×
×

قرامطة البحرين: جمهورية “اشتراكية” رائدة… لكن عنوانها الدّماء! 4\4

عرضنا في الجزء الأول والثاني والثالث، صورة عن قرامطة العراق وتطور الدعوة واستقطاب كل الشرائح المعدّمة ووعدهم بتحقيق السعادة الدنيوية.
في هذا الجزء، نقدم لمحةً عن قرامطة البحرين وكيف تفرّدت دولتهم في التاريخ، وما هي الأخطاء التي اقترفوها.

ينقل أدونيس في كتابه “الثابت والمتحول” عن عبد العزيز الدوري قوله، إن قرامطة الأحساء “ألغوا الإقطاع، وأعادوا النظر في توزيع الأراضي، كما يظهر، وألغوا رق الأرض، وقدموا السلف للفلاحين لتشجيعهم على استغلال الأرض، كما أنهم شجعوا الصناع، وقدموا لهم المساعدات المالية، وسيطروا على التجارة الخارجية، وساروا على خطة الاكتفاء الذاتي… أما السلطة فكانت بيد مجلس من الرؤساء له طابع شورى في الحكم”.

جمهورية البحرين: البداية 

خلال الصراع الدامي بين الدولة والقرامطة في العراق، استطاع أحد زعمائهم التسلل إلى بلاد الشام عام 289ھ/ 901م، فأسس هناك بؤرة جديدة للحركة القرمطية المسلحة، وسعت مجال الدعوة من جهة، وأطالت زمن هذا الصراع الذي أفقد سلطة الخلافة سيطرتها على كثير من الأقاليم من جهة ثانية. [1]

خطر هذه الحركة في مواجهة النظام الاجتماعي لدولة الخلافة، تعاظم حين نجح الداعية للحركة، أبو سعيد الجنابي، الذي أرسله حمدان قرمط إلى البحرين، في استمالة هذه المنطقة.

يذهب الباحث المعاصر حسين مروة، إلى القول بأن أبا سعيد وجد في البحرين استجابة واسعة للدعوة بين سكان المدن هناك وسكان البادية أيضاً، إذ نشر فيهم فكرة المؤاخاة الشاملة بين الناس، مهما اختلفت انتماءاتهم الدينية والعرقية والجغرافية”. [2]

وجد سكان البحرين عروض القرامطة غاية في الإغراء، لأنها تنشد سعادةً واقعية لحظية ومباشرة في الأرض، دون انتظار السعادة الأخروية التي وعدتهم بها الأديان.

منذ أواخر القرن الثالث وبداية القرن الرابع الهجريين، تركزت قوة المواجهة المسلحة بين القرامطة ودولة الخلافة في جبهة قرامطة البحرين.

حافظت الجبهة القرمطية على قوّتها ورغبتها في التوسّع، حتى أصبح عصيًّا على جيوش الخلافة تطويعها، “فانسلخت منطقة البحرين عن سلطة الخلافة، واستقلت دولة البحرين القرمطية في عهد سليمان أبي طاهر أحد أبناء أبي سعيد الجنابي. وذلك أثناء عشرينات القرن الرّابع”. [3]

كان الوضع في البحرين ميلاداً واضحاً لأوّل جمهورية عربية في العصر الوسيط، بل في تاريخ العرب كله، لها نظريتها وإيديولوجيتها وبرنامجها الاجتماعي – الاقتصادي – السياسي، يقول حسين مروة.

إنها دولة من طراز جديد كل الجدة في عصرها، لا تقوم على الدين، بل هي أقرب إلى العلمانية بمفهومها المعاصر.  [4]

لقد كانت فترة حكم أبو السعيد الجنابي تبلغ الـ15 عاماً، أي من 286 هـ – 301 هـ، ومن أبنائه أبا القاسم سعيد الجنابي وأبا الطاهر سليمان الجنابي وأبا منصور أحمد الجنابي وأب العباس إبراهيم وأبا يعقوب يوسف الجنابي. لقد تولى ابنه أبو القاسم الحكم بقرار من مجلس العقدانية لفترة مؤقتة ثلاث سنوات ثم سلم الحكم لأبي الطاهر. [5]

لا شكّ أن الدعوة القرمطية، خلال بداياتها في العراق، اتخذت وجهاً دینيا مذهبيا، بالتحديد اعتبارها وجوب الطاعة للإمام الخفي المنتظر.

لكن حسين مروة يذهب إلى أنه، بعد قيام جمهورية البحرين، باتت فكرة الإمام هذه يتّضح أنها فكرة اجتماعية في شكل دیني.

كل ما يمكن قوله، بشأن عقيدة مؤسسي جمهورية البحرين القرمطية، أنه “كانت لهم فلسفة، ولم تكن لهم عقيدة بالمعنى الديني. تتمثل هذه الفلسفة بفكرة “تأليه” العقل، أو “عقلنة” الله، فهم يقولون بـ”العقل الأعلى”، الذي هو الله، أو الحكمة العليا”.[6]

القرامطة: “الأخطاء القاتلة“!

هناك تقريباً إجماعٌ على لجوء القرامطة إلى العنف والقتل، وتدنيس تاريخهم بالدماء.

لكن المثير أنّ الدارسين المعاصرين للحركة القرمطية، حاولوا تبرير هذا العنف والبحث له عن أسباب.

أحد الباحثين، وهو يحاول تبرير هذا العنف، اعتبر أنّ القسوة البالغة التي تعرض لها قرامطة العراق من جانب الخلافة العباسية، والمحاربة الفكرية من جانب الفكر الديني الرجعي والمحافظ والرسمي، وعلى رأسهم الإمام الغزالي، قد دفع بهم إلى مواجهة العنف بالعنف، أو السن بالسن والعين بالعين، مما دفع المؤرخين إلى اتهامهم بالقسوة أيضاً.

لكنّ بطش الخلافة بكل الفرق المعارضة، بما فيهم القرامطة، ومحاولة استئصال شأفتهم، التي امتدّت لقرامطة البحرين والشام وغيرهم، ولّدت عنفاً مضادّا.

هذا الإصرار المستمر للخلافة، لم يثنِ القرامطة، خصوصاً في البحرين، عن اللجوء إلى العنف والقتل وإراقة الدماء و”الإرهاب”؛ فالقرامطة هاجموا الحجاج الأبرياء، الوافدين إلى مكّة، وهو ما أضرّ بهذه الحركة وسمعتها وتأثيرها.

كما أن نقل الحجر الأسود من مكة إلى البحرين واستمرار وجوده هناك 22 عاما يعبر في جوهره عن عدة مسائل مهمة هي :[7]

أن الحركة القرمطية في البحرين، كانت كما يبدو، لا تعتقد بسلامة العبادة لله عبر الحجر الأسود، فهو، بالنسبة إليها، عادة “وثنية”، وعبارة عن صنم يحاكي التعابير التعبدية قبل مجيء الإسلام. لكنّ الباحثين اعتبروا الهجوم السافر على الكعبة، رغم قداستها، محاولة غير موفّقة أساءت للقرامطة بالدرجة الأولى.

بالإضافة إلى نهب أموال الحجاج. رغم فظاعة هذا الأمر، فإن هناك من الدارسين من يربطهُ بمحاولة القرامطة التدليل على أنّ الخلافة عاجزة عن حماية أكثر الأماكن قداسة بالنسبة للمسلمين، وأنها غير قادرة “على حماية رعاياها، وبالتالي يمكن أن يتعرض كل إنسان فيها لمخاطر غير معروفة العواقب، إذ أن الدولة ضعيفة ومشتتة”.

قال الباحث محمود إسماعيل مثلاً: إن تلك الحادثة، بحال وقوعها، يجب أن نفهمها في سياقاتها الاقتصادية والسياسية لا الدينية، فقد كان القرامطة يحاولون إضعاف النفوذ الروحي والمادي للخليفة العباسي، وكان السبيل الأمثل لذلك هو إيقاف شعيرة الحج إلى مكة، وتحصيل فدية ضخمة نظير إعادة الحجر الأسود إلى مكانه مرة أخرى.

ابن كثير في “البداية والنهاية“، يورد أنّ ذلك تمّ فعلياً عام 339هـ، أي بعد 22 سنة من أخذ الحجر الأسود من مكة.

كما هاجم قرامطة البحرين، عدة مرات، مدينتي الكوفة والبصرة، وتم قتل الرعايا وممارسة أعمال السطو. لكنّ الدارسين المعاصرين برروا ذلك، مجددا، بأنّه ليس غاية في ذاته، وإنما مجرد وسيلة لاستفزاز الخلافة العباسية، استغلّها مؤرخو السلطة ليربطوا القرامطة بشتى أشكال الهمجية والعُنف والتوحّش.

ستضعف جمهورية القرامطة بالبحرين بعد الانشقاقات والضربات المتوالية، حتى تمّت محاصرتُها من قبل الشيخ المنتفق الملقب بالأصفر عام 378 هـ، وهو الذي استولى على القطيف، وهزّ أركان السلطة المركزية في الأحساء، وأدى إلى انحطاط الإدارة وضعف الدولة… بهذا، يكون السقوط الحتمي لتجربة القرامطة وتنتهي دولتهم في عهد آخر أمرائها الأمير سهل بن همام. [8]

في النهاية، يجوز التساؤل: هل بالغ المستشرقون والباحثون المعاصرون في وصف القرامطة؟ أم أن الأمر له علاقة بتمادي فقهاء السلطة العباسية ومؤرخي المذهب السّني واجتهادهم في تشويه صورة هذه الحركة؟

… كيف بوسعنا، أصلاً، أن نُحاكم تراثاً كتبهُ المنتصر بعد أن نكّل بالطرف الآخر ودمر فلسفته وبعثر تراثه وأتلف كتبه وداس على إنجازاته؟

تبقى محاولة مرايانا هذه، إذن، بنتا  بكرا للنّسبية، لكن مع التأكيد على أنّ التّاريخ… يكتُبه المنتصرون!

هوامش:

[1] مروة حسين، النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية، المجلد الثالث، دار الفرابي، الطبعة الثانية 2008.

[2] المرجع نفسه.

[3] نفسه

[4] نفسه

[5] الباحث ذوالفقار سويرجو، عن مقاله: دولة القرامطة، أول جمهورية اشتراكية في التاريخ 286هـ -378 هـ.

[6] مروة حسين، المرجع السابق.

[7] كاظم حبيب، عن مقاله: الحركة القرمطية.

[8] ذوالفقار سويرجو، دولة القرامطة ، أول جمهورية اشتراكية في التاريخ 286هـ -378 هـ.

مقالات قد تثير اهتمامك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *