يثربية.

أما الرسول، فإن مكانته لم تسمح له بالقيام بنفس الأشغال اليدوية. لذلك، فإنه، ما لم يدعُه أحد المؤمنين إلى طعام، كان يعيش وأهله على الماء وبضع تمرات. عندما حل فصل الشتاء، لم يكن للمهاجرين ما يكفي من القوت ولا ما يوقدون به نارا للتدفئة، فعانوا من البرد والرطوبة التي لم يكونوا معتادين عليها في مكة، فأصيبوا بالحمى ومَرض الزُّحار.

لم يكن ممكنا الاستمرار على هذا الوضع، كما كان يتعين على الرسول أن يحدد مكانه ودوره داخل هذه الحياة الجديدة، وأن يحدد العلاقات التي يجب أن تربط بين مختلف المجموعات البشرية التي تضمها يثرب، خاصة وأنه هاجر إلى المدينة ليس فقط كنبي وإنما أيضا كحَكَم يحد من خلافات أهلها ويعمل على تجنيبها الحروب التي أنهكتها.

في هذا السياق، أنشأ وثيقته المعروفة بـ”الصحيفة”.

إذا كان الكثيرون يعتقدون أن الصحيفة نص منسجم أنشئ دفعة واحدة، فإن مونتغمري وات قد برهن بعد دراسة متأنية على أن الوثيقة كتبت على مرحلتين على الأقل: كتبت بعض بنودها في البداية سنة 622م، حوالي سبعة أشهر (على أبعد تقدير) بعد حلول الرسول بالمدينة؛ أي قبل معركة بدر، حيث “وادع اليهود وأقرهم على دينهم وأموالهم، واشترط عليهم وشرط لهم” على حد تعبير ابن إسحاق، وبعضها الآخر كُتب على الأقل بعد معركة بدر (624)، أو على أكبر تقدير سنة 627م؛ أي بعد التخلص من القبائل اليهودية الثلاثة الكبرى (قنيقاع، النضير، قريظة)، حيث وضحت التزامات المسلمين من مهاجرين وأنصار وحقوقهم وواجباتهم. ويحتمل أن تكون بعض البنود قد أضيفت أو حذفت بين التاريخين حسب الحاجة، قبل أن يُجمع كل ذلك في الصيغة التي وصلتنا في ما بعد في نص واحد.

عموما، يمكن تقسيم الصحيفة إلى المحاور التالية:

1-                   مكانة الرسول:

يعلن الرسول منذ مطلع الصحيفة عن وظيفته (بشكل غير مباشر) وعن طبيعة التشكيل الاجتماعي السياسي الذي أحدثه قدومه إلى يثرب: ” هذا كتاب من محمد النبي بين المؤمنين والمسلمين من قريش وأهل يثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم”. في البند الثاني يقول: “أنهم أمة واحدة من دون الناس”، وهو ما فهم منه البعض أن الرسول يقصد أمة الإسلام، والواقع أن هذه الأمة المقصودة هنا هي هذا التجمع البشري الذي يضم المهاجرين والأنصار ومختلف قبائل يثرب من أوس وخزرج وغيرهم، إضافة إلى اليهود وعلى رأسهم القبائل الثلاثة الكبرى. ويؤكد البند 42 على صفة محمد كرسول، وعلى وظيفته كحكَم بين جميع مكونات هذه الأمة: ” وأنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يُخاف فساده، فإن مرده إلى الله وإلى محمد رسول الله”.

2-                  ما يخص المؤمنين:

خصت الصحيفة المؤمنين بمن فيهم المهاجرين والأنصار (أي الأوس والخزرج والقبائل الثمانية الأخرى المكونة لساكنة يثرب) بعشرين بندا، من بنودها الـ47 (من 2 إلى 15 ومن 17 إلى 22)، حيث تذكر كل قبيلة باسمها وتتبعها بعبارة ” على ربعتهم” (أي، على الحال التي كانوا عليها قبل الإسلام). هكذا، فإن الصحيفة حافظت لكل من القبائل المندرجة ضمن هذه الأمة، بما فيها القرشيين المهاجرين، على نظامها الداخلي السابق للإسلام وعلى استقلالها الداخلي؛ حيث تسير كل قبيلة شؤونها وفق تقاليدها وأعرافها، وتعتمد على نفسها في فدية أسراها، وتساعد المثقلين بالدَّين من بين أفرادها.

3-                   ما يخص اليهود:

خصت الصحيفة اليهود بـ 17 بندا: حيث جاء في البند 16: ” وإنه من تبعنا من يهود فإن له النصرة والأسوة غير مظلومين ولا متناصرين عليهم”، وفي البند 25: ” وأن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم”.

هكذا، يشكل اليهود مكونا من مكونات الأمة؛ يحافظون على دينهم ونظامهم الداخلي، لكنهم يتحالفون مع المسلمين في مواجهة العدو الخارجي، وذلك بتحمل نصيبهم من نفقات الحرب التي يخوضها المسلمون. يتبين إذن أن الجامع بين مكونات هذه الأمة ليست العقيدة، وإنما عقد سياسي محض.

4-                   ما يخص المشركين:

يلاحظ المتتبع لبنود الصحيفة أن محمدا حدد لهذه الأمة، أو لنقل لهذا التشكل البشري غير المتجانس، عدوا واحدا هو قريش، إذ لم يلمح إلى عداء غير عداء قريش، ولم يحذر من نصرة قوم أو إجارتهم أو معاهدتهم إلا قريشا. كما يمكن للمتتبع أن يلاحظ أن محمدا لم يشر إلى وضعية مشركي يثرب، فلقد ظلت قبائل خطمة وواقف ووائل وأمية على شركها بعد الهجرة المحمدية.

وفي تقديرنا أنه فعل ذلك حتى لا يجر إلى حرب أهلية تصدع الأمة في وقت كان يسعى إلى توحيدها في وجه عدوه: قريش. وهو اختيار استراتيجي يدل على حنكة سياسية في تدبير المرحلة.

إن الأمة التي أراد محمد تشكيلها من خلال نص الصحيفة، ليست أمة أفراد، وإنما هي تجميع للقبائل والعشائر العربية، بما فيها من مسلمين ويهود ووثنيين، في فضاء أوسع من القبيلة من دون أن يفكك كل وجوه الانتظام القبلي. وينبغي التأكيد على أن خطاب محمد في الصحيفة كان خطابا سياسيا محضا، فما عدا الإشارة إلى أنه رسول الله وأنه الحكَم، لم يدْعُ في الصحيفة إلى الإسلام ولا علَّم الناس شيئا من العقيدة ولا فقَّههم في الدين.

كان خطابه في أمور الدنيا، بل إنه كان في بعض وجوهه في أمور الحرب، فبدا محمد في صورة جديدة، بددت غموض وضعه في نصي كل من البيعة الأولى والبيعة الثانية. وإذا كانت العقبة الأولى والعقبة الثانية ثم الهجرة قدر رسخت صورة محمد الرسول، فإن الصحيفة قد رسخت صورة محمد قائد الأمة.

هذه إذن وثيقة سياسية صِرفة، وبمعنى آخر وثيقة وضعية، ومرتبطة بظرفية محددة وعابرة، ولم تلغ النظام القبلي الذي كان قبلها، ولن تكون القانون الأسمى للمسلمين، وإنما القرآن هو الذي سيشرع لهم قوانينهم في وقت لاحق، ولعله من المفارقة التاريخية (anachronisme) تسميتها دستورا! أما اعتبارها مثالية فهو مجرد حماقة!

 

من بين المراجع المعتمدة:

1.     A. GUILLAUME, THE LIFE OF MUHAMMAD, A TRANSLATION OF IBN ISHAQ’S SIRAT RASUL ALLAH, OXFORD UNIVERSITY PRESS, 2017.

2.     Muhammad Hamidullah, Le Prophète de l’Islam, sa vie, son œuvre, Edition El Falah, 2009.

3.     W. Montgomery Watt, MAHOMET, Edition PAYOT, 2017.

4.     المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام. ج4، ط 1، 1970.  د. جواد علي

 

مواضيع قد تهمك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *