×
×

التّشكيل والجنس… حين تحاول “التقليدانية” كسر ريشة الفنّان! 1/2

مصالحة التفكير الجمعي مع الجنس هي معركة متعددة الأطراف، يساهم فيها التشكيل في نطاق اختصاصه. لكن التعبير الأسمى يكمنُ في تكريس هذه المصالحة، لا نسْفها وإعادة الأجواء إلى نقطة الصّفر. والنّسف على كل حال يدخل ضمن اختصاصات الرّقابة والوصاية، التي تحجبُ كل شمسٍ تكادُ تسطعُ للحُرية!

كما أنّ هناكَ أدبا جريئا وسِينما واقعية جسُورة؛ هُناك أيضاً تشكيلٌ تحلّى بقيم الشجاعة في تحديثِ أنماط التّفكير تجاه الفنون البصَرية بالمغرب، وقاوم “شُرطة الأخلاق”، في تصوير الجسد والعري.

يُنظَرُ إلى الفن في المُجتمعات “التقليدانية” على أنّه ترفٌ ولا حاجة إليه، ولا يمكنُ أن يسَاهم في أي نقاش مُجتمعي!!

لكنّ التشكيل في النّهاية حكاية… وإذا كان العربُ أكثر ضبطاً لأسلُوب الحكي، كما يشاع، فلماذا لازال خوفُ “المُحافظين” من نوع معيّن من الحِكاية قائماً، سواءٌ في صِيغتها الشّعرية أو الرّوائية أو الفوتوغرافية أو السّينمائية وحتّى التّشكيلية؟

“الرقابة الذاتية ينبغي أن تأتي بعد الإبداع لا قبله”

النّاقد فريد الزّاهي يخلصُ، في حديث خصّ به “مرايانا”، أننا في الدول العربية، وبالرغم من أن الجسد الأنثوي العاري قد عرف منذ بدايات القرن بعض الازدهار في الفن اللبناني والمصري، وبالرغم من أن العديد من مدارس وكليات الفنون كانت تعتمد على الجسد المكشوف لتعليم الطلبة فن رسم الجسد، إلا أن المرحلة الراهنة عرفت ما يمكن أن نسميه “عودة التّدين وصعود الحركات الإسلامية وانتكاس الفكر النقدي المتحرر”، مما جعل من الصّعب مثلاً تصوّر معرض للجسد العاري أو لوضعياته الجنسية.

الفن والجنسانية… الرّيشة المكسُورة!

بما أنّ الفنان لا يقدّم حلُولاً وإنّما يطرحُ أسئِلة تُؤرقُه بشكل فنّي، فإن الفنانة خديجة الطنانة، التي تم منع معرضها سنة 2018 تقول، في حديثها لـ”مرايانا”، بأنّ لوحاتها التي تُحاكي كاماسوترا، سعت عبرها إلى الانخراط إلى جانب أطباء وسوسيولوجيين وباحثين، غداة تفشّي ظواهر مثلَ البيدُوفيليا والاغتِصاب والعُنف وغياب الانسجام بينَ الجِنسين في فضح هذه الظواهر المجتمعية ومساءلتها. ذلك العمل هو دفعٌ بنِقاش ظلّ مطرُوحاً بخُصوص التّربية الجنسية، إلى سطح الفضاء العمومي.

لوحة “كاماسوترا” للفنانة التشكيلية المغربية خديجة طنانة

الطنّانة تعتبرُ أنّ منع أعمَالها من العرض، هو ضربٌ في قيمة الفن ودمقرطته، بذرائع شكلية لا تتعلّقُ بعُمق المضمُون الذي كانت اللّوحة تسعى إلى إيصَاله، حتى لو اصطدمتْ بخصوصية المجتمع، فالفنّان ليس عليه بالضّرورة أن يُهادن!

هدف السّلطة من هذا المنع، أن تنتزع النقاش الدائر حول الجنسانية من الفنان، وتترك لهُ مواضيع مستهلكة لم تعد تثيرُ أي تساؤُلات، تقول المتحدّثة.

التوقيع الكوني الإنساني للفنّ، وفق الطنانة، يسمو على التوقيع الديني والأخلاقي. لذلك، تمّ الاحتفاء بكاماسوترا وليس الروض العاطر للنفزاوي، باعتبار الأخير، مع ذلك، يجترّ التقاليد التي تعتبر المرأة أصل الغِواية في كل ما يتعلّق بالجنس، بينما كاماسوترا هي اعتزاز بالجَسد لدى الجنسين!

إن مصالحة التفكير الجمعي مع الجنس هي معركة متعددة الأطراف، يساهم فيها التشكيل في نطاق اختصاصه. لكن التعبير الأسمى يكمنُ في تكريس هذه المصالحة، لا نسْفها وإعادة الأجواء إلى نقطة الصّفر. والنّسف على كل حال يدخل ضمن اختصاصات الرّقابة والوصاية، التي تحجبُ كل شمسٍ تكادُ تسطعُ للحُرية!

الرّقابة الذاتية تتغذّى، عملياً، من رقابة المجتمع والسّلطة والأسرة والدين

التشكيل عندما يقتحمُ نقاش الجنسانية، هو بمثابة وثيقة إدانة تشهرُ ضدّ الظّلم وقهر الفرد وإخضاع ميوله الجنسية للوصاية، واللوحة بألوانها وأنساقِها، هي في النّهاية فضاء للمُواجهة، مواجهة التقليدانية والسّلطوية اللتين تسعيانِ إلى كبح جموح الفنّ. لكن ريشةَ الفنّ في هذه المَواضيع لازالت، إلى حدّ ما، “مكسُورة”. لذلك، لم تُعرض الكثير من الأعمال وبقيت حبيسة المُحترفات.

الفنان التّشكيلي “الثّائر” في آخر المطاف إنسان، يتبنّى أيديولوجيا وقضيّة معارضة للسّائد. يحاولُ الدّفاع عنها عن طريق التّشكيل. والأعمال التّشكيلية “المُنفلتة” من الرّقابة الذاتية هي مُدهشة لأنّها تعبّر عن صدقية تحاكي ذات الفنان ورؤيته لمجتمعه وللعالم والوجود.

الرّقابة الذّاتية… الفنّ “المجرُوح”!

الرقابة الذاتية موجودة لدى جميع الأشخاص وليس فقط لدى الفنّان، وفي جميع المجالات، لا في التّشكيل حصراً.

هناك رغبةٌ تتملّك الفنان التّشكيلي أحياناً ليكسِر الصّمت بالفرشاة، ويفجّر كل أحاسيسه ومشاعره. لكنه سرعان ما يصطدم كل هذا بأفق الرّقابة الذاتية…

مصالحة التفكير الجمعي مع الجنس هي معركة متعددة الأطراف، يساهم فيها التشكيل في نطاق اختصاصه

موليم العروسي، الناقد الجمالي، يرى بأنّ الرقابة الذاتية ينبغي أن تأتي بعد الإبداع لا قبله، فالكثير من الفنانين يرسمون أعمالاً في غاية الجرأة، بيد أنّهم يتركونها حبيسةَ المَرسم، ولا يستَطيعُون عرضها، والمهمّ أنهم أبدعوها ولم يكبحوا “سُلطة” الإلهام.

العروسي يردفُ لـ”مرايانا” أنّ الإبداع ليست له حدود على الإطلاق، فالفنان حرّ أن “يخلق” ما يشَاء، بيدَ أن الرقابة الذاتية أحياناً تلعبُ على مستوى توزيع الأعمال، أي الخوف من أن لا يتمّ عرض العمل أو توزِيعه، سواءٌ تعلق الأمر بعمل تشكيلي أو فكري أو سينمائي… إلخ.

هنا، تصبحُ الرّقابة الذاتية بعديةً. حتّى لو كان العملُ ذا قِيمة فنية رفيعة، فإنّ الفنان يفتقدُ للشجاعة ليعرِضها على النّاس. لذلك، فإن الأعمال التي تذهب في هذا الاتجاه تتلقّى هجمات عنيفة، كما حدَث لكنزة بنجلون ونعيمة زيطان وخديجة الطنانة، يقول العروسي.

الرّقابة الذاتية تتغذّى، عملياً، من رقابة المجتمع والسّلطة والأسرة والدين، فعائلة نبغَ فيها فنّان متحرر فردياً، لا يمتلكُ دائماً تلك القُدرة لزعزعة سطوة المحافظة المُتصلّبة في ذهنية عائلته وأعراف محيطه.

خديجة الطنانة تعترفُ لـ”مرايانا بالصّراع الذي يتربّى داخلها تلقائياً لمُقاومة الخوف وتقليص حدّته. كما لا تخفي أنّها رغم كل الجرأة الخارجية، فالرّقابة الذاتية من الداخل تفعل فعلتها في أعمالها التّشكيلية، وحتى في لحظات التّجاوز تحضُر… إذ تعتبر أن من الصّعب تماماً، التّخلصّ من عبئ الرقابة كليّةً.

المرحلة الراهنة عرفت ما يمكن أن نسميه “عودة التّدين وصعود الحركات الإسلامية وانتكاس الفكر النقدي المتحرر”

ما يُفسّر ظهور شرطة الأخلاق على نحو “محتشم”، إلاّ أنّه “عنيف” و”فظيع”، هو أنّ ثمّة الكثير من الفنانين الذين يخضعون لرقابة ذاتية، ولا يستطيعون تخطي الخطوط الحمراء التي رسمتها وصَاية السّلطة والمُجتمع على الفن، فتكون الرّقابة الذاتية بذلك “خبيثةً” وتسيءُ لقيمة المُمارسة الفنّية…

يتعلّق الأمر أحياناً بخوف طبِيعي لدى الإنسان من تجاوز الحُدود. حتى دينياً، هُناك في القرآن “تلك حدود الله”. والحدود في السياق الديني تدخل ضمن نطاق الطّابو و”المسكُوت عنهُ” و”اللامُفكّر فيه”… بيد أنّ الفنان على كلّ حال ليس مطالباً، مبدئياً، بالتّقيّد بهذه الحُدود، وإلاّ تمّ اغتيال الإبداع، كما يرى الكثيرُ من النّقاد!

في الجزء الثاني، نُفصل أكثر في “قضية” النّقد الأخلاقي وإشكالية الفنّ النظيف.

مواضيع قد تهمّك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *