×
×

علي اليوسفي: البعد الشيطاني* للخطاب الديني 1\3

إن حملة الخطاب الديني عندما يحددون معايير اللباس والأكل والعلاقات بين الجنسين، فإنهم بالموازاة يصبون جام غضبهم على من لا يستجيب لمقاييسهم ويقصونه من الدين. وبما أن الدين والوطن عندهم وجهان لعملة واحدة، فإن الإقصاء من الدين إقصاء من الوطن الذي يصبح ملكا للمتدينين وحدهم

رفعا لكل لبس أو إِلباس، نتعاقد مع القارئ بدءً على التمييز بين النص الديني المرجعي، أي القرآن من جهة، وبين الخطاب الديني بما هو كل مكتوب أو ملفوظ يسعى إلى توظيف ذلك النص أو بعضٍ منه في عملية تواصلية تهدف إلى التأثير على المتلقي، من جهة أخرى.

يعتمد حامل هذا الخطاب على قراءات تأويلية نسبية، ككل قراءة، لا تَنقُل بالضرورة جوهر النص، وإنما تتخير منه ما تُوصله وما لا تُوصله، وذلك حسب درجة فهم وحاجة حامل هذا الخطاب التواصلية وأهدافه السياسية والاجتماعية.

هكذا، إذا كان القرآن نصا إلهياً ـ يقتضي التقديس من قبل المؤمنين والاحترام من قبل غير المؤمنين ـ فإن الخطاب الديني إنتاج بشري يحتمل الصواب والخطأ، وحسن النية وسوءها، كما يحتمل التوظيف الديماغوجي البراغماتي. وبالتالي، فهو لا يمكن أن يفلت من التحليل والنقد. هذا الخطاب البشري هو الذي يعنينا هنا.

بما أن التصور الحداثي بطبيعته منفتح على منجزات البشرية، ومقتنع بنسبية الفكر والفهم البشري، فهو يتبنى بالضرورة ما أثبتت التجارب صلاحيته في مختلف الميادين، وما ساهم في إخراج البشرية من تخلفها ومن صراعاتها الضيقة، وذلك من قبل الديمقراطية وكل الحريات اللصيقة بها جوهريا: حرية التفكير والتعبير والمعتقد وفصل الدين عن الدولة، إلخ

يمكن للمتتبع لما يعتمل اليوم في الساحة الإعلامية والفكرية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، تقسيم الخطابات إجمالا إلى قسمين كبيرين:

– قسم يتبنى الحداثة مبدأً والديمقراطية المؤسَّسة على الحريات اُفقا،

– وقسم ثانِ يدعي أنه امتداد لماض سليم، معتبرا أنه ” لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها”.

هذا الشعار الأخير والمؤسس لحركية هذه الفئة ينطلق من مسلمة وُثوقية مفادها، أن ماضي الأمة كان سليما، لأنه كان يقوم على حقائق ربانية “لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها”، وهذا طبعا فيه نظر [سنترك مناقشته لمناسبة لاحقة]. وبالتالي، فإن حملة هذا الخطاب لا يرون مستقبل هذه الأمة إلا في ماضيها.

اقرأ أيضا: أحمد المهداوي يكتب: دوجماطيقية الخطاب الديني

يترتب عن هذا التقسيم تصوران للزمن والتاريخ: تصور حداثي يعتبر الزمن خطيا، والتجارب البشرية تراكمية… وما دامت كذلك، فهي نسبية تحتمل الصواب كما تحتمل الخطأ، وتظل دائما موضوع قراءة نقدية تغربل هذا التاريخ للتمييز بين “الثابت والمتحول” فيه، أي بين ما يقبل الاستمرار وما يقتضي التجاوز.

إذا كان القرآن نصا إلهياً ـ يقتضي التقديس من قبل المؤمنين والاحترام من قبل غير المؤمنين ـ فإن الخطاب الديني إنتاج بشري يحتمل الصواب والخطأ، وحسن النية وسوءها، كما يحتمل التوظيف الديماغوجي البراغماتي. وبالتالي، فهو لا يمكن أن يفلت من التحليل والنقد

بما أن التصور الحداثي بطبيعته منفتح على منجزات البشرية، ومقتنع بنسبية الفكر والفهم البشري، فهو يتبنى بالضرورة ما أثبتت التجارب صلاحيته في مختلف الميادين، وما ساهم في إخراج البشرية من تخلفها ومن صراعاتها الضيقة، وذلك من قبل الديمقراطية وكل الحريات اللصيقة بها جوهريا: حرية التفكير والتعبير والمعتقد وفصل الدين عن الدولة، إلخ.

بناء عليه، فإن خطاب الحداثة يدعو إلى الانطلاق من قراءة نقدية للماضي بكل تراثه، من أجل تجاوز هنَّاته وإرساء مجتمعات تقوم على أساس القيم الكونية، قيم المساواة بين البشر عموما، والمواطنين خصوصا بغض النظر عن جنسهم أو ميولهم الجنسي أو لون بشرتهم أو انتمائهم الإثني أو معتقدهم أو لا معتقدهم، ويعتبر الوطن ملكا مشتركا للجميع والمواطنة لصيقة بالحقوق والواجبات وقائمة على أساس التعاقد أو العقد الاجتماعي.

اقرأ أيضا: عمر بن أعمارة يكتب: لا تاريخانية الخطاب الديني … الوهم والمغالطة

في مقابل التصور الحداثي الخطي، يعتبر الخطاب الديني الزمن دائريا، يقوم على وجود نقطة مركز لا يمكن الحياد عنها؛ كلما زاغ الناس عنها قيد أنملة إلا ووجب إرجاعهم إليها دون اعتبار لتطور المجتمعات ولا لحاجاتها الجديدة والمتجددة. ومن ثمة، فإن الخطاب الديني يعتبر الدين وتاريخه ملكا لحملة هذا الخطاب وحدهم الذين ينصبون أنفسهم ممثلين له ومحامين عنه وعن الله أيضا، ينوبون عنه في إصدار الأحكام وإدخال الناس إلى الدين أو إخراجهم منه حسب المقاييس التي يحددونها ويعتبرونها المرجع والمعيار الذي لا يجادل فيه إلا ملحد أو مجنون.

علاوة على ذلك، فإن هذه الفئة ـ الحاملة والمروجة لهذا الخطاب ـ لا تميز بين المواطنة والتدين، أي بين الانتماء للأرض والانتماء للمعتقد؛ وتقصي بالتالي -سواء بالواضح أو بالمرموز- من الدين والوطن معا من لا ينتمي لدينها، بل ومن ينتمي إليه ولكنه لا يستجيب للمعايير التي سطرتها للدين الصحيح.

بمعنى آخر، فإن حملة الخطاب الديني عندما يحددون معايير اللباس والأكل والعلاقات بين الجنسين، فإنهم بالموازاة يصبون جام غضبهم على من لا يستجيب لمقاييسهم ويقصونه من الدين. وبما أن الدين والوطن عندهم وجهان لعملة واحدة، فإن الإقصاء من الدين إقصاء من الوطن الذي يصبح ملكا للمتدينين وحدهم.

نقاش، نتابعه في الجزء الثاني من هذا المقال.

* من فعل شيطن يشيطن، وتشيطن الرجل إذا صار كالشيطان وفعل فعله. [لسان العرب]

قراءة الجزء الثاني: أين يكمُن البعد الشيْطانيُّ للخطاب الديني؟

قراءة الجزء الثالث: البعد الشيطاني للخطاب الديني… أصل الإرهاب والتطرف

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *