×
×

الفيديوهات الجنسية المُسرّبة: عندما يصبح ممتلكها “بطلا” افتراضياً! 1/2

هذا “البطل”، لماذا يبحث عن الشهرة الجنسية على حساب حريات الآخرين؟ لماذا ينقّبُ عن مسائل حميمة يعتبرها المجتمع فضيحة، في حين هي ليست كذلك؟ ما الذي يحصل عليه عند مشاهدة اتصال جنسي أو لقطات جنسية لآخرين ويجد فيها لذته؟ أهي لذّة “الفضيحة” أم لذّة الجنس نفسه؟ أم لذّة الحرمان؟

لم تعد الآلاف من التعليقات التي تُصاحبُ الفيديوهات الجنسية المسَرّبة لمغاربة في وضعيات شخصية وحميمَة، سوى مؤَشّر واضح على ميلِ جزء كبير من المجتمع المغربي “الافتراضي”، نحو هذا النوع من الفيديوهات أكثر من غيرها.

هذا مَا يُحاول إبرَازهُ هذا الملف، من منظور خبراء ومتخصصين في علم النفس الاجتماعي والسوسيولوجيا.

امتلاكُ الفيديو… البطولة المنقُوصة!

مُحسن بنزاكور، الخبير في علم النّفس الاجتماعي، يقولُ لـ”مرايانا إن التفاضل بامتلاك فيديو يتضمّن “فضيحة” جنسية على شبكات البثّ المفتوح، يحيلُ، تلقائياً، على مركّب الإحساس بالنّقص، بما يعني أنّ الإنسان الذي يتفاخر بهذا الشّكل في التعليقات، عادةً ليس له علاقة سليمة لا مع الجنس ولا مع الجسد.

إن الفرد، عندما يُحسّ بالنّقص ويمتلكُ في ذات الآن ذلك الفيديو الذي يبحثُ عنه الجميع، يشعر كأنهُ امتلكَ شيئا يفتقده، شيئا ينقصهُ فعلياً. في نفس الوقت، هذا الذي يمتلكهُ لا يرضى عنه المجتمع، وإلاّ لن تسميه الجموع الفيسبوكية “فضيحة”، يقولُ بنزاكور.

في هذه الحالة، يردفُ المتحدّث، فهذا الفردُ الذي يحسّ بالنقص، ويشتغل في الممنوع، بمعنى ما هو مرفُوض مُجتمعياً، تصبح له أهمّية في نظر الآخر في الفضاء الافتراضي، ويعوّض لهُ ذلك، بالمعنى النّفسي، إحساسهُ بالنقص، بإحساس بالشهرة وبالبطولة.

“الجنس هي لحظة نتقاسم فيها مشاعرنا مع الآخر، تصل ذروتها في تقاسم الجسد. الجنس علاقة إنسانية سامية، إحساس نبيل لا يمكن أن تصل هذا الحد من الاستهتار ومن المُيوعة!”

شهرة وبطولة لن يصلَ إليهما إلاّ عبر ما هو غير مقبول اجتماعياً، لأنه عاجزٌ أن يصل إلى مستوى الاعتراف والقبول بالسّبل العادية، كالتفوق العلمي. هنا، تكمن المفارقة بينه وبين الفرد العادي والسّوي، إذ إنّ الأخير لا يبحث عن الشّهرة، بل ما يوصله إلى الشّهرة هو عمله، إبداعه، فنه، ابتكارهُ العلمي، فتغدو الشّهرة هي التي تبحث عنه.

الغرقُ في “المحظُور”

يذهبُ بنزاكور إلى إمكانية قراءة هذه الظاهرة من زاوية أكثر دِقة، من خلال طرح سؤال: ما الذي يجعلُ الفرد يفتخر بهذا الموضوع؟

والجواب… لأن هناك فئات عريضة داخل المجتمع تشاطره نفس الهواجس والاستيهامات؛ أي أولئك الذين يبحثون عن الفيديو، وهم بهذا المعنى يبحثون عن زعامة زائفة وعن بطولة ناقصة. “الأشخاص الذين يتعاملون مع هذا الشخص، هم عملياً مرضى جنسياً”، يقولُ بنزاكور، ويمكن طرح مجموعة من الأسئلة حول ماهية هؤلاء: “هذا “البطل”، لماذا يبحث عن الشهرة الجنسية على حساب حريات الآخرين؟ لماذا ينقّبُ عن مسائل حميمة يعتبرها المجتمع فضيحة، في حين هي ليست كذلك؟ ما الذي يهمه في هذا الموضوع؟ ما الذي يحصل عليه عند مشاهدة اتصال جنسي أو لقطات جنسية لآخرين ويجد فيها لذته؟ أهي لذّة “الفضيحة” أم لذّة الجنس نفسه؟ أم لذّة الحرمان؟”.

إن الفرد، عندما يُحسّ بالنّقص ويمتلكُ في ذات الآن ذلك الفيديو الذي يبحثُ عنه الجميع، يشعر كأنهُ امتلكَ شيئا يفتقده، شيئا ينقصهُ فعلياً. في نفس الوقت، هذا الذي يمتلكهُ لا يرضى عنه المجتمع، وإلاّ لن تسميه الجموع الفيسبوكية “فضيحة”

لعلّ الإجابة على هذه الأسئلة، يرى المتحدّث، تفسّر هذه المعاناة وهذا الخلل في العلاقة مع الجسد، وفي العلاقة مع الجنس، التي عرّتها مواقع التواصل الاجتماعي لدى المغاربة.

ويضيفُ أنّ العنصر الأخطر هو التّعليقات. “المُلاحظ أنها في معظمها تتم بعد مشاهدة الفيديو. “بعد أن بحقق المعلق متعته الاستيهامية، يصبّ غضبه على الشخص موضوع الفيديو، رغمَ أنهُ بحث عن الشّريط بشكل مستميت ليستمتع بمشاهدته، كيفما كانت طبيعة هذه المتعة، سواء سادية أو جنسية أو غيرها. بعد المشاهدة، يكتب الشخص سيلاً من السبّ والشتم، وكأنه يحاول أن يعطي صورة ملائكية عن نفسه، قبل أن يكتب تعليقا جديدا: “اللي بغا الفيديو يدوز بريفي”. !

في النهاية… هذه الفيديوهات لا تفضحُ المتصوّرين فيها، بقدر ما تفضحُ قيما مجتمعية معينة.

“الفضيحة” المُرقمنة!

ما يمكن أن ننتبه إليه، حسب الخبير في علم النّفس الاجتماعي، هو أنّ رغبة الفرد في المشاهدة واستهلاك الفيديوهات “الفضائحية”، جعلته ينتقل بمشاعره المكبُوتة من الواقع العادي إلى نوع آخر من المشاعر في المجال الافتراضي.

“لا ينبغي أن يُعاقب القانون من في الفيديو، بل من روج للفيديو، من أخل، بالفعل، بالحياء العام، والذي أخرج أشياء فردية إلى الوجود العلني ونشر الفيديو، وليس من مارس حقّه الطبيعي في فضاء مغلق لا يمسّ المجتمع.”

الواضحُ أن رواد مواقع التواصل الاجتماعي أصبحوا يتأثّرون بما هو رقمي وما هو افتراضي. لنأخذ نموذج (VU/SEEN)، التي يترجمها الشخص بـ “شافني وماجاوبش”. بمعنى أن “المشاعر التي كانت في علاقات حقيقية في الواقع، تحولت إلى رغبات تُقاس بميزان الافتراضي، جعلت منه شخصا يعطي قيمة للمشاهد أكثر من القيم المجتمعية السّابقة.”

هذا الأمر خلقَ اعتياديَّة الاستهلاك اليومي للمنشورات، يستطردُ بنزاكور، سواء تعلق الأمر بفيديوهات أو صور؛ لدرجة أن “الفرد أصبحَ يعتقد أن من حقه أن ينظر إلى الحياة الجنسية للآخر وأن يستبيح هذه الحياة الجنسية؛ في حين أنّ القانون يعاقبُ من قام بهذا الفعل (الجِنس الرّضائي) ويُجرّمه”، يقول المتحدّث.

بالنسبة لبنزاكور، “لا ينبغي أن يُعاقب القانون من في الفيديو، بل من روج للفيديو، من أخل، بالفعل، بالحياء العام، والذي أخرج أشياء فردية إلى الوجود العلني ونشر الفيديو، وليس من مارس حقّه الطبيعي في فضاء مغلق لا يمسّ المجتمع.”

بينما الفرد… ما يهمه في كل هذا، هو “الحق في الوصول إلى المعلومة” التي هزت مواقع التواصل الاجتماعي، والتي هي في الأصل،  ليست معلومة، هي اقتحام فظيعٌ للحياة الخاصة للآخر، و”إلاّ، كيف يسمح الفرد لنفسه أن يتداول فيديو لم توافق عليه صاحبته أو صاحبه؟ ويقتحم هذا الفضاء الخاص ويعتبر نفسه ذا حَقّ في ذلك؟”.

الفرد لا يُدركُ أنّ الجِنس ليس للمشَاهدة والفُرجة. الجنس، يعتقدُ بنزاكور، “هي لحظة نتقاسم فيها مشاعرنا مع الآخر، تصل ذروتها في تقاسم الجسد. الجنس علاقة إنسانية سامية، إحساس نبيل لا يمكن أن تصل هذا الحد من الاستهتار ومن المُيوعة!”

هذا الوضع يفسّر سادية جنسية لدى كثير من الأفراد في مجتمعنا. سادية تُشكّل خطراً على المرأة، لأنّها تتغذّى من الذّكورية والآبائية…  وخطراً على المجتمع وعلى الحريات الفردية… بل، ثمّة من يرى أنّها أكثر خطورة من القانون الجنائي المجرّم للعلاقات الرضائية.

فهل أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي الوجه الآخر للوصاية المجتمعية على الأفراد؟

سؤال سنسعى للرد عليه في الجزء الثّاني.

اقرأ أيضا:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *