×
×

بورغواطة… إمارة وعقيدة مغربية قديمة منسية وغامضة! 1\2

ازدهرت بورغواطة وكثرت مدنها، حتى بلغ عدد المدن فيها ما يربو عن الأربعين مدينة، إضافة إلى عدد لا يحصى من القرى والضّياع التي فاضت عن أهلها وصدرت إلى الدول المجاورة، سواء في المغرب أو في الأندلس وأوروبا، مما يدلّ على دور حضاري وسياسي كبير لعبته بورغواطة على مسرح التاريخ

حظيت إمارة بورغواطة باهتمام لا يستهانُ به من طرف الباحثين، لأنها منطقة صامدة ضمنت لنفسها انفرادا قلّ نظيره بجملة من العقائد والأفكار، لدرجة خندقها الدّارسون في نطاق “الغرائبية” والغموض، وذلك نتيجة الاختلافات العقدية العميقة مع المحيط الثقافي الإسلامي، الذي انتصبت فيه هذه الإمارة.

يذهبُ البعض، أيضاً، إلى أن جلّ الأبحاث العلمية، التي تناولت موضوع دولة بني صالح بالدراسة والتحليل، لم تقدم إجابات شافية عن بورغواطة، بالقدر الذي سعت به إلى طرح تساؤلات ميتافيزيقية بخصوص أصول هذه الإمارة الغامضة، ومسألة تدينها، وحقيقة أيديولوجيتها، واعتِناقها للمَذهب الصّفري الخَارجي.

كان بنو صالح، الذين حكموا بورغواطة، في عهد یونس في قوة عظیمة وعدد كبیر، مكنهم من تجنید جیش قوي قادر، بلغ عدد فرسانه نحو اثني عشر ألف فارس، استطاعوا به أن یفرضوا نفوذهم ومذهبهم على عدد كبیر من القبائل والمدن والقرى سواء في تامسنا ذاتها أم في المدن المجاورة لهم والمحیطة بهم”.

تماهى مع تاريخها ثلّة من المستشرقين حدّ الغلو، فوصفوها بأنها إمبراطورية مكتملة، تحققت لها كلّ الشروط الطبيعية.

… لكل ذلك، تُعتبر بورغواطة من الحضارات المَغاربية الدّفينة، والتي تشكّل مثالاً حياً لمقاومة التّهديدات الخارجية.

بورغواطة… حضارة “غائبة”!

من الأمور التي تثير الكثير من التساؤلات بخصوص النّفاذ إلى موضوع إمارة بورغواطة، هو عدم معرفة الكَثير من المغاربة بشأنها، على اعتبار أنها مُغيبة من مناهج مادة التّاريخ.

عموماً، يمكنُ القول بأنّ إرهاصات تشكّل الدولة البورغواطية، بدأتْ إبان القرن الثاني الهجري، بالتزامن مع الحكم الأموي في المشرق، واشتداد رحلة “الفتوحات” الإسْلامية، وبروز المعارضات السياسية بشكل غير مسبوق داخل الدولة الإسلامية، واحتدام الاضطرابات وانعدام الاستقرار السياسي، الذي أشعل فتيله الخوارج.

فهذا ابن جرير الطبري، مثلاً، يميلُ إلى أن البوادر التي ألقت بقبائل “بربر” بورغواطة والمغرب الأقصى في الثورة، كانت في عهد الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك، وفق ما يزعم في كتابه “تاريخ الرسل والملوك”.

الطبري يفصّل بأنّ الأمر غدا أكثر وضوحاً آيامئذٍ، لمّا توجه وفد من “البربر” إلى الشّام للقاء الخليفة، لأنهم كانوا ناقمين على والي المغرب عُبَيْد الله بن الحبحاب، الذي أصبح يمارس عليهم العنف من أجل جمع الأموال والغنائم والجواري، وفرض الضرائب والجبايات في حالات كثيرة مخالفة لما نص عليه الإسلام. كان يتزعم الوفد أحد قوّاد “البربر” ميسرة المطغري إلى جانب طريف بن مالك، زعيم قبائل بورغواطة.

مع كلّ ما عرفته دولة بن صالح في تامسنا من ازدهار، إلا أنها تلقّت جملة من الضربات العنیفة من طرف الصنهاجیین وبني یفرن، وبعدهم الأدارسة والمرابطین. ورغم كلّ الضربات، فقد دامت مدة 3 قرون، ولم یستطیع الخصوم القضاء على اجتثاتها من الوجود

فشل اللقاء، فعاد الوفد خالي الوفاض، مستشيطاً غضباً. أمام استئساد والي المغرب، كانت تلك هي اللحظة الحاسمة، لتغيير الدفّة نحو اعتناق مبادئ وأفكار المذهب الصفري الخارجي، الذي عُرف بدعوته “الثورية” الرافضة للبطش والتسلط والظلم والعدوان، وبدأت الثورة ضد الحكم الأموي.

تمت مُبايعة ميسرة المطغري لتزعم قتال “البربر” في وجه الأمويين، فاستطاعت جيوشه أن تهزم العرب في كثير من المعارك، على رأسها معركة الأشراف عام 122هـ/ 740م، وفقَ ما يفيده ابن الأثير في كتابه “الكامل في التاريخ”.

في هذا السياق، يرى الباحث المغربي عثمان سحبان أنه، بعد تحقيق الانتصارات، حدث انقسام في صفوف الأمازيغ ووفاة ميسرة. انسحب طريف بن مالك، الذي كان قائدا ضمن القوات الأمازيغية، من هذا الصراع نحو منطقة تامسنا (بين وادي أبي رقراق ووادي أم الربيع).

حسب ما يورده سحبان، نقلاً عن كتب التّاريخ، فإن طريف قام حينها  بتأسيس الدولة البورغواطية. “بعد وفاته، تولى ابنه “صالح بن طريف” الحكم واستطاع أن يوطد سلطته، وأن يبسط نفوذه على مساحات شاسعة من الأراضي المحيطة به، حتى أضحت بورغواطة في عهده من أقوى الكيانات السياسية القائمة في المغرب على مدى ثلاثة قرون. إذ يمكن القول إن دولة برغواطة لم تتبلور في شكلها السياسي – الديني حتى فترة حكم صالح بن طريف، خاصة بعد أن ادعى النبوة وشرع لهم دينا خاصا بهم وبلغتهم الأمازيغية”.

روايات البكري وابن عذارى اعتبرت طريفا وابنه صالحاً يهوديا الديانة، وآخرون، وعلى رأسهم ابن خلدون، نسبُوهم إلى الإسلام، الذي كان متفشيا في النّظام القبلي للمغرب الأقصى حينئذٍ، فضلاً عن إقرار حفنة من المصادر بمُشاركة طريف في فتح الأندلس إلى جانب طارق بن زياد، وكونه هو الذي قاد الحملة التّمھیدیة لفتح الأندلس سنة 91ھـ/710م وباسمه سُمّیت جزیرَة طریف.

يتضحُ إذن أن أهل برغواطة، يجمعون قبائل مصمودة وزناتة وصنهاجة وغیرها من القبائل الأخرى، التي سَكنت تلك المناطق وقتئذٍ، وأن اللبنات الأساسية للدولة، وضعت منذ القرن الثاني للهجرة في المغرب الأقصى، بدءاً من سنة 122هـ/ 740م، من طرف طریف أبو صالح ابتداءً، ثم تعاقب على حكمها أبناؤه، ناهجين نفس الطريق، حتى ازدهرت وغدت حضارة قائمة الذات، وحققت الاكتفاء الذاتي، بفعل الموارد الاقتصادية، التي كانت تتوفر عليها.

حضارة بورغواطة

بعد وفاة صالح بن طريف، خلفه نجله إلیاس، الذي حافظ على وصية أبيه بأن يبقي ملامح المذهب الصفري سرا في بورغواطة حتى لا تتعرض الدولة للخطر من طرف الجيران من أهل “السنة والجماعة”.

ثم، بعد وفاة إلياس بن صالح، ینتهي عهد التأسیس وتكتمل بنية الدولة البورغواطية، لتدخل الإمارة عهد القوة والازدهار والرفعة والحضارة، سيما في عهد يونس بن إلياس.

لعلّ الدلائل على التوسع والازدهار في عصر یونس كثیرة، منها أنه “أظهر مذهبه الذي كان یخفیه أباؤه خوفا وتقیة، إذ كان بنو صالح یعیشون وسط بحر هائل من أهل السنة والجماعة”. [1]

اعتبرت طريفا وابنه صالحاً يهوديا الديانة، وآخرون، وعلى رأسهم ابن خلدون، نسبُوهم إلى الإسلام، الذي كان متفشيا في النّظام القبلي للمغرب الأقصى حينئذٍ، فضلاً عن إقرار حفنة من المصادر بمُشاركة طريف في فتح الأندلس إلى جانب طارق بن زياد، وكونه هو الذي قاد الحملة التّمھیدیة لفتح الأندلس سنة 91ھـ/710م وباسمه سُمّیت جزیرَة طریف.

الدّلیل الثّاني، أنه “أخذ یفرض كل المذهب بالقوة على جیرانه الأقربین، وفي سبیل ذلك كون حلفا كبیرا جمع عددا من قبائل مصمودة وخاصة بورغواطة التي تنتمي إلیها، والتي كانت قبیلة كثیرة البطون والشعوب، وكونت العمود الفقري لدولة بن صالح، وكانت لها القوة والوجاهة والزعامة على جمیع قبائل مصمودة في شتى أنحاء المغرب الأقصى قبل الإسلام وفي صدره وفي قرونه الأولى”. [2]

أكثر من ذلك، فقد “كان بنو صالح في عهد یونس في قوة عظیمة وعدد كبیر، مكنهم من تجنید جیش قوي قادر، بلغ عدد فرسانه نحو اثني عشر ألف فارس، استطاعوا به أن یفرضوا نفوذهم ومذهبهم على عدد كبیر من القبائل والمدن والقرى سواء في تامسنا ذاتها أم في المدن المجاورة لهم والمحیطة بهم”. [3]

يظهرُ كل هذا في قول البكري بأن یونس “قتل من لم یدخل في دیانتهم، حتى أخلا ثلاث مائة وسبعا وثمانین مدینة، حمل جمیع أهلها على السیف بمخالفتهم إیاه وقتل منهم بموضع یقال له تاملوكاف”.

حكم يونس لمدة أربعة وأربعين سنة. لم يكن بنو صالح متقوقعين على أنفسهم في إقليمهم، الذي تأسست فيه دولتهم، وإنما اتصلوا بغيرهم من القوى المجاورة، مثل الأدارسة وحكام سجلماسة، وسكان الصحراء، والأمويين في الأندلس، وتبادلوا معهم التجارة والبعثات الدبلوماسية. [4]

أدى كل ذلك إلى ازدهار بورغواطة وإلى كثرة مدنها، حتى بلغ عدد المدن فيها ما يربو عن الأربعين مدينة، إضافة إلى عدد لا يحصى من القرى والضّياع التي فاضت عن أهلها وصدرت إلى الدول المجاورة، سواء في المغرب أو في الأندلس وأوروبا، مما يدلّ على دور حضاري وسياسي كبير لعبته بورغواطة على مسرح التاريخ…[5].

ساهمت في هذا الازدهار عوامل طبيعية، كالزّراعة، التي شهدت تحسّنا في عهد دولة بني صالح، نتيجة لأمور عديدة منها توافر المياه والأرض الصالحة للزراعة، إذ تمتعت تامسنا بنهر أم الربيع الذي يحيط بتامسنا من الشرق والجنوب، وكذلك في شمالي بلاد تامسنا يقع نهر أبي رقراق، وغيرهما من الأنهار الصغيرة، التي شملتها بورغواطة[6].

إلى جانب الفلاحة، كان هناك الصيد، لاسيما اصطياد النعام والأسود، التي كانت كثيرة في أدغال بورغواطة، هذا فضلاً عن أنواع لا حصر لها من الأسماك، التي كانت وفيرة في الأنهار التي تحظى بها الدولة البورغواطية، ناهيك عن مياه المحيط الأطلسي. [7]

إرهاصات تشكّل الدولة البورغواطية، بدأتْ إبان القرن الثاني الهجري، بالتزامن مع الحكم الأموي في المشرق، واشتداد رحلة “الفتوحات” الإسْلامية، وبروز المعارضات السياسية بشكل غير مسبوق داخل الدولة الإسلامية، واحتدام الاضطرابات وانعدام الاستقرار السياسي، الذي أشعل فتيله الخوارج.

بالتبعة، وكنتيجة منطقية، بازدهار الفلاحة والصيد، تقوّت التجارة بدورها، حيث ساهمت وفرة الزروع والثمار والمحاصيل والماشية والحيوانات والأسماك، في خلق موجة مرتفعة من التجارة على المستويين الداخلي والخارجي.

التجارة الداخلية مثلاً، تميزت بأسواقها الكثيرة، التي كان يؤمّها عدد كبير من الناس والتجار، حيث كانوا يبيعون ويشترون ويتبادلون السلع والمحصولات…

بعد وفاة يونس بن إلياس بن صالح، انتقلت السلطة إلى فرع ثان من بورغواطة لسبب لم يفصح عنهُ، قد یكون ذلك نتیجة صراع داخلي، أو لعدم وجود وریث مناسب في الفرع الأول، أو للسیطرة الإدریسیة. ویبقى السبب الأول أكثر ترجیحاً. [8]

هكذا، تعاقب على السلطة بعده، أبو عفیر (268 -297ھـ)، وابنه أبو الأنصار عبد الله (297 -341ھـ)، وأبو منصور عیسى (341 – 369ھـ). في عهدھم، زادت قوة بورغواطة وكثرت حروبھا وزاد احترام الجیران لھا؛ كما تضخم الجیش لیصل إلى خمس وعشرین ألف رجل. [9]

… مع كلّ ما عرفته دولة بن صالح في تامسنا من ازدهار، إلا أنها تلقّت جملة من الضربات العنیفة من طرف الصنهاجیین وبني یفرن، وبعدهم الأدارسة والمرابطین. ورغم كلّ الضربات، فقد دامت مدة 3 قرون، ولم یستطیع الخصُوم اجتثاتها من الوجود…

لكن في الأخير، لم یقض على ما اعتبر “بدعها الدينية” إلا المرابطون في النّصف الثاني من القرن الخامس، ولم يتم القضاء علیها نهائیاً إلا في عهد الموحدین في القرن السادس.

ما المقصود إذن بـ “البدع الدينية” لدولة بني صالح بتامسنا؟ وأي ملامح عقدية “غرائبية” لممارستهم الدينية، والتي جعلت الفرق تصفهم بالهرطقة والكفر والتّحريف؟

هذا ما سنراه في الجزء الثّاني من هذا الملف…

هوامش:

[1] سمراء جرمي، برغواطة بين السياسة والدين، 125هـ – 743م/ 455 هـ – 1063م.

[2] المرجع نفسه.

[3] نفسه.

[4] رجب محمد عبد الحكيم، دولة بني صالح في تامسنا بالمغرب الأقصى، دار الثقافة للنشر والتوزيع.

[5] المرجع نفسه.

[6] نفسه.

[7] نفسه.

[8] أنظر “إمارة بورغواطة”.

[9] المرجع نفسه.

مقالات قد تثير اهتمامك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *