×
×

الجذور التاريخية لدولة الإسلام: من الإيلاف إلى الأحلاف

إذا كان الحلف يعبر عن الحاجة إلى الآخر لتحقيق مصلحة مشتركة أو للعيش في أمان، فهو يعني تجاوز القبيلة للعيش منغلقة على ذاتها، وانفتاحها للتكتل مع أخرى أو أخريات وفقا لما تمليه المصالح المشتركة؛ وهذا في حد ذاته إرهاص لنضج سياسي جنيني يقود القبائل المتحالفة تدريجيا نحو تشكيل مجتمع فوق قبلي société supra tribale.
لذلك، فإن قريشا لم تعقد معظم أحلافها إلا عندما بلغت مستوى من التقدم الاقتصادي، الاجتماعي والتنظيمي/ السياسي؛ وهو ما يحدده ابن حبيب في بضعة عقود قبل ظهور الإسلام.

من خلال المقالات الثلاث السابقة:

1- محطات من تاريخ الفكر السياسي في بلاد الإسلام: في البدء كانت قريش

2- محطات من تاريخ الفكر السياسي في بلاد الإسلام: قريش، من السلطة الرمزية إلى سلطة المال

3- الجذور التاريخية لدولة الإسلام: صعود نجم بني عبد شمس

حاولنا تقديم إطار تاريخي بالحد الأدنى من المعطيات التي تمهد لقراءة بناء دولة الإسلام والتطورات التي ستشهدها. وقد تبين، من خلال ذلك، أن المال والمعتقد كانا المحركين الأساس للصراع أو للتحالف بين الأطراف الفاعلة.

بما أن عملنا يستهدف تاريخ دولة الإسلام نشوء وتطورا، فإننا لن نتوقف عند التفاصيل الأولى لحياة الرسول، وإنما سنعرج مباشرة على الإرهاصات الأولى للتكتلات التي عرفتها مكة قبل البعثة؛ وذلك لأنها، من جهة، لا تخلو من بعد سياسي ولأنها، من جهة أخرى -وهذا هو الأهم-، تبين أن صحيفة المدينة أو ما يغامر الكثيرون بتسميته دستور المدينة، لم تنطلق من فراغ، وإنما تندرج في سياق تاريخي يقوم على التراكم والاستيعاب والتجاوز.

إذا كانت الإرهاصات الجنينية لهذا النوع من تدبير العلاقات بين الأفراد والجماعات قد انطلقت من دار الندوة لتتطور وتتسع نسبيا من خلال الإيلافات التي عقدها هاشم، فإن الأحلاف التي عرفتها مكة تشكل مرحلة متقدمة من تبلور الأفكار السياسية في مكة.

يعرف ابن الأثير الحلف بأنه المعاقدة والمعاهدة على التعاضد والتساعد والاتفاق، وقد سمي كذلك لأنه مشتق من فعل حلف يحلف حَلفا، لأنه لا يعقد إلا بالحلف؛ أي أن المتحالفين أو المتعاقدين أو المتعاهدين يحلفون، أي يقسم بعضهم لبعض على الوفاء لما اتفقوا عليه، وعلى ألا يغدر بعضهم ببعض.

وقد كان الحلف يعقد بين أفراد، أو بين بطون من نفس القبيلة، أو بين بطون من قبائل مختلفة، أو بين قبائل مختلفة بأكملها. أما دوافع الحلف فقد تكون اقتصادية أو سياسية أو عسكرية. كما أن الحلف يمكن أن يكون هجوميا إذا كان الغرض منه الغزو، أو دفاعيا إذا كان الغرض منه التناصر في وجه خطر ما.

كانت الطقوس تتمثل في القسم الذي يُلزم المتحالفين بالوفاء، وبوليمة الطعام الذي يتقاسمه المتحالفون ويلزمهم بالوفاء، وطواف المتحالفين حول الكعبة لإشهاد الأصنام وإشعار الآخرين وتحذيرهم، بل إن بعض الأحلاف كانت تكتب ويعلق الكتاب على الكعبة.

على الرغم من أن الحلف لا ينتهك مبدأ استقلالية القبائل المتحالفة بعضها عن بعض، فإن ذلك لا يعني غياب طرف قيادي في الحلف، غالبا ما يكون الطرف القوي سياسيا أو اقتصاديا أو عسكريا.

يحدد ابن حبيب عدد الأحلاف التي عرفتها قريش قبل الإسلام في تسعة وعشرين حلفا، نكتفي هنا بإيراد الأربعة الأهم من بينها؛ اثنان منها خارجيان (حلف الأحابيش، وحلف الطائف)، واثنان داخليان (حلف الفضول وحلف الأحلاف).

حلف قريش/الأحابيش: هو أقدم حلف عقدته قريش، ويعود إلى عهد عبد مناف، الجد الثالث للنبي محمد، وهو حلف عسكري، كان الهدف منه حماية الأحابيش لقريش التي لم تكن في الأساس محاربة ولا غازية. والأحابيش بطنان من خزاعة، وقد سمي البطنان أحابيش، حسب جواد علي، لأنهم قد خضعوا لحكم الحبش قبل الإسلام بزمن طويل، أو أيضا لتزوج قسم منهم بحبشيات فظهرت السمرة على سُحنهم.

حلف قريش/ الطائف: تقع الطائف على الطريق التجاري لقريش نحو اليمن، وقد كانت ذات أهمية زراعية، تحيط بها الأودية، وتنتج أراضيها الفواكه. لذلك، لما عظم شأن قريش، فرضت حلفا على قبيلتيْ ثقيف ودوس بالطائف، مقابل إشراكهما في الحرم. يذهب جواد علي إلى أن ثقيفا خافت من قريش وخزاعة، فقبلت الحلف، ومثلها فعلت دوس. هكذا، استغل أثرياء قريش أموالهم في الطائف، فاشتروا فيها الأراضي وغرسوا الأشجار، وبنوا منازل اتخذوها مساكن لهم في الصيف، ولم يدخروا جهدا في ربط الطائف بمكة.

كان الحلف يعقد بين أفراد، أو بين بطون من نفس القبيلة، أو بين بطون من قبائل مختلفة، أو بين قبائل مختلفة بأكملها. أما دوافع الحلف فقد تكون اقتصادية أو سياسية أو عسكرية. كما أن الحلف يمكن أن يكون هجوميا إذا كان الغرض منه الغزو، أو دفاعيا إذا كان الغرض منه التناصر في وجه خطر ما.

حلفا المطيَّبين والأحلاف: يعود عقد حلف المطيبين إلى حوالي جيل قبل ظهور الإسلام، وتعود أسبابه إلى منازعة بني عبد مناف لبني عبد الدار في الصلاحيات التي خلفها قصي للثاني. وقد اصطف إلى جانب بني عبد مناف كل من بني أسد وبني زهرة وبني الحارث وبني تميم، فشكلوا حلفا، وأحضرت لهم عاتكة بنت عبد المطلب أو أم حكيم بنت عبد المطلب جفنة فيها طيب غمسوا فيها أيديهم متعاهدين على أن يظلوا يدا واحدة، فسموا من ثمة بـ: حلف المطيبين. أما بنو عبد الدار، فقد حالفهم بنو سهم وبنو جمح وبنو عدي فشكلوا حلف الأحلاف، وغمسوا أيديهم في دم جزور (ناقة) ذبحوها بالمناسبة، ولعقوا من دمها فسموا حلف لعقة الدم. ويعتبر المؤرخون هذين الحلفين من بواكير التكتلات السياسية.

حلف الفضول: تتفق مختلف الروايات على أن محمدا بن عبد الله حضر هذا الحلف الذي انعقد حوالي عشرين سنة قبل المبعث؛ أي حوالي 590م. تعود أسباب انعقاد هذا الحلف إلى أن تاجرا يمنيا اشتكى من مماطلة قريشي في دفع ماله، فاجتمع بنو هاشم وبنو عبد المطلب وبنو زهرة وبنو تيم في دار عبد الله بن جدعان وتحالفوا بينهم “ألا يظلم أحد بمكة إلا كنا جميعا معه على الظالم، حتى نأخذ مظلمته ممن ظلمه شريفا كان أو وضيعا، منا أو من غيرنا”.  لم يشارك في الحلف بنو عبد شمس وبنو نوفل، نتيجة للانقسام الذي كان بينهم وبين بني هاشم. وترجع التسمية إما إلى أن قريشا عندما علمت بما تحالفوا عليه قالوا” هذا والله فضول”، أو إلى ربط التسمية برجال من جرهم كانوا يردون المظالم، وكانت أسماؤهم فضيل وفضال ومفضل وفضل.

أما من حيث طقوس عقد الأحلاف، فقد كانت تتمثل في القسم الذي يُلزم المتحالفين بالوفاء، وبوليمة الطعام الذي يتقاسمه المتحالفون ويلزمهم بالوفاء، وطواف المتحالفين حول الكعبة لإشهاد الأصنام وإشعار الآخرين وتحذيرهم، بل إن بعض الأحلاف كانت تكتب ويعلق الكتاب على الكعبة.

إذا كان الحلف يعبر عن الحاجة إلى الآخر لتحقيق مصلحة مشتركة أو للعيش في أمان، فهو يعني تجاوز القبيلة للعيش منغلقة على ذاتها، وانفتاحها للتكتل مع أخرى أو أخريات وفقا لما تمليه المصالح المشتركة؛ وهذا في حد ذاته إرهاص لنضج سياسي جنيني يقود القبائل المتحالفة تدريجيا نحو تشكيل مجتمع فوق قبلي société supra tribale. لذلك، فإن قريشا لم تعقد معظم أحلافها إلا عندما بلغت مستوى من التقدم الاقتصادي، الاجتماعي والتنظيمي/ السياسي؛ وهو ما يحدده ابن حبيب في بضعة عقود قبل ظهور الإسلام.

مقالات وفيديوهات قد تهمك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *