×
×

العَلمانية في المغرب… الأرضية “خصبة”، ولكن الرهانات شتّى! 3\3

من الأشياء الخطيرة، التي يطالبُ العلمانيون المغاربة ببترها جذرياً، هي بعض فصول القانون الجنائي، التي يعتبرونها “رجعيةً”. سيما الفصل 490، الذي يجرّم العلاقات الرضائية خارج إطار الزّواج، ويعتبرها فساداً، والفصل 222 الذي يعاقب بالسجن كل من “عرف بانتمائه للإسلام” وأفطر علنا خلال شهر رمضان، وغيرها من الفصول المجحفة في حق حريات الأفراد.

في الجزأين الأول والثاني من هذا الملف، تطرّقنا إلى ظهور مفهوم العلمانية في التاريخ، كمسألة حتمية في أوروبا، وكذلك إلى أسباب رفض هذا المفهوم عربياً، والمغالطات التي ترسخت عنه في أذهان الناس.

في هذا الجزء، نرى هل المغرب بلد علماني كما يزعم البعض، معتبرين أن قوانينه وضعية، أم أنّ المغرب نموذج علماني… لم يكتمل!

المغرب ككلّ البلدان العربية؛ لازال يحكمهُ السّلف من تحت سبع أراضين في قبورهم. وبذلك يكون منطقياً أن نجد من لازال يطالبُ بعلمنة الدّولة.

يرفضُ الكثيرون اعتبار المغرب دولة دينية. لكن، يصعب رفض كون النّظام السياسي المغربي أساسه دينيّ وبمركزية مؤسسة إمارة المؤمنين فيه. 

في دُستور المملكة المغربية، نجد أن “الإسلام دين الدّولة”، كما تدَرّس مادة التربية الإسلامية في المدارس منذ الابتدائي حتى الثانوي التأهيلي.

تشكو الأقليات الدينية والجنسية من تهميشها من النّقاش العمومي، وتكبيلها بقوانين تعتبرها “قروسطية”، تجهض، في العمق، التطورات والإنجازات “الشكلية”، التي حقّقها المغرب، مادام جوهر الإنسان المغربي يُعاني مع جلده… وما دام الرأسمال البشري خارج هذه الإنجازات!

المخزن والإسلام السياسي، لا يريدان أن تقوم العلمانية بدورها في تخليص المجتمع من وصاية السلطة على الضمائر، وكذلك من غلبة الفكر الخرافي والأساطير السياسية وغيرها…

يجدر التّأكيد أنّ العَلمانية لا ترقى إلى درجة أن تكون عقيدة، بيد أنها أسلوبٌ في الحكم وكيفية لإدارة الشأن العام وتدبير المجتمع في ظل التعددية والعيش المُشترك. ظهرت في التّاريخ وأعطت نتائجها.

يمكن حسم هذا “الجدل” بقول إنّ العلمانية ليسَت إلا حماية المحكوم من بطش الحاكم باسم الله.

هل المغرب… بلدٌ علمانيّ؟

تطرحُ مرايانا هذا السؤال على عبد الكبير بنخطاب، أستاذ العلوم السياسية بجامعة محمد الخامس.

يجيبُ بنخطاب أن النّموذج المغربي يبرزُ كون البلد علمانيا، لكنها علمانية غير مكتملة، حتى لو أنّ الدّستور يوحي من النّاحية الشّكلية بأن المملكة المغربية دولة دينية، على اعتبار أن الإسلام دين الدّولة والملك هو أمير المؤمنين!

لو عدنا إلى المنظومة القانونية المغربية، سواء القانون الجنائي أو قانون الأعمال أو قانون التّجارة، فكلّها تُعبّر عن التوجه العلماني للدّولة. ويظهرُ لنا أنّ هذه الترسانات علمانية، بل دنيوية ووضعية، من صنع البشر ولا تستمدّ شرعيتها من السّماء، يقولُ المتحدّث.

تصاعدت الحركات الإسلامية في المغرب، وازدادت التخوّفات من العلمانية داخل المجتمع المغربي، سيما مع تنامي ظاهرة الشّعبوية بشكل فاضح، وصبّ المزيد من الزّيت على نار شَيطنة “العلمنة”.

يضيف بنخطاب بأنّه في الدستور، الذي يُعتبر التشريع الأسمى للأمّة، وباستثناء ما يختصّ به أمير المؤمنين في الحقل الدّيني، يتضح أن الأساس الدستوري وضعي وليس إلهي.

يبقى “قانون الأحوال الشّخصية، هو الوحيد الذي يستمدّ مبادئه من الدّين، لكون مدوّنة الأسرة شأنا دينيّا وكذلك المواريث، فتحتكم إلى الشّرع عملياً”.

لا ينكرُ أستاذ العلوم السياسية أن حياد الدّولة صعبٌ في المغرب، لأن الملك هو أمير المؤمنين ودين الدولة هو الإسلام. لذلك، تبقى العلاقة مع الديانات الأخرى داخل الدولة، تحتكم إلى تعاليم الإسلام، وذلك لكون الأخير له الأولوية ومنصوصٌ على ذلك دستورياً.

هناك حرية المعتقد، لكن في حدود ما يقبله الدين الإسلامي! بمعنى أنّ الشعائر الدينية الأخرى لا ينبغي أن تتعارض مع المرجعية الدينية الإسلامية، “الوصية” على الجانب العقدي للأفراد وتنظرُ في المعتقدات الأخرى وطريقة ممارستها.

يبدو هنا أن المغرب أرضية خصبة لإقرار علمانية كاملة، تفصل الديني عن السياسي بشكل صارم، بيد أنها تحتاج إلى إرادة فذة وإلى ديمقراطية حقيقية.

الحقوقي عبد الحميد أمين، يعتبر في أحد تصريحاته الصحافية أنّه، “في المغرب حاليًا، نظرًا إلى أن دين الدولة دستوريًا هو الإسلام ونظرًا إلى سيادة المذهب السني المالكي، لا يحق للشخص الذي يولد في عائلة مسلمة أن يعتنق ديانة أخرى أو حتى مذهبًا إسلاميًا آخر. بل إن الإقرار بإسلامية الدولة يفرض تطبيق الشريعة في عدد من المجالات، كالأحوال الشخصية، ما يضع قيودًا على حرية المرأة وحقوقها المتعارف عليها كونيًا، ويعرقل إقرار المساواة بين الرجل والمرأة.”

ببساطة، لو كان المغرب علمانياً، لما كان المسلمون، في بعض المناطق بالمملكة، يدعون على غير المسلمين كلّ خطبة جمعة، بقولهم: “اللهم انصر الإسلام والمسلمين، وأذلّ الشرك والمشركين!”

مغربٌ ضدّ العَلمانية

تصاعدت الحركات الإسلامية في المغرب، وازدادت التخوّفات من العلمانية داخل المجتمع المغربي، سيما مع تنامي ظاهرة الشّعبوية بشكل فاضح، وصبّ المزيد من الزّيت على نار شَيطنة “العلمنة”.

استمرّ الإسلام السياسي في عملية تشويه العلمانية، وأطلق مفاهيم أخلاقية تُسرف في محاكمة الفن وتمنع أفلاماً من العرض، ومعارض تشكيلية… إلخ من الأمور التي يحميها جوهر العلمانية، في ظِل الحق في التفكير والإبداع.

العلمانية لا ترقى إلى درجة أن تكون عقيدة، بيد أنها أسلوبٌ في الحكم وكيفية لإدارة الشأن العام وتدبير المجتمع في ظل التعددية والعيش المُشترك. ظهرت في التّاريخ وأعطت نتائجها.

من ناحية أخرى، يذهبُ بعض الحقوقيين إلى وجهة نظر مؤدّاها، أنّ “الفيتو” الذي يُرفع دائما ضد حقوق النساء في المغرب، وهن نصف المجتمع، هو فيتو الشريعة واستعمال الدّين في الدولة ومدونة الأحوال الشخصية. والعلمانية هي الوعاء العملي لإسقاط هذا “الفيتو”، وإفراغه من جدواه، لتحقيق المساواة بين الجنسين.

أيضاً، فإن من الأشياء الخطيرة، التي يطالبُ العلمانيون المغاربة ببترها جذرياً، هي بعض فصول القانون الجنائي، التي يعتبرونها “رجعيةً”. سيما الفصل 490، الذي يجرّم العلاقات الرضائية خارج إطار الزّواج، ويعتبرها فساداً. وكذلك الفصل 222 الذي يعاقب بالسجن كل من “عرف بانتمائه للإسلام” وأفطر علنا خلال شهر رمضان، وغيرها من الفصول المجحفة في حق حريات الأفراد.

كما يذهب البعض إلى أن المخزن والإسلام السياسي، لا يريدان أن تقوم العلمانية بدورها في تخليص المجتمع من وصاية السلطة على الضمائر. وكذلك من غلبة الفكر الخرافي والأساطير السياسية وغيرها…

أكثر من ذلك، تنتاب البعض حالة سعار، نتيجة تنامي خطاب التخوين والتكفير والإقصاء ونبذ الاختلاف، وتشديد الخناق على حرية الرأي والتعبير. ما جعل من الصّعب أن تجد شخصاً يدافع عن العلمانية وسط الجمهور، لأن أعداء العلمانية نجحوا في تصويرها بأنها رديف “للكفر” و”الضلالة” و”الإلحاد”. فاستلهم جزء ضخم من الشعب المغربي هذا التعريف السّطحي والمُؤدلج والمضلّل…

بنخطاب: حياد الدّولة صعبٌ في المغرب، لأن الملك هو أمير المؤمنين ودين الدولة هو الإسلام. لذلك، تبقى العلاقة مع الديانات الأخرى داخل الدولة، تحتكم إلى تعاليم الإسلام، وذلك لكون الأخير له الأولوية ومنصوصٌ على ذلك دستورياً.

تُدرّس التربية الإسلامية في المغرب لوحدها، على حساب الديانة اليهودية والمسيحية. لذلك، يتمّ خلق أجيال أحادية فكرياً ودينياً، وظلت دعوة العلمانيين إلى اليوم قائمة بإلزامية تعويضها بالتربية الدينية لإبراز تعدد الروافد الدينية في المغرب والتربية على التسامح.

تنامي الأمية بدورها في البلد، يجعل الكثيرين يعتقدون أنّ ثمة صعوبة في إقرار العَلمانية، نظراً لانعدام التأهيل الفكري المرافق لذلك… فالإنسان ينبغي أن يحترم الإنسان فقط لأنّه إنسان، بغضّ النظر عن دينه وعرقه ولونه وأفكاره وميوله الجنسية، وهذا رهان من نوع آخر مطروح في المغرب!

ولكن…

في النهاية، يتضح أن العلمانية لا تعني الإلحاد، ولا إقصاء الدين أو تهميشه. على العكس من ذلك، فهي تدافع عنه وتعترف “بقداسته” في نطاق شخصي وحميمي للأفراد.

نموذج المغرب قد تكتملُ علمنته، حينما تتوقّف “الدولة” عن إشهار ورقة العلمانية ضد الإسلامويين، ورفع شعار الدين تجاه العلمانيين… أي حين يتوقّف النّظام السياسي عن احتكار الديني والدنيوي!

مقالات قد تثير اهتمامك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *