×
×

المرأة والفقه: وكانت الغلبة… للفقهاء! 3\3

كان انتقاد المرأة في الواقع والسعي لمحاصرتها، انتقادا بشكل غير مباشر للسلطة السياسية القائمة وللدور المتعاظم للنساء. في هذا السياق، يمكن أن نفهم رفض إمامة المرأة وغيرها من الأحكام المتشددة.
لا غرابة إذن أن نجد أن الشافعي، وهو واضع أصول الفقه الإسلامي، يقول في أحد مصنفاته “ثلاثة إن اكرمتهم أهانوك وإن أهنتهم أكرموك: المرأة والخادم والنبطي”.

يوسف المساتي:
طالب باحث في علوم الآثار والتراث

كان المناخ العام خلال الفترة العباسية متميزا بنوع من تحرر المرأة من الأغلال التقليدية وخروجها إلى الحياة العامة، ومنافستها للرجل في العديد من الأدوار، ومنها الحديث والتفسير، حيث روي عن العديد من الجواري والقهرمانات علمهن بالتفسير والقرآن والحديث كالخيزران أم الرشيد.

هذا الوضع لم يكن مستساغا من طرف رجال الدين، وأزعج بشكل كبير رجال الفقه التقليديين، فانبروا إلى محاولة محاصرة المرأة وتقييدها داخل مجالات محددة، مستعينين في ذلك بنصوص دينية وتراثية من آيات وأحاديث. وكان النقد المنهجي والتحقيق والتدقيق يتلاشى كلما تعلق الأمر بنصوص مرتبطة بالمرأة، ويتم السماح بتجاوز القواعد التي سطرها الفقهاء أنفسهم، مقابل صرامة ملحوظة في التعامل مع أي نصوص يمكن أن تشكل هامشا ومنفذا للمرأة.

كان انتقاد المرأة في الواقع والسعي لمحاصرتها، انتقادا بشكل غير مباشر للسلطة السياسية القائمة وللدور المتعاظم للنساء. في هذا السياق، يمكن أن نفهم رفض إمامة المرأة وغيرها من الأحكام المتشددة. لا غرابة إذن أن نجد أن الشافعي، وهو واضع أصول الفقه الإسلامي، يقول في أحد مصنفاته “ثلاثة إن اكرمتهم أهانوك وإن أهنتهم أكرموك: المرأة والخادم والنبطي”.

اقرأ أيضا: علي اليوسفي: الحجاب والإسلام – 1\3

عند تأمل هذه المقولة، نجدها في الواقع لا تعدو أن تكون رد فعل على الوضع السياسي العام، والمتميز بسيطرة النساء، والموالي والفرس والترك، على تدبير شؤون الدولة. لا غرابة أيضا أن نجد “أبا حامد الغزالي“، صاحب “إحياء علوم الدين”، وهو الذي وصفه الكثيرون بأنه عالم مجدد، يقول عن المرأة “كيدهن عظيم وشرهن فاش والغالب عليهن سوء الخلق وركاكة العقل”.

وإذا ما نحن تأملنا كتب التراث التي تصور لنا الحياة الاجتماعية، خاصة كتب الأدب والنوادر وغيرها، وقارنّاه بكتب الفقه والتفسير، أمكننا أن نفهم سبب التحامل الفقهي على المرأة ومحاولة محاصرتها، وجاز لنا القول إن رجال الفقه التقليديين كانوا يستشعرون الخطر من مزاحمة المرأة لهم في الحياة العامة ويضيقون بسلطتها الرمزية.

للتدليل على ذلك، يكفي أن نورد هنا قصة تراثية معبرة أوردها ابن إياس في كتابه “بدائع الزهور في وقائع الدهور”، حيث ذكر قصة وزير كان يمنع سلطانه من الدخول على نسائه، فاتفقت نساء السلطان على إرسال جارية بديعة الحسن للوزير. فلما رآها، لم يصبر عليها وأخذ يراودها عن نفسها، فاشترطت عليه ألا تمكنه منها حتى تسرجه وتركبه كالحمار، فوافق الوزير وأرسلت الجارية لنساء السلطان فدخلن عليه رفقة السلطان، وعندما لام هذا الأخير وزيره الذي كان يمنعه عن نسائه قال له: “إنما منعتك عنهن حتى لا يركبنك كالحمار”.

لن ندخل هنا في تفكيك الدلالات الثاوية خلف القصة وقراءة رموزها بقدر ما نحيل على دلالة الركوب والحمار، في علاقتها بالمرأة والسلطة وما يحيل على السلطة المعنوية للمرأة، وذلك الخوف اللاواعي ربما من هيمنتها.

بالتالي… فإن هذا ما يجعلنا نجنح إلى القول بأن الفقه، وبالأخص علم التفسير أثناء عملية استعادة البنى ما قبل الإسلامية، كان مسكونا بهاجس محاصرة المرأة، ودفعها إلى التقهقر في بنى تقليدية خوفا من منافسة الرجل، وضبطا لمساحات تحركها، وتحكما في سلطتها المعنوية التي قد تقودها لاقتسام السلطة المادية،وهو ما حدث بشكل جلي خلال العصر العباسي.

اقرأ أيضا: حسين الوادعي: كراهية النساء.. ذلك الاضطراب النفسي المجهول!

من هنا، يمكن القول إن الفقه الاسلامي وعلم التفسير بالخصوص، قام على أسس هي نقيض ما حاول النص القرآني ترسيخه. طرد الإسلام البنى السابقة من الباب ليستعيدها الفقه، وخاصة علم التفسير، ليس من النافذة كما يقال، ولكن من باب أكبر وأشد. بذلك، أغلق التفسير كل المنافذ التي فتحها النص القرآني، بحكم البيئة الجغرافية التي نشأ فيها، لصالح تسييد ثقافة ذكورية، كانت محكومة بالصراعات السياسية الايديولوجية وصراعات السلط بين الرجل والمرأة على ضوء التجربة التاريخية والحضارية للمجتمعات الإسلامية.

هذه التجربة التاريخية والحضارية، تم استدماجها داخل التراث المقدس، ليتم استنساخها بعد ذلك على مدار التاريخ الإسلامي كجزء من المقدس الديني؛ ولتصبح اللغة العربية والأحكام الفقهية بعيدة عن الواقع المعاش، لكنهما تنقلان وتترجمان للمسلمين اليوم عالما بعيدا عن عالمهم وواقعا بعيدا عن واقعهم.

كانت هذه إذن جذور العلاقة الملتبسة بين المرأة والفقه والتي تستوجب فتح نقاش عميق فيها، وإعادة قراءة الفقه الإسلامي على ضوء التجربة التاريخية والحضارية للمجتمعات الإسلامية، وتفكيك عناصر المقدس، عبر الكشف عن الثابت والمتحول، وإعادة قراءة التاريخ الديني بمعزل عن القداسة التي تمت صناعتها في مراحل تاريخية معينة خدمة لأهداف إيديولوجية وضمانا لسيادة تشكيلات اجتماعية معينة.

 

لقراءة الجزء الأول: المرأة والفقه: القرآن ولغة الأعراب. أصل الحكاية… 1\3

لقراءة الجزء الثاني: المرأة والفقه: بين الشعر الجاهلي، الإسرائيليات والجواري 2\3

 

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *