×
×

إدريس هاني لمرايانا: قراءتي للتّراث تسعى إلى تقويض الأيديولوجيا العارية، ومقاربتي تصارع النظرة الإقصائية! 1\4

إدريس هاني من المفكّرين المغَاربة، الذين ساهمُوا، من زاويتهم المعرفية، في قراءة التّراث العربي الإسلامي. لكنّ المُثير في قراءة هاني للتّراث أنّه يقُول إنّها قراءة كُلّيانية شُمولية، تطرقُ المهمّش وترفع الحِجاب عن المسكُوت عنهُ في التاريخ. كيف ذلك؟
هذا ما سيوضّحه لنا في حِواره هذا مع مرايانا، والذي آثر فيه أن يضع مواضيع السّياسة الحارقة جانباً، في أفق تفكيك اعتبارات أعمق.
يبرّر إدريس هاني ذلك بأنّه “يريدُ أن يرتَقي بالحِوار إلى سَماء الفِكر والعلم والمعرفة، بعيداً عن الأدلَجة والسّياسة بمعنَاها الاستِهلاكي اليومي”… هل نجح في ذلك؟
لنُتابع الحِوار ونرى…

إنّما تبدأ الأيديولوجيا من الأحكام المطلقة، نفيا أو إثباتا. لكنني، منذ البداية وحتى اليوم، كانت مهمتي هي تجاوز كل أشكال أحكام قيمة، سواء في امتلاك التراث أو عدمه. مهمتي هي محاولة الفهم، وستظلّ كذلك. وحين انتقدت التجزيء في قراءة التراث، فذلك لأسباب تتعلّق بموقفي من عموم المعرفة، والموقف من المنهج وطريقة إدارته. بقدر موقفي النقدي ذاك، لم أسقط في العدمية، بما أنّها موقف سهل، وهو موقف غير معرفي يقوم على استحالة العلم.

أمّا فيما يتعلّق بموقفي من الأيديولوجيا وما إذا كانت محاولتي تخلو منها، فأنا حملت دعوة إعادة الاعتبار للمهمّش، وقراءة التراث قراءة كلّيانية، ونبذ الغلب والعصبيّة. لا يمكنُ لموقف كهذا أن يعتبر لامعرفيّا، بل هو طلب استكمال المعرفة بالتراث.

الأيديولوجيا حاضرة بلا شكّ، في كلّ قراءة تسعى لتعزيز الوعي. الأيديولوجيا في حدّ ذاتها قضية ملازمة للمعرفة، وأحيانا ضرورة من ضرورات تنزيلها. إنّ المعرفة، حين تصبح قضية وعي جماعي، وتصبح حقيقة سوسيولوجية، تستدعي الأيديولوجيا حتمًا. وتبقى مشكلتنا، ليس مع الأيديولوجيا الحميدة التي تتعايش مع المعرفة، مثل الباكتيريا الحميدة في الجسم، بل مشكلتنا تبدأ حين تصبح الأيديولوجيا خبيثة، تسعى لاحتلال وظيفة المعرفة نفسها، وليس تجسير الفجوة بين النظرية والعمل. ما دامت الأيديولوجيا ترتبطُ بالمعرفة وتتغذّى عليها وتخضعُ لنوع من التّحديث (mise à jour) المعرفي، فلا إشكال فيها.

إنّ الحَديث عن معرفة طهرانية مجرّدة من الأيديولوجيا، هو ضرب من الأيديولوجيا الزّائفة. بما أنّ التّراث موصُول بشكل أو بآخر بالاجتماع، وبنظرية العمل، فهو مجال لحضور الأيديولوجيا. في كل محاولاتنا، نسعى فقط لتقويض الأيديولوجيا العارية، ونعيد ربطها بالمعرفة، لأنّ خطر الأيديولوجيا يبدأ حين تستقلّ بوظيفتها عن المعرفة. ثم، لا زلت أفكّر بصوت عالٍ حول التراث، وقد تجاوزت سلطة المناهج وما تنطوي عليه من منازع لصالح مقاربة عبر-مناهجية، أي احتواء سائر المناهج وتجاوزها في الوقت نفسه لصالح الموقف الأنطولوجي من التّراث نفسه، وهذا ما يمكن ملاحظته في جملة المفاهيم التي اشتغلت عليها ولا زلت أشتغل عليها، طمعًا في أفضل الطّرق لفهم أمثل للتراث.

  • لكنّك تقول في كتابك “خرائط أيديولوجية ممزقة”: إنّ الاهتمام العربي المعاصر بموضوع الأيديولوجيا إنما برز بشكل لافت في أزمة التمزّق العربي الإسلامي وفي فترة محكومة بمناخ الإخفاقات الكبرى. في نظرك، ما الذي قدّمته الأيديولوجيا للفكر العربي المعاصر أكثر من تعميق الاصطفافات والتّشرذم، بدل توحيد الجهود لصياغة برنامج نهضوي شامل؟

بالفعل. وهذا ما حرصتُ أن أبيّنه في هذا الكتاب. سعيتُ أنْ أتناول في البداية معضلة الأيديولوجيا نفسها كمفهوم ووظيفة. لقد وضعتُ مدخلاً عامًّا يتناول الأيديولوجيا الواصفة، وذلك لفهمِ هذا الذي نلوّح به، وما مدى أهمّيته وما هي خطورته.

لا شكّ أنّني أكدت على الطبيعة الصراعية للفكر العربي، وهذا ما ساهمت فيه الأيديولوجيا، لأنّها في مثال الفكر العربي سبقت الأيديولوجيا المعرفة، بل وساهمت في إفساد البيئة المعرفية نفسها. لقد كانت نهاية القرن التاسع عشر الميلادي فرصة تاريخية لقيام أيديولوجيا حميدة تتمحور حول فكرة التّحرر والنهضة، وكان الوعي، يومئذٍ، جارياً بأهمية توحيد أو لنقل إيجاد كتلة تاريخية معرفية وسياسية أيضا تتمحور حول مشروع النهضة.

غير أنّ الأيديولوجيا انزاحت عن وظيفتها النّهضوية، وتحولت إلى أيديولوجيا زائفة قادت إلى العصبية والاختزال. البرنامج النهضوي الوحيد الذي كان يحظى بالعنفوان، هو ذلك الذي قاده يوماً جمال الدين الأفغاني وتلامذته. كان برنامجا يتمتّع بالوضوح، وبإرادة التّحرر، كما جاء في شروط مواتية وفي جغرافيا مناسبة للاستِقطاب. تلكَ الوحدة، التي استَطاع ملهم نهضة الشّرق أن يكرّسها، سرعان ما تلاشت ودخلنا عصر خرائط أيديولوجيا ممزّقة. لقد كانت الأيديولوجيا حاضرة أيضاً، ووجب أن تحضر دائما، فلا نهضة من دون أيديولوجيا. لكن ما حصل هو أنّ الذي هيمنَ، في نهاية المطاف، هو نمط آخر من الأيديولوجيا الزّائفة، أخرجت الأمّة برمّتها من سؤال النهضة إلى سؤال العصبيّة والغلبة والقبائليّة والمذهبية والطّائفيّة والحزبيّة…

  • على ذكرك المذهبية، في مؤلفك “محنة التراث الآخر”، تذهب إلى أن المستشرقين الذين خصّوا المذهب الشيعي بالدراسة، ظلّت مخلصاتهم محدودة، نظراً لغياب الوثيقة الشّيعية واعتمادهم على نصُوص كتبها مؤرّخون من السنّة، فسقطوا بدورهم في مزالق أيديولوجية. لكن، في رأيك، كيفَ يسع الباحث الوصُول إلى معرفة شافية عن التّراث الشّيعي الذي ظلّ محفوفاً بالغُموض؟

لا أخفيك سرًّا أنني كنت أتمنّى دائما أن تتمتّع قراءتنا للتراث بقدر من العدالة الإبستيمولوجية، أي أن نُخضع التراث إلى قراءة منصفة وموضوعية، بعيداً عن الرّغبة في التّفضيل. ففي محنة التراث، حاولت الإجابة على سؤال الإقصاء والتهميش أو ما سميته بالتراث الآخر.

نعم، هناك قراءات وافرة تتحدّث عن شكل من غياب الإنصاف وصعوبة بلوغ الوثيقة بالنسبة للتراثات المهمّشة على غرار الشّيعة؛ وهذا ما أثار الانتباه في وقت مبكّر من قبل المهتمين بالدّراسات الشّرقية، ابتداءً من ماسينيون وانتهاء بهنري كوربان. المسألة في رأيي لا تقفُ هنا أو هناك، بل هي قضية منهج، وقضيّة شُروط وبيئة معرفية مشحُونة بكلّ مصارع التّاريخ العربي والإسلامي.

بالتأكيد، لا يمكنُ مقاربة تاريخ المهمشين في التاريخ الإسلامي من خلال تاريخ أورثوذكسي. لقد رفض ماسينيون هذه المنهجية في مقاربة التّصوف الإسلامي، هنري كوربان توسّل باستراتيجيا فينومينولوجية لمحاولة فهم الباطنية والإشراق. حتى برنار لويس رفض ذلك في قراءة الإسماعيلية، إذا استحضرنا موقف ليو ستراوس في الاضطهاد وفنّ الكتابة، سندرك أيضًا أنّ تاريخ المهمشين لا يمكن قراءته انطلاقا من التّاريخ العام.

حين يقتصر نقد العقل العربي عند الراحل محمد عابد الجابري على ما يسميه التراث العالِم، ويقصي الأشكال التعبيرية الأخرى، فإنّه بذلك يفرض طريقا واحدا لفهم التراث، هو التراث العالِم أي المكتُوب، ومرجعيته التاريخ العام، وأيضا يقصي الأشكال التعبيرية الأخرى، مما يفرض منحى واحدا هو التّفسير لا التأويل.

  • إذن، كيف نصل للتّراث الشيعي؟

لنعترف أوّلاً أنه هو أيضاً تراث كبير وضخم، وذو حساسيات مختلفة، وطبقات، وحقول معرفية متنوعة في الآداب والفلسفة والفقه والأصول والحديث. لكن، وجب القول إنّ جزءً منه متاخم للتاريخ العام؛ فهو ليس معزولاً، مثلا حينما يتحدث برنار لويس عن التاريخ العام وكيف أنه مارس الإقصاء في حقّ الإسمَاعيلية، فهو يتحدّث عن التاريخ السنّي والإمامي معًا، وذلك باعتبار أنّ من بين كتب التّاريخ المقرّرة، هناك كتب شيعيّة أيضاً، اعتمد عليها المتأخرون مثل ابن خلدون فيما يصطدم بمذاهب الاعتقاد المقررة.

سنذكر مؤرخين كبار هم أصلاً شيعة، مثل اليعقوبي والمسعودي. وسنجد الأمر نفسه في اللغة والفلسفة والشعر، كابن منظور صاحب لسان العرب، وجابر بن حيان، وابن سينا، والمتنبّئ، وأبو فراس الحمداني… عشرات رجال البخاري نفسه هم شيعة، وكان ذلك منحى المحدثين ومنهم الذهبي في توثيقهم.

طبعاً، الذهبي اعتبر الطبقة الأولى منهم كثيرة في التابعين، ولو تركوا لاندرس الحديث؛ ولا شكّ أنّ الحديث هنا يطول وفيه تفاصيل ليس هاهنا مقامها. لكن الشاهد في كلامي، هو أنّنا حين نتحدّث عن هذا الجزء من التراث، نتحدث عن قسم متاخم وقسم مستقل، مما يعني أنّ قراءة التراث على نحو التجزيء، تزيد في تعقيد الفهم. بتعبير آخر، فإنّ التراث هو مزيج، ومهما حاولنا الحديث عن تراثات مستقلة داخل التراث، فهذا يقودنا إلى فهم قاصر، ويجعلنا أمام بنيات تراثية مستقلّة، وهو ما لم يكن بهذه الحدّة. لقد كان هناك مستوى من دينامية الوصل والفصل.

التراث الشيعي، لا يمكن قراءته باستقلال عن التراث العام. وهنا، لا زلت أؤكد على أنّ التّشيع عامّ لا يقابل تاريخيًّا وعقديًّا أهل السّنة، بل هو سياسيًّا وتاريخيًّا مقابل الأمويّة، فالمذاهب تكاملت أصوليًّا وكلاميًّا فيما بعد نتيجة الاجتهاد، ومن هنا، تعذّر فهم مكونات التراث الإسلامي باستقلال عن بعضها، هذا يحصُل حتى في مجال الفقه والتّشريع، إذا لم نستوعب الحديث والفقه السنّيين لن نفهم بشكل أدقّ الحديث والفقه الشيعيين. هذه المعرفة باتت مشروطة في نظر المرجع البروجردي. (*)

… في الجزء الثاني من هذا الحوار، يحدّثنا إدريس هاني عن هذا الاجتِهاد الذي أبان عنه الفكر الشيعي في القرون الأولى… وعن عَلاقة الإخوان المُسلمين في مصر بالثّورة الخمينية بإيران.

(*): ينتمي هذا المرجع إلى حسين بن السيد علي الطباطبائي البروجردي، الشهير بالإمام البروجردي. يعتبرهُ الشّيعة مرجعاً مهمًّا، ويُعتبرُونه عالم دين وفقيه معتمد.

مقالات قد تثير اهتمامك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *