×
×

ما هي العَلمانية؟ وكيف ظهرت في التاريخ؟ 1\3

جاءت العَلمانية في الغرب الأوروبي كضرورة حتمية، وكعمل إجرائي لصدّ سيطرة الكنسية على الأوضاع العامة وتمزّق المجتمع وتنامي الحُروب الدّموية القاتلة باسم الدين، خلال القرنين السادس والسابع عشر. وكانت العَلمانية بذلك، جزء من عملية تطوّر تاريخية طويلة تعود إلى ما قبل الحَداثة…

تُرى ماذا أخبرُوك عن العَلمانية؟

أنّها ذاك “الشيطان” الغربيّ الذي جاء لتهميش الدين وإفساد أخلاق المُسلمين؟

قد تكونُ عَلمانياً “متطرّفاً” تجاه الدين، أو نكُوصياً وماضوياً متطرّفا تجاه العَلمانية… لكنّكما قد تشتركان في نقطة محورية؛ وهي أنّكما، ربّما، لم تفهما المعنى الحَقيقيّ للعَلمانية.

“لفظة “علمانية” مشتقّة من “عَالم” وليس من “عِلم”، والطّريقة الصحيحة للنّطق بها هي بفتح حرفي العين واللاّم”

أيديولوجياً، يرى بعض العَلمانيين في الوطن العربي أنّ الدّين “عبؤٌ” على السياسة والمجتمع والاقتصاد والفكر. لهذا، بدت تخوّفاتٌ من المفهوم ولقي معارضةً شرسةً؛ بلغت حدّ التكفير والرمي بالهرطقة والزندقة، إلخ من تهم وكلاء الدّين و”الإسلامويين” المدافعين عن المكانة المعيارية المتعالية للغيبي.

طيب. هل تعني العَلمانية فصل الدين عن الدولة؟ فقط؟

طبعاً، هذا أحد أسُس مفهوم “العَلمنة”. لكن… ليس ذاكَ كلّ ما تعنيه.

لا تعني العلمانية، أيضاً، إقصاء الدين أو تهميشه أو النيل منه، بقدر ما ترتقي به إلى نطاق خاص، بين الفرد والله، ولا ثالث بينهما.

في فَهم العَلمانية

الحقيقة أن الفهم السّائد للعَلمانية في الأوساط العربية، والتركيز على الشّق العقدي، جعل المواطنين العاديين ينظرون إلى المفهوم وكأنّه رفض مباشرٌ للدين، ومحاربة لكل الرؤى والتصورات المثالية التي تنبني على أساس ديني محض. تمّ تهميش النطاقات الأخرى التي جاءت العلمانية لحمايتها، كالفكر والمعرفة والفنّ…

العَلمانية نظام دستوري وفكري وقانوني، يقف على قدم المساواة بين كل الحساسيات الدّينية للجماهير الشّعبية داخل الدّولة، ويدفع الأخيرةَ إلى أن تعدل بين كل العقائد الدينية، مع ضمان حقهم في ممارسة شعائرهم جميعاً.

“دع ما لله لله، وما لقيصر لقيصر”… يبدو هذا التعبير، الذي عبّر عن العلمانية، اختزالاً للفكرة المحورية التي يقوم عليها المفهوم.

كما يتّضح، هنا، أن العلمانية تسعى، إجرائياً، إلى نزع صفة “الإطلاقية” و”التعالي” عن الخطاب الديني ووضعه كأي خطابٍ آخر قابل للأخذ والرّد والتّفكيك.

حدث غموضٌ أيضاً في اشتقاق لفظة “علمانية”. فلقد شاع لفترة طويلةٍ، “وما زال شائعاً بين عدد كبير من مثقّفينا، أنّ الإسم الذي اشتهرت به العلمانية ينبغي أن يلفظَ بكسر حرف العين، مما أوحى بنسبتها إلى العلم. إنّ هذا خطأ ينبغي تصحيحه، إذ إنّ لفظة “علمانية” مشتقّة من “عَالم” وليس من “عِلم”، والطّريقة الصحيحة للنّطق بها هي بفتح حرفي العين واللاّم.” [1]

العَلمانية، بهذا المعنى، معنيةٌ بدور الإنسان في العالم وبتأكيد استقلالية العقل الإنساني في سيرورة توظيف الإنسان للعقل في أيّ من المجالات التي يوظّفه فيها.

الأهمّ من كل هذا، أنّها معنية بجعل دور الإنسان في العالم مشتملاً على اكتشافه، باستقلال عن الدين.

في الإنجليزية تقابل العَلمانية لفظة Secularism، والفرنسية Laïcité، وهذه الأخيرة تشتقّ من أصل يونانيّ، ويعني شعب أو عامّة. والمقصود به كلّ ما لا ينتمي إلى الدّين، كما يرى عزمي بشارة في كتاب الدين والعلمانية. ولعله الرأي نفسه الذي جعل مفكرين عرب، من طينة عبد الإله بلقزيز يعتبرون أن “النّموذج الفرنسي متطرّف تجاه الدّين في تطبيقه للعلمانية”.

تحيلُ هذه الفِكرة على السّمة المُتحوّلة التي شهدها مفهوم العلمانية، منذ بلورته فلسفياً إلى تطبيقه في الغرب، وذلك على اعتبار تبدّل السياقات في الواقع وأنماط الحياة لدى الشّعوب، في مقابل الدّيني الثّابت والجامد.

مخاضُ العَلمانية فلسفياً!

جاءت العَلمانية في الغرب الأوروبي كضرورة حتمية، وكعمل إجرائي لصدّ سيطرة الكنسية على الأوضاع العامة وتمزّق المجتمع وتنامي الحُروب الدّموية القاتلة باسم الدين، خلال القرنين السادس والسابع عشر. وكانت العَلمانية بذلك، جزء من عملية تطوّر تاريخية طويلة تعود إلى ما قبل الحَداثة.

الدولة العلمانية أو الدولة المحايدة، لا ترنو إلى تلقين الناس كيفية ممارسة الدين، ولا تبتغي بالضرورة ضمان دخول المواطنين إلى الجنة، بيد أنّها في نفس الوقت، تضمنُ للأفراد حقّهم في الاعتقاد وفي أن يتعلّموا أديانهم، كما توفّر لهم مناخا مغموراً بالحرية للبحث عن “جنّاتهم”، كل حسب دينه ومذهبه.

تمخضت العلمانية كفكرة ضمن فلسفة الأنوار، واكتسبت سمات أخرى داخل السّياق التاريخي، الذي نشأت فيه، أي في سياق مواجهتها للدولة الثيوقراطية، الحاكمة باسم الإله، إذ كانت آنذاك طبيعة الدولة الثيوقراطية في الغرب المسيحي، تشهدُ هيمنة مطلقةً لطبقة رجال الدين على شؤون الدين والدنيا على حد سواء حملت في تلافيفها بذور التحجّر والجمود على مختلف الصّعد. [2]

كما لعبَ غياب روح التّسامح والانفتاح العقلي، في ظل سيطرة طبقة الإكليروس، دوراً حاسماً في دعوة الغرب للعلمانية.

باختصار، إن المشكلة الأساسية تكمنُ في طبيعة الدولة الثيوقراطية، والعلمانية التي جاءت بمختلف سماتها الأساسية استجابةً للأوضاع التي ولدتها طبيعة هذه الدّولة في الغرب المسيحي، في ظل ظروف تاريخية معينة.  [3]

شهد مفهوم العلمانية تحوّلا بفعل التطوّر الذي لازم التفكير الغربي.

عملياً، كانت البداية مع مفهوم الحداثة، الذي أزال مفهوم الإله عن الإنسان، و”ألّه” الإنسان والعقل. بعد ذلك، طفا إلى سطح التفكير الغربي مفهوم البنيوية التي قالت بموت الإنسان. ثمّ بلغ الفكر الغربي مرحلة التفكيكية التي تناسلت منها مفاهيم من قبيل ما بعد الحداثة وما بعد العَلمانية. هذا الأخير الذي تزعّمه الفيلسوف هابرماس… بينما الفكر العربيّ لم يبرح مكانه، ولازال لم يبلغ مرحلة الحداثة… حتى!

تنتصبُ العَلمانية على أسس العقل الواقعي المحدود في الزّمان والمكان، ما جعلها متحوّلة ومختلفة في التطبيق في الغرب… بينما المسلمون عندنا، ظلوا أوفياء لمسلّمة أن الإسلام صالح لكلّ زمان ومكان. هكذا، شُيطِنت الحداثة والعلمانية والعقلانية والفردانية والحرية… بل وكلّ ما يدور في فلك الإنسانية بمعناه المتحرّر!

العَلمانية: الدولة الحيادية

يقول المفكّر الفرنسي مارسيل غوشيه: “نحنُ الآن بصدد تعلم سياسة الإنسان من دون السماء، وليس مع السماء، وليس مكانَ السّماء، وليس ضدّ السماء”.

بحسب الباحث المغربي عبد الرحيم العلام، فإنّ الدولة العلمانية أو الدولة المحايدة، لا ترنو إلى تلقين الناس كيفية ممارسة الدين، ولا تبتغي بالضرورة ضمان دخول المواطنين إلى الجنة، بيد أنّها في نفس الوقت، تضمنُ للأفراد حقّهم في الاعتقاد وفي أن يتعلّموا أديانهم، كما توفّر لهم مناخا مغموراً بالحرية للبحث عن “جنّاتهم”، كل حسب دينه ومذهبه.

إنها إذن دولة محايدة، لا يمكن أن “تكون مستقلّة إلا إذا كان المعبد مستقلاً، حيثُ لا مجال لقوّة الدين من دون قوة الدولة، حيثُ يتمايز فيها “أهل” الدين عن أهل السياسة، ولا يتمّ الخلط فيها بين ما هو سياسي وما هو ديني”.

جاءت العَلمانية في الغرب الأوروبي كضرورة حتمية، وكعمل إجرائي لصدّ سيطرة الكنسية على الأوضاع العامة وتمزّق المجتمع وتنامي الحُروب الدّموية القاتلة باسم الدين، خلال القرنين السادس والسابع عشر.

من الأمور الحاسمة التي ينبغي رفع اللّبس عنها، أن العلمانية لا تسعى إلى فصل المجتمع عن هوياته، أو تحول بين المرء وثقافته وعاداته، ما لم تحمل في طياتها أضرارا ضد المجتمع أو الذات، كالتقاليد التي تؤدّي إلى قتل البنات باسم جناية الشّرف، أو حرمانهن من التعليم، أو تعريضهن إلى صنوفٍ من التّمييز، أو إجبارهن على مهن تمسّ كرامتهنّ، أو تزويجهنّ بالغَصب… يُفصّل العلام في أحد حواراته مع مجلّة ذوات، عدد 49، لسنة 2018.

العلام يضيفُ أنّ حياد الدّولة لا يلزمها بمنع وجود المذاهب والطّوائف الدّينية أو الفلسفات الحياتية، وإنّما يُجبرها على التّدخل بكُل قوّة وعنف وعدل ضد كل احتراب طائفي أو عرقي أو أيديولوجي.

تكون العَلمانية، إذن، نظاماً دستورياً وفكرياً وقانونياً، يقف على قدم المساواة بين كل الحساسيات الدّينية للجماهير الشّعبية داخل الدّولة، ويدفع الأخيرةَ إلى أن تعدل بين كل العقائد الدينية، مع ضمان حقهم في ممارسة شعائرهم جميعاً.

لكن، لماذا تمّ رفضها في البلدان العربية… حتى غدت العَلمانية رديفاً للكفر؟

الإجابة في الجزء الثّاني من هذا الملف. 

الهوامش:

[1]   عادل ظاهر، الأسس الفلسفية للعلمانية، دار الساقي، الطبعة الثانية 1998.

[2] المرجع نفسه.

[3] نفسه.

مقالات قد تثير اهتمامك:

تعليقات

  1. سلام

    مزين

  2. Sofymon

    اريد ان اقول ان الموضوع كان جميل جدا وشكرا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *