×
×

محمد سعيد السعدي…السياسيّ الذي حمل حقوق النساء إلى مصاف الأولويات في المغرب

كان يُرافع من أجل المساواة في وقت لم يكن “النقاش العام” فيه ينظر إليها كأولوية…

محمد سعيد السعدي

ربما… لم يكن الكثيرون يعرفون محمد سعيد السعدي قبل أن يحمل لواء ما عرف بـ”القضية النسوية” في حكومة التناوب التوافقي…

جاء يحمل على ظهره تجربة سياسية طويلة، مُتشبّعةً بقيم اليسار، وكان ما قدّمه، على قِصر اللحظة، فارقا في تاريخ القضية بالمملكة!

رأى السعدي النور في كنف أسرة تقطن درب السلطان بالدار البيضاء… كان أبوه فقيها، لا بالمعنى الذي أخذه مع الإسلامويين، وكانت أخواته على دُربةٍ بالحياة السياسية أيام كان المُعترك في حكر الرجال…

اقرأ أيضا: علي اليوسفي: قضية المرأة كأفق لحرية التعبير

… في كنف هذه الأسرة، وذلك الحي الشعبي، نشأ السعدي وتشبّع على مدار السنين بقيّم وأفكار اليسار الذي كان بعدُ يساراً…

أفكارٌ وجد صداها ذات يوم في حزب التقدم والاشتراكية، فانضم إليه سبعينيات القرن الماضي… ولا اشتراكية، بالنسبة للسعدي، دون مساواة بين الجنسين.

الذي جاءت به حكومة التناوب كسابقة، يُوضّح السعدي، أنها التزمت بضرورة إنصاف المرأة ورفع الحيف عنها، خاصة فيما يتعلق بالتشريعات غير المنصفة، بما فيها مدونة الأحوال الشخصية.

كان يُرافع من أجل المساواة في وقت لم يكن “النقاش العام” فيه ينظر إليها كأولوية… وسنوات التسعينات، عاش المغرب على مفارقة أرّقت الرجلَ… فبينما ادّعت الدولة خطابا عن حقوق الإنسان، كان السعدي يرى أن المرأة محرومة من أدنى الحقوق.

اقرأ أيضا: فاطمة المرنيسي… أجنحة “واقع المرأة” الذي حلقت به إلى الحلم! 2/1

ثم… وبينما كان يستعد ذات يوم عام 1998 للسفر إلى الولايات المتحدة للتدريس كأستاذ زائر في إحدى الجامعات هناك، رنّ نداء الوطن… وصار المجتمعُ الذي يتأمّله، حلماً جميلا قيد التحقّق.

… فالسعدي، أياما بعد ذاك، عُيّن كاتبا للدولة لدى وزير التنمية الاجتماعية والتضامن والتشغيل والتكوين المهني، مُكلّفاً بالأسرة والطفل.

خطة مثيرة للجدل…

حين قُدّر لحكومة التناوب أن ترى النور أخيراً عام 1998 بقيادة عبد الرحمن اليوسفي، توسّمت الحركة النسائية مغرباً جديداً يُحقق ما كانت تتطلع إليه من حقوق على مدى عقود مضت…

أعلنت الحكومةُ، بعدها، مشروعاً يحمل اسم “خطة إدماج المرأة في التنمية”، وضعته كتابة الدولة المُكلّفة في شخص السعدي.

تضمّنت هذه الخطة، التي موّلها البنك الدولي، نحو مائتي إجراء للنهوض بأوضاع النساء في مجالات شتى…

كان واضحا أن الرّجل قد لمس مكمن العطب مباشرة… فتحمّل “الوِزر” حين أذعنت الحكومة وسحبت الخطة، ودفع ثمنا لذلك تنحيّتَه عن المنصب…

يقول الباحث المغربي سعيد ناشيد[1] إن الخطة لم تستجب لكل المطالب النسائية، إلا أن أغلب التنظيمات يومها اعتبرتها خطوة إيجابية في انتظار خطوات أخرى.

مع ذلك… أحدثت الخطة رجّة في المجتمع، ذلك أنّها طرحت ما عُرِف بالقضية النسوية على نحو مغاير، بعدما كانت من قبل لا تعدو أن تكون “اهتماماً بالنساء”، يقول السعدي في أحد حواراته.

الذي جاءت به حكومة التناوب كسابقة، يُوضّح السعدي، أنها التزمت بضرورة إنصاف المرأة ورفع الحيف عنها، خاصة فيما يتعلق بالتشريعات غير المنصفة، بما فيها مدونة الأحوال الشخصية.

اقرأ أيضا: التمييز بين الجنسين… فروق شاسعة يحاول القانون حظرها بينما يكرسها المجتمع! 2/1

لكنْ… بينما عدّ اليساريون خطّة السعدي مقاربة شمولية للنهوض بأوضاع النساء، اعتبرها الإسلامويون محاولة للابتعاد عن أحكام الشرع.

حتى إن بسيمة الحقاوي، مثلا، النائبة يومها عن حزب العدالة والتنمية قبل أن تُصبح بعد سنوات وزيرة في حكومة بنكيران، قالت في حوار لصحيفة “الشرق الأوسط”:

“من يخالف أحكام الله فإنه يعلن حربا على الله، ومن يعلن حربا على الله فإننا له بالمرصاد… لن نقبل أبدا أن يُشرَك بالله حينما يقال إن الغرب يمكن أن يشرع أفضل من الله، حينما يقال إن المواثيق الدولية أفضل من الأحكام الشرعية”.

لم يستسغ الرجل الذي شبّ في كنف اليساريين أن يشيب في كنف اليمينيين… أن “ينحو الحزب إلى الأحزاب اليمينية من خلال تحالفات غير طبيعية”.

أثارت الخطة جدلا سُرعان ما بلغ حدّ الاحتقان حين خرجت مظاهرتان عارمتان في الـ12 من مارس 2000… إحداها “مع” والأخرى “ضد”!

السعدي كشف بعد سنوات في إحدى الندوات، أن وزيرا من “حزب إداري”، جاءه يوما آنذاك، يقول: “آش هاد الزوبعة اللي نوضتي لينا”.

كان واضحا أن الرّجل قد لمس مكمن العطب مباشرة… فتحمّل “الوِزر” حين أذعنت الحكومة وسحبت الخطة، ودفع ثمنا لذلك تنحيّتَه عن المنصب…

اقرأ أيضا: المرأة والفقه: وكانت الغلبة… للفقهاء! 3\3

قيل آنذاك إن الدولة تتوجه إلى تقليل الحقائب الحكومية… لكن الإسلامويين وجدوا في خروجه انتصارا لهم!

ذهب السعدي ورَدّ بصاعين حين جعل قضية المرأة أولوية، حد فوزها بكثير من الإنجازات بعده… ولا يزال هناك، بحسبه، الكثير مما يتعين الفوز به!

وَفيّ القَناعات…

المسار الذي خاضَه السعدي مناضلا في التقدم والاشتراكية كان ليأخذه إلى دفة قيادة الحزب في مؤتمره الوطني التاسع…

لولا أن الحزب قد زاغ عن مبادئه اليسارية التي عهدت عليه أيام المؤسس علي يعتة، يقول السعدي.

لم يستسغ الرجل الذي شبّ في كنف اليساريين أن يشيب في كنف اليمينيين… أن “ينحو الحزب إلى الأحزاب اليمينية من خلال تحالفات غير طبيعية”.

رأى السعدي النور في كنف أسرة تقطن درب السلطان بالدار البيضاء… كان أبوه فقيها، لا بالمعنى الذي أخذه مع الإسلامويين، وكانت أخواته على دُربةٍ بالحياة السياسية أيام كان المُعترك في حكر الرجال…

منذ عام 2010، صار يلحظ وجود تكتلات غير معهودة في الحزب… أنّه ألحق أعيانا وكائنات انتخابوية باتت تشكل الأغلبية الساحقة…

ولم يكفِ القيادة أن ناهضت حركة 20 فبراير الشعبية، حتى دخلت تجربة حكومية “فاشلة” مع اليمين الديني (العدالة والتنمية) واليمين التقليدي (الحركة الشعبية والتجمع الوطني للأحرار).

اقرأ أيضا: هشام روزاق يكتب: الديبخشي: حين يجوع الثعبان… يأكل نفسه !

انحراف الحزب وتشوه مبادئه، يقول السعدي، وصل إلى حد لم يعد ينفع معه أي علاج… بعدما صار يهوى البقاء في الحكومات، دون تقييم ولا حصيلة… تلك، بحسبه، هي النهاية البئيسة لتحالف ضد الطبيعة.

ثم ذات يوم من بدايات صيف 2014، قرّر السعدي وضع حد لمغامرته في الحزب…

ترجّل عن السياسة، ولم يترجّل عن الحلم… عن النضال من أجل مغرب يسع بالحقوق الجنسين معا.


[1]  عن مقاله “الحركة النسائية المغربية: المآل والآمال”.
تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *