×
×

الأزارقة: مؤسسو داعش في القرن الأول الهجري

كانت فرقة الأزارقة واحدة من أكثر الفرق تطرفا في التاريخ الإسلامي، إذ يمكن اعتبارها إطارا مرجعيا للحركات المتشددة المعاصرة.
في هذا المقال تسلط مرايانا الضوء على تاريخ هذه الفرقة وبعض من أبرز أفكارها

من منا لم يقشعر بدنه وهو يرى بشاعة جرائم داعش وجبهة النصرة وغيرها من الفرق المتطرفة؟ من منا لم يصبه الرعب من الشعارات التكفيرية للتيارات الدينية المسلحة؟ ومن منا لم يتساءل: هل كانت هذه الأحداث طفرة تاريخية، أم أن لها جذورا تاريخية؟

في هذا المقال، تسلط “مرايانا” الضوء على واحدة من أبرز الفرق المتطرفة، التي يمكن اعتبارها إطارا مرجعيا للفرق المتطرفة الحالية، وهي فرقة الأزارقة.

نافع بن الأزرق: من صاحب لعبد الله بن عباس إلى مؤسس لفرقة متطرفة

ترجع فرقة الأزارقة إلى مؤسسها نافع بن الأزرق الذي كان من أصحاب عبد الله بن عباس، وكانت قد جرت بينهما نقاشات دينية كثيرة –سنخصص لها ملفات قادمة-.

تمكنت فرقة الأزارقة من الامتداد واستولت على الأهواز وفارس وكرمان؛ فنهض إليه المهلب بن أبي صفرة، حتى قتله قرب الأهواز سنة 65هـ. أسندت، حينها، قيادة الأزارقة إلى عبيد الله بن الماحوز، ثم قطري بن الفجاءة.

ثار نافع على عثمان بن عفان وساند علياً بن أبي طالب، قبل أن ينقلب على علي بعد واقعة التحكيم بين علي ومعاوية بن أبي سفيان، وانضم إلى معارضي التحكيم في حروراء.

بعد أحداث الفتنة الكبرى ومقتل علي ثم الحسين، أعلن عبد الله بن الزبير عن تأسيس دولته في مكة، فناصره الخوارج وقاتلوا معه الحُصينَ بن نُمير السكوني قائد جيش الشام. لكن، سرعان ما دب الخلاف بين الخوارج وابن الزبير، بسبب الخلاف في الرأي حول عثمان بن عفان، إذ عندما سأل الخوارج ابن الزبير عن رأيه في عثمان وعلي، قال إنه عدو لأعدائهم، فكان أن انفضّوا عنه، لأنهم كانوا يكفرونه.

توجه جزء من الخوارج إلى البصرة، التي قاتلهم أهلها؛ فخرجوا منها وكان من بينهم نافع بن الأزرق الذي عرف بكاريزما خاصة، مكنته من استقطاب الآلاف من المؤيدين نساء ورجالا، حتى سموا بالأزارقة على اسمه.

تمكنت فرقة الأزارقة من الامتداد واستولت على الأهواز وفارس وكرمان؛ فنهض إليه المهلب بن أبي صفرة، حتى قتله قرب الأهواز سنة 65هـ. أسندت، حينها، قيادة الأزارقة إلى عبيد الله بن الماحوز، ثم قطري بن الفجاءة.

بداية النهاية

ظلت الحرب دائرة بين الأزارقة وبني أمية من جهة وابن الزبير من جهة أخرى، وذلك لمدة عشرين سنة تقريبا. كانت الحرب سجالا، فقد عرف الأزارقة بشدة بأسهم وقوتهم، ما عقد مهمة القضاء عليهم.

بعد أن تولى الحجاج ولاية العراق، أقر المهلب بن صفرة على حرب الأزارقة.

بقيت فرقة صغيرة من الأزارقة تحصنت بحصن في قصر قومس بقيادة عبيدة بن هلال، خرج إليهم سفيان بن الأبرد، وحاربهم مدة ثم طلب منهم الاستسلام فرفضوا، فقاتلهم حتى قضى عليهم.

سيغير المهلب من خطته وسيلجأ إلى محاولة التفريق بين الأزارقة من الداخل، ناهجا بذلك خطة دامت حوالي ثلاث سنوات، قامت على إشغالهم بعضهم ببعض حتى تسهل هزيمتهم. في سبيل ذلك، عمد إلى مجموعة من الحيل؛ من ذلك مثلا أنه جند رجلاً نصرانيا وأمره أن يسجد لقطري بن الفجاءة؛ فلما شاهده الخوارج أنكروا ذلك عليه، وقتلوا النصراني واتهموا زعيمهم بتأليه نفسه.

توالت الانشقاقات في صفوف الأزارقة (وهم، للتذكير، فرقة منشقة من الخوارج) وأخذوا يبيدون بعضهم، بينما المهلب ينتظر النتائج، ويستفرد بمن وجد منه ضعفا. عندما أكثر الحجاج عليه في الطلب أن يقوم لقتالهم، أرسل إليه المهلب قائلا: “إني لست أرى أن أقاتلهم ما دام يقتل بعضهم بعضاً، فأناهضهم حينئذٍ، وهم أهون ما كانوا وأضعفهم شوكة إن شاء الله تعالى”.

ستشكل سنة هـ78/697م التاريخ الرسمي للقضاء على الأزارقة، فبعدما تفرقوا وقتل بعضهم بعضا، نهض المهلب إلى الأزارقة الموجودين في كرمان بقيادة عبد ربه الكبير، وهزمهم وقتل عبد ربه الكبير وشتت شملهم، بينما وجه الحجاج بن يوسف الثقفي القائد سفيان بن الأبرد الكلبي لقتال قطري بن الفجاءة، فلحقه في شعب من شعاب طبرستان، فقاتله حتى قتله وفرق أصحابه، بينما أرسل يزيد بن المهلّب إلى عبد ربه الصغير، فتمكن منه ومن أصحابه.

بقيت فرقة صغيرة من الأزارقة تحصنت بحصن في قصر قومس بقيادة عبيدة بن هلال، خرج إليهم سفيان بن الأبرد، وحاربهم مدة ثم طلب منهم الاستسلام فرفضوا، فقاتلهم حتى قضى عليهم.

الجذور الأولى للتكفير والولاء والبراء

أثارت أفكار فرقة الأزارقة جدلا لم يتوقف منذ ظهور دعوتهم وإلى الآن، وقد جمعت بين التطرف في العبادات الدينية أو الأحكام.

قامت مرتكزات الأزارقة على الأسس التالية:

  • اعتبروا كل مخالفيهم من المسلمين مشركين، وكل من لم يهاجر معهم فهو مشرك وإن كان على رأيهم. كما اعتبروا بلاد المسلمين المخالفين دار كفر إلا من أظهر إيمانه، وأعلنوا “أنه لا يحل أكل ذبائحهم، ولا تناكحهم، ولا توارثهم… وهم ككفار العرب لا نقبل منهم إلا الإسلام أو السيف”.
  • أوجبوا امتحان من قصدهم بغرض الانضمام إليهم، وكان الامتحان بأن يدفع إليه أسير من مخالفيهم، ويأمروا الممتحن بقتله، فإن فعل صدقوه وانضم إليهم، وإن رفض قالوا: هذا منافق ومشرك، فقتلوه.
  • استباحوا قتل نساء وأطفال مخالفيهم ولو كانوا مسلمين، وزعموا أنهم مشركون مخلدون في النار، وقد ورد في المبرد أن أحدهم جاء إلى نافع بن الأزرق “فقال له: إن أطفال المشركين في النار، وإن من خالفنا مشرك، فدماء هؤلاء الأطفال لنا حلال. قال له نافع: كفرت وأدللت بنفسك. قال له: إن لم آتك بهذا من كتاب الله فاقتلني – {وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا، إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا} – فهذا أمر الكافرين وأمر أطفالهم: فشهد نافع أنهم جميعا في النار، ورأى قتلهم.
  • كفّروا علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان، وطلحة، والزبير، وعائشة زوجة الرسول، وعبد الله بن عباس ابن عم الرسول، واعتبروهم خالدين في النار جميعا، هم ومن والاهم من باقي المسلمين.
  • أسقطوا حد الرجم عن الزاني، وحد القذف عمن قذف المحصنين من الرجال؛ وتركوه على من قذف المحصنات من النساء.
  • رفضوا التقية واشترطوا المجاهرة بالخروج معهم وتأييدهم.
  • اعتبروا مرتكب الكبيرة كافرا كفر ملة، خرج به عن الإسلام، يخلد بها في النار.
  • اعتبروا كل من شارك في معركة صفين التي دارت رحاها بين علي ومعاوية كافرا مخلدا في النار.
  • استحلوا أموال مخالفيهم، وأنكروا الأمانة إليهم واعتبروهم غير ملزمين بتأدية الأمانة إليهم.
  • أقروا بضرورة وجود خليفة لقبوه بأمير المؤمنين، واشترطوا فيه الصلاح للدين سواء كان عربيا قرشيا أو غير ذلك.
  • أجازوا عزل الخليفة إذ لم يسر سيرة تتفق ومصالح المسلمين، وإذا رفض العزل حورب حتى يقتل.

فرقة بسمات مميزة

تميز الأزارقة بسمات أخرى ميزتهم عن باقي فرق الخوارج الأخرى، منها:

  • كانوا أشداء في الحرب، ولا يخافون الموت إذ يعتبرون بذل الحياة في سبيل الوصول إلى أهدافهم فعلا مقدسا.
  • كانت المرأة حاضرة بقوة في حركة الأزارقة، وقاتلت جنبا إلى جنب مع الرجل، فلمع اسم أم حكيم ضمن مقاتلي قطري بن الفجاءة.
  • تشددوا في العبادة وانهمكوا فيها.
  • زاوجوا بين الأدب والشعر والحرب.

نجح الأمويون في القضاء على فرقة الأزارقة، لكن أفكارهم ظلت ممتدة قرونا من الزمن، عاودت الظهور بصيغ مختلفة، وكأن ما نراه على شاشات التلفاز لا يعدو أن يكون مجرد بث مباشر من القرن الهجري الأول.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *