×
×

علي اليوسفي: البعد الشيطاني للخطاب الديني… أصل الإرهاب والتطرف 3\3

لا بد من محاكمة منفذي الأعمال الإرهابية، لأنهم مسؤولون عن أفعالهم كيفما كان مستواهم التعليمي والفكري. لكن استئصال هذا الداء يقتضي تجفيف منابعه وإغلاق مشاتله، وذلك بتقفي أثر دعاة الكراهية ومروجي الخطاب التجريمي والتكفيري، ومقاضاتهم بتهمة الحث على الكراهية والعنف وارتكاب الجريمة، ونشر العداوة والبغضاء، وذلك حتى يصبح الدين لله والوطن للجميع!

طرحنا، في الجزء الأول من هذا المقال، أرضية النقاش حول تناقضات الخطاب الديني في بعده المتطرف والإقصائي للمختلف.

ثم، في الجزء الثاني، تابعنا تفكيك جزء من مكونات هذا الخطاب الديني في أبعاده التي تستغل الدين سياسيا من خلال سعيها لشيطنة الآخر المختلف، لنختمه بسؤال: أين يكمُن البعد الشيْطانيُّ للخطاب الديني؟

في هذا الجزء الثالث والأخير، سنختم النقاش بتوضيح العلاقة الواضحة والأكيدة بين هذا الخطاب الديني المتطرف وبين الإرهاب والعنف والإقصاء الذي تعيشه مجتمعاتنا…

إن الخطاب الديني الذي فصلناه في الجزء الأول والثاني من هذا المقال، يقصي من الدين والوطن كل من خالفه الرؤية.

كيف لشاب ضائع ألاَّ يلتقط مثل هذه الأدعية والادعاءات فيكفر مَن صُنِّفوا أعداءً له سواء من ذوي المعتقدات الأخرى أو من أشخاص كان يُفتَرض فيهم الإسلام فإذا هم عنه معرضون؟

هذا الخطاب الذي يجرم الحريات الشخصية، فيعاقب من يأكل علنا في رمضان، ويعهر من ارتبط بعلاقات جنسية خارج الزواج ويجرمه باسم القانون، ويُعَهِّر [في المخيال العام] من لا تغطي شعرها، ويدعو إلى قتل من ارتد عن الإسلام دون أي سند قرآني إطلاقا، ويُحمل كل تلك الفئات وزر الكوارث الطبيعية من جفاف ومجاعة وزلازل وفيضانات وحوادث سير، وغيرها، إنما يقول للعامة إن هؤلاء المخالفين والمختلفين ـ أو بتعبير هذا الخطاب “المارقين من الدين”ـ هم سبب ويلاتكم.

بالتالي، فالمسلم الحق هو من يُخلِّص إخوانه منهم، حتى يحل السلم والطمأنينة ويعم الخير والبركات.

كيف لأمي بسيط متواضع أو متمدرس يعدم المعرفة والحس النقدي، واثق من أن الداعية لا ينطق عن الهوى… ألاَّ يمتلئ بالكراهية والعدوانية وهو يرضع من ثديها؟

اقرأ أيضا: التكفير والتطرف… من ابن تيمية إلى محمد بن عبد الوهاب وسيد قطب. أصل المأساة!

كيف لشاب ضائع ألاَّ يلتقط مثل هذه الأدعية والادعاءات فيكفر مَن صُنِّفوا أعداءً له سواء من ذوي المعتقدات الأخرى أو من أشخاص كان يُفتَرض فيهم الإسلام فإذا هم عنه معرضون؟

هكذا، ينتشر في الأوساط الاجتماعية همز المخالفين ولمزهم، والنهش في أعراضهم قبل أن تُستحَلَّ أعراضُهم ودماؤُهم وأموالهم، لينتهي الأمر إلى الإقدام على تصفيتهم جسديا.

“طبيعي” إذن ألا يبقى للسذج من القوم والمهمشين غير نقل القول إلى فعل والتخلص جسديا من منبع الشر، فيصبح الفعل عمليات إرهابية “تشتت الشمل، وترمل النساء، وتيتم الأطفال، وتنكس الأعلام” وتهدم المباني وتخرب الاقتصاد، وتفكك أواصر المجتمع.

حملة الخطاب الديني يدعون بالواضح أو بالمرموز إلى قتل المخالف لتصوراتهم للدين، ثم يتنصلون من القاتل حتى يحافظوا على مكاسبهم

لكن، ما إن يقع البسطاء في المحظور فينفذون عملية أو عمليات إرهابية، حتى يخرج علينا حملة الخطاب الديني إياهم، سواء في المساجد، أو من على مختلف المنابر الإعلامية ليتبرؤوا من منفذي تلك الأعمال الإجرامية متناسين أنهم ترعرعوا في مشاتلهم، ونهلوا من سمومهم.

عندما تقع الفأس في الرأس، عندها فقط يتذكر هؤلاء أن الإسلام دين الحق والعدل والمحبة والسلام، ودين الحرية والأخوة، وأن “الإسلام دين يُسرٌ لا دين عسر” [حديث]، وأن “… من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا…”. [المائدة، 32].

اقرأ أيضا: علماء قتلهم الفقهاء… هؤلاء 6 من أهم علماء الإنسانية المسلمين الذين اتهموا بالزندقة والكفر (الجزء السادس والأخير)

هذا السلوك الحربائي هو ما أسميناه بالشيطاني، لأن إبليس هو من تعهد بإخراج الناس من الطريق المستقيم، وتزيين الكفر لهم: “قال رب بما أغويتني لأزين لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين” [الحِجْر، الآية 39].

لكن، ما إن يسلكوا طريقه حتى يتنصل منهم، ويُحمِّلهم مسؤولية طيشهم: “كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر، فلما كفر قال إني بريء إني أخاف الله رب العالمين ” [الحَشْر، آية 16]. والشاهد عندنا أن حملة الخطاب الديني يدعون بالواضح أو بالمرموز إلى قتل المخالف لتصوراتهم للدين، ثم يتنصلون من القاتل حتى يحافظوا على مكاسبهم، وهو ما تلخصه اللغة العامية ببلاغة: “يبيعون القرد ويضحكون على من اشتراه”.

عندما تقع الفأس في الرأس، عندها فقط يتذكر هؤلاء أن الإسلام دين الحق والعدل والمحبة والسلام، ودين الحرية والأخوة، وأن “الإسلام دين يُسرٌ لا دين عسر”

صحيح أن الكثير من الدول، ومن بينها الدولة المغربية، تسخر اليوم طاقات جبارة لترصُّد خلايا الإرهاب وتفكيكها، وتنزل أشد العقوبات على من أدينوا بارتكاب أفعال إرهابية، لكن ذلك لا يكفي وإنما ينبغي ترصد هذا الخطاب الديني التخطيئي والإقصائي في مشاتله قبل أن ينمو فيصير تكفيريا، ينتشر مثل السرطان في خلايا المجتمع ويدمر أواصره.

لذلك، لا بد من محاكمة منفذي الأعمال الإرهابية، لأنهم مسؤولون عن أفعالهم كيفما كان مستواهم التعليمي والفكري. لكن استئصال هذا الداء يقتضي تجفيف منابعه وإغلاق مشاتله، وذلك بتقفي أثر دعاة الكراهية ومروجي الخطاب التجريمي والتكفيري، ومقاضاتهم بتهمة الحث على الكراهية والعنف وارتكاب الجريمة، ونشر العداوة والبغضاء، وذلك حتى يصبح الدين لله والوطن للجميع!

قراءة الجزء الأول: البعد الشيطاني للخطاب الديني

قراءة الجزء الثاني: أين يكمُن البعد الشيْطانيُّ للخطاب الديني؟

 

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *