مُلصقات طنجة “المتطرّفة”… “دواعشٌ” مع وقف التّنفيذ! 1 - Marayana - مرايانا
×
×

مُلصقات طنجة “المتطرّفة”… “دواعشٌ” مع وقف التّنفيذ! 1\2

هؤلاء… شئنا أم أبينا، هم “دواعش” في نمط تفكيرهم وتمثّلهم للآخر المُختلف فكراً وممارسةً. لذلك على الدّولة ألا تنظر إلى هذا السلوك باستهتار، وأن تستأصل الفكر “الداعشيّ” من جذوره في التّعليم… إن وُجدَ!

لا غرو أن يتمّ تشبيه الفكر المتطرّف بمرض عضال قد يصيبُ جسمَ أي مجتمع… في مقتل!

ذاك المرضُ إذا خَفَت يؤذي، وإذا اشتدّ يؤذي بشكل أكثر فتكاً. يصبحُ اجتثاثه من الجُذور، قبل فوات الأوان، أمراً واجباً لكي يسلم الجَسد بكلّ أعضائه.

هذا ما تكشفهُ البيانات المنشورة بطنجة!

يوم الأحد 28 مارس 2021، أصحبت جلّ شوارع مدينة طنجة المغربية وأعمدتها الكهربائية تحملُ بيانات ملصقة، تلوم الآباء والأمهات على “تبرج بناتهم “.

المنشور تضمّن كذلك: “يشرفني أن أتقدم بالتوبيخ للآباء والأمهات عديمي الشرف والحياء والدين، إلا من رحم ربي، الذين جعلوا الشوارع تفوح بالإباحيات ومتعوا الكثير من الناس بمفاتن بناتهن”.

… جاء فيه أيضاً: “فتيات في سن الزهور 13 سنة وشابات في سن الزواج 18 سنة، ونساء في مقتبل العمر، وأخريات متزوجات، جميعهن بالبناطيل القصيرة، والبناطيل الضيقة حتى الملابس الداخلية أصبحت تظهر بوضوح.. شكرا.. أهنئكم على السلع الرخيصة التي تعرضونها على الأرصفة والشوارع والطرقات وعلى ثقافتكم وتفتحكم واطلاعكم على ثقافة العالم الآخر”.

مبحرو الشبكات الرقمية تناقلوا الصور على نحو مكثّف، واصفين إياها بـ”الداعشية”، وأنّ مثل هذه الأفكار هي التي يتأسس عليها الإرهاب… عملياً!

“هذا الفكر المتطرّف، هو من مخلصات السّياسة التعليمية والتربوية في البلاد”

لا يسعى هذا الملفّ إلى تضخيم الحدث أو تحميله أكثر من طاقته، بقدر ما يرنو إلى شجب الاعتداء على الحرية، سيما أنّ أصواتاً دعمت مضمون الملصقات على أنّها “نصيحة”…

دواعشٌ… مع وقف التّنفيذ

ما كُتب ونُشر في أعمدة الكهرباء وعلى الجدران في طنجة، يذكّرنا بأنّ منابع التّطرف لم تجفّف بعد بكيفية كفيلة باستئصال فيروس الإرهاب، بشتى أشكاله، من الجذور.

محمد بنعيسى، الخبير في قضايا الإرهاب، يرى أنه مادام المغرب حُفرةً غارقة في الفقر والهشاشة والبطالة والتعليم المتدنّي وفشل الأسرة والمجتمع والأحزاب السياسية في تأهيل ملكات التسامح لدى الأفراد، فستظلّ الأوضاعُ بيئةً حاضنةً لمثل هذه الأفكار المتطرّفة، التي يمكن أن تطفو أو تبقى حبيسة الذات، بيد أنها موجودة بالفعل!.

لا يقتنعُ بنعيسى، رئيس مرصد الشمال لحقوق الإنسان، في حديثه مع مرايانا، بأن هذه أعمال لجماعات منظّمة، بقدر ما يمكنُ أن يكون الأمر مبادرات فردية تنمّ عن ترسخ الفكر “الدّاعشي”، في الكثِير من الأشخاص الذين نتشارك معهم الأكسجين والمُحيط.

هؤلاء الأفراد، يمكنُ أن “يدفع بهم الحماسُ “الديني” إلى محاولة تغيير ما يعتبرونه المنكر باليد. حينئذ، سيكون الكلّ في مأزق”.

يقتنع التّلميذُ بأن ما دون دينه باطل وضرب من الجنون العقدي ومحضُ أخطاء، وأن تعاليم الشّريعة، كما جاءت في التراث الإسلامي هي الأصل، وما عداها تحريفٌ.

يضيفُ بنعيسى أنّه… ينبغي ألاّ ننسى أنّه من داخل طنجة تفتّقت قبل زمن قريب، جماعة “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”، التي هدّدت الحريات الفردية وقتذاك؛ إذ كانت تعمل على ما تراه تطبيقًا لحدود الشّريعة الإسلامية.

ثمّ أعلنت وزراة الداخلية بعد ذلك، في عام 2014، عن تفكيك “الشّبكة”، التي وصفتها الدولة بالإجرامية، والتي “تنشط بمدينة طنجة، ويتبنى أعضاؤها توجهات مُتطرفة ويقومون باعتداءات ضد المواطنين”، حسب بلاغ الداخلية يومها.

الشبابُ الذي استقطبتهُ تلك الجماعة قبل عقد تقريباً، هو بنفس الظّروف والسّياقات التي تمخّضت فيها هذه السّلوكات، إذ لازالت هناك بيئة خِصبة لدى جزء من الشّباب المغربي، نتيجة تنامي الإحساس بالظلم والإحباط واليأس والخَسارة تُجاه الواقع والفساد الذي يغزو الدولة من كل جانب. لذلك يصبحُ من السّهل استقطابه وشحنه بالفكر الإرهابي المتطرّف.

هذه الملصقات، وفق بنعيسى، لا نجدها في مخططات الجماعات الإرهابية، التي تكون في الغالب تفجيرات أو هجومات للذّئاب المنفردة. “لكن، مع ذلك، لا ينبغي أن ننكر أن الملصقات مؤشّر خطير، يمكن أن يكون مدمّرا في قادم الأيام”.

هؤلاء… شئنا أم أبينا، هم “دواعش” في نمط تفكيرهم وتمثّلهم للآخر المُختلف فكراً وممارسةً. لذلك على الدّولة ألا تنظر إلى هذا السلوك باستهتار، وأن تستأصل الفكر “الداعشيّ” من جذوره في التّعليم… إن وُجدَ!

التّعليم… هل حقّاً يصنع التّطرف؟

يتّهم البعض النظام التربوي المغربي، بكونه يصنع إرهاصات “داعشية” عند كل تلميذ، على اعتبار أنّ التلميذ ينشأ وهو يعتقد أن الدين الإسلامي هو الصّحيح وأن كل ماعداه كفر؛ وذلك بناءً على مفهوم الفطرة التي يولد عليها الإنسان.

يقتنع التّلميذُ بأن ما دون دينه باطل وضرب من الجنون العقدي ومحضُ أخطاء، وأن تعاليم الشّريعة، كما جاءت في التراث الإسلامي هي الأصل، وما عداها تحريفٌ.

أجل. قد يقول قائل إن المغرب لطالما أعلن عن كون نهج الدولة هو “إسلام وسطي ومعتدل”. لكنّ سلفية المجتمع في العمق، أقوى من تفتّح النظام والدّولة. لذلك تظهر كل مرة حركات متشددة من رحم المجتمع، وفق بعض المحللين.

“هؤلاء الأفراد، يمكنُ أن يدفع بهم الحماسُ “الديني” إلى محاولة تغيير ما يعتبرونه المنكر باليد. حينئذ، سيكون الكلّ في مأزق”.

الباحث محمد عبد الوهاب رفيقي يرى أنّه، بغضّ النظر عن المضامين الإسلامية، فإن هذا الفكر المتطرّف، هو من مخلصات السّياسة التعليمية والتربوية في البلاد.

النظام التعليمي بأكمله، وفق رفيقي، لا يربي الطّفل والتلميذ على أن يكون مواطناً في دولة حديثة بمؤسساتها، وأن طبيعة الدولة ترفض وصاية الفرد على الآخر داخِل المجتمع.

حسب ما أفاد الباحث في الفكر الدّيني لـ”مرايانا”، فإنّ قيم الدولة الحديثة تقوم على التعايش واحترام الآخر والتعددية والعيش المشترك. وهذه القيم لا يتشبّع بها الطّفل داخل المدرسة.

الإشكالُ الأعمق هو أنّ “الأساتذة وأطقم التربية هم أنفسهم في الغالب غير متشبّعين بقيم الدولة الحديثة، فكيف يمكن أن تُنقل هذه القيم إلى الأطفال إذن؟”.

كخلاصة، يرى رفيقي أنّ الحل هو استراتيجية تعليمية واضحة المعالم، تُمكن الطفل من أن ينشأ على طبيعة متقبلة للآخر، بصرف النظر عن انتماءاته العرقية أو الدّينية أو الفكرية. وهي سياسة يمكن أن تنفع الطفل في حياته داخل المجتمع.

من جهة أخرى، يرى مصطفى بوهندي، أستاذ تاريخ الأديان المقارن، في حديثه مع مرايانا، أنّ “ما حدثَ في طنجة ليس شأناً تعليمياً صرفاً، بل الأمر مُرادف للتسلّط باسم الدّين، على اعتبار أن “الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ”.

بوهندي يعتبر أنّ المسألة راجعة إلى تزمّت الفكر الدّيني، وما يعانيه من “رجعية” على مستوى الخطاب والممارسة.

الكثير من الأفكار لدى بعض النّاس، “تغترفُ من السّمين والغثّ داخل التراث الإسلامي، وفي الغالب، هذه الأفكار غير علمية، ويعتقدون صوابتيها بالمطلق، لأنها تنطلق من نصّ، ويحاولون بسطها لنيل الأجر والثواب، وفق ما يؤمنون به.”

ما كُتب ونُشر في أعمدة الكهرباء وعلى الجدران في طنجة، يذكّرنا بأنّ منابع التّطرف لم تجفّف بعد بكيفية كفيلة باستئصال فيروس الإرهاب، بشتى أشكاله، من الجذور.

آخرون أيضاً، وهم درسوا في نفس المدارس ونفس النظام التربوي، ينطلقون من نصوص مقدّسة كذلك، بيد أنهم يستخدمونها لخدمة الحداثة وقيم التسامح الديني والعيش المُشترك، إلخ، يختمُ بوهندي.

يكون الموضوع هنا رهينا بمدى الوعي بالدّين، وكيف تساهم الأسرة والمجتمع، إلى جانب المدرسة، في صَقل مفهُوم التّدين.

في الجزء الثّاني من هذا الملف، نعاين كيف يتعالى هذا التفكير على هيبة الدّولة وسيادة القانون.

مقالات قد تهمك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *