×
×

الجذور التاريخية لدولة الإسلام: صعود نجم بني عبد شمس

التنافس الشديد بين الطرفين سيكون له أثر بالغ على طبيعة تلقي العرب لمعاني النبوة وتقديرهم لمضامين الرسالة. بل إن هذا التنافس نفسه هو الذي سيمتد في الزمن لينخر دولة الخلافة وما بعدها. من ذلك، على سبيل المثال، أن فرع أمية رأى في النبوة وسيلة للملك. وقد لخص عمرو بن هشام بن المغيرة المعروف بـ “أبو جهل” هذا التنافس المحموم بقوله: “تنازعنا نحن وبني عبد مناف الشرف، أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا؛ حتى إذا تحاذينا على الركب وكنا كفَرسيْ رهان قالوا منَّا نبي يأتيه الوحي من السماء، فمتى ندرك مثل هذا؟!”

علي اليوسفي ALI EL YOUSFI ALAOUI
علي اليوسفي العلوي، أستاذ مبرز باحث في تاريخ الفكر السياسي في بلاد الإسلام

توفي هاشم بغزة أثناء إحدى رحلاته التجارية إلى الشام، تاركا زوجته الخزرجية حاملا بابنه “شيبة”.

ولد “شيبة” في يثرب وتربى هناك في أحضان أخواله حتى بلغ السابعة من عمره، فأعاده عمه المطلب إلى مكة، وكان يقول للناس هذا عبدي، فعُرف “شيبة” من ثمة بـ “عبد المطلب”.

لما كبر عبد المطلب، استلم من عمه السقاية والرفادة وسار على نهج والده، مما أكسبه جاها. كان من حلماء قريش ووجهائها، كما عُرف عنه التعبّد بغار حيراء وإطعام المساكين، وتوحيد الله، ورفض عبادة الأصنام. بل إنه وضع لقومه سُننا سيكرّس القرآن أكثرها، ومنها الوفاء بالنذر، وتحريم الزنا، وتحديد دية النفس في مئة من الإبل.

علاوة على ذلك، حفر عبد المطلب بئر زمزم (بئر إسماعيل) لأول مرة منذ أن دفنته جُرهُم. وقد طغى ماء زمزم على باقي آبار مكة، لاعتباره ماء مقدسا، ينبع في أرض مقدسة، وكان لذلك أثر بليغ في النفوس، مما ضاعف من رصيد عبد المطلب من حيث المكانة الاجتماعية.

أما من حيث العلاقات العائلية، فإن عبد المطلب سيختلف في مرحلة أولى مع عمه نوفل، كما اختلف أبوه هاشم مع ابن أخيه أُمية؛ ذلك أن نوفل أنكر على عبد المطلب حقه في بعض الأراضي، لكن عقلاء مكة تدخلوا لصالح عبد المطلب. في رواية أخرى، فإن أخوال عبد المطلب من يثرب هم من تدخلوا فأكرهوا نوفل على إنصاف ابن أخيه.

الذي يهمنا في الأمر هو استمرار الشقاق في التعمق بين أبناء هاشم وأبناء أمية.

على الرغم من ذلك، كان عبد المطلب ينادم حرب بن أمية، إلى أن حدث أن حرض حرب، بدافع التنافس التجاري، شبانا على قتل تاجر يهودي، وكان جارا لعبد المطلب. غضب عبد المطلب من حرب واحتكم الاثنان إلى نُفيل بن العزى (جد عمر بن الخطاب)، فغلَّب نُفيل عبد المطلب على حرب وغرَّمه مئة ناقة، دفعها إلى ابن عم اليهودي المقتول، كما ارتجع منه ماله. من ثمة، انقطع عبد المطلب عن منادمة حرب.

اشتغل عبد المطلب مثل والده هاشم وعمه المطلب بالتجارة، واتصل بملوك اليمن وأخذ منهم إيلافا لقومه. لكنه، مع ذلك، لم يكن سيد مكة الوحيد المطاع كما كان جده قصي؛ فقد نافسه وباقي آل هاشم في ذلك كل من عبد شمس ونوفل ومخزوم، وانتزعوا منهم تجارة بلاد الشام؛ وفي ذلك ضربة قاصمة اقتصاديا لآل هاشم، كما زاحموهم على تجارة اليمن والعراق، فحصل بذلك بنو عبد شمس وبنو مخزوم على ثراء طائل أصبحوا معه من أغنى رجال مكة.

تغيرت خريطة الوجاهة بمكة قبل البعثة المحمدية، حيث أصبح ورثة قصي فريقان: فريق بني عبد شمس الذين بنوا وجاهتهم على الثروة، ودعموها بالتحالف مع الأغنياء؛ وفريق بني هاشم الذين لم يعد لهم غير وجاهة معنوية، رمزية.

من أشهر من صعد نجمهم من بني عبد شمس، أبو سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن مناف بن قصي، الذي أصبح من بين وجهاء الثروة في مكة؛ ذلك أنه لم يكتف بجمع مال وفير من التجارة، بل أصبح المؤتمن على قوافل مكة، وقائدها الخبير بالطرق، كما ورث عن والده قيادة الحرب، حتى أصبح في مقدمة سادة مكة، وعلى رأس طبقتها المحافظة ذات العنجهية التي ترى أن لها حق الرئاسة والزعامة والكلمة والرأي. وقد بلغ أبو سفيان من الثروة ما جعله يستثمر خارج مكة، إذ اشترى ضيعة بالبلقاء بالشام، ورثها ولده معاوية.

في مقابل ذلك، انحدر آل عبد المطلب إلى درجة الفقر المادي على الرغم من احتفاظهم بالوجاهة الرمزية.

هكذا، لما توفي عبد المطلب عن سن الثمانين سنة، لم يترك لأبنائه غير ذلك الثراء الروحي الذي استمدوه من اسمَيْ قصي وهاشم؛ فما عدا ابنه العباس بن عبد المطلب الذي كان من كبار أغنياء مكة، والذي امتدت ثروته إلى يثرب فتملك بستانا فيها، فإن التاريخ لا يذكر عن عبد الله (والد الرسول)، بهذا الصدد، غير أنه بينما كان في طريقه من غزة إلى مكة في تجارة، نزل بالمدينة وهو مريض، وهناك توفي ودفن. أما أخوهما أبو طالب، فقد مات وحالته المادية ليست على ما يرام، إذ بلغ به الفقر أن أخذ منه أخوه العباس ابنه جعفرا لتخفيف الإنفاق، بينما أخذ منه ابنُ أخيه محمد ابنَه عليا لنفس السبب. وقد أكد عليّ ابن أبي طالب حالة الفقر هاته عندما قال: “أبي ساد فقيرا، وما ساد فقير غيره”.

هكذا، تغيرت خريطة الوجاهة بمكة قبل البعثة المحمدية، حيث أصبح ورثة قصي فريقان: فريق بني عبد شمس الذين بنوا وجاهتهم على الثروة، ودعموها بالتحالف مع الأغنياء؛ وفريق بني هاشم الذين لم يعد لهم غير وجاهة معنوية، رمزية.

على العموم، لقد انقسمت قريش إلى فرعين (بطنين) كبيرين وثمانية فروع (بطون) أخرى أقل شأنا. الفرعان الكبيران هما بنو هاشم (الهاشميون)، وبنو أمية (الأمويون، عبد شمس). وأما الفروع الأخرى، فهي نوفل وعبد الدار وأسد وتميم ومخزوم وعدي وجمح وسهم. وقد ظل التنافس شديدا بين الفرعين الكبيرين على الرئاسة (أو الملك أو الإمارة).

هذا التنافس الشديد بين الطرفين سيكون له أثر بالغ على طبيعة تلقي العرب لمعاني النبوة وتقديرهم لمضامين الرسالة. بل إن هذا التنافس نفسه هو الذي سيمتد في الزمن لينخر دولة الخلافة وما بعدها. من ذلك، على سبيل المثال، أن فرع أمية رأى في النبوة وسيلة للملك. وقد لخص عمرو بن هشام بن المغيرة المعروف بـ “أبو جهل” هذا التنافس المحموم بقوله: “تنازعنا نحن وبني عبد مناف الشرف، أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا؛ حتى إذا تحاذينا على الركب وكنا كفَرسيْ رهان قالوا منَّا نبي يأتيه الوحي من السماء، فمتى ندرك مثل هذا؟!”.

مواضيع قد تثير اهتمامك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *