×
×

نور الدين الزاهي لمرايانا: نتائج الانتخابات لم تأت خارج التوقعات، ونقول للشوباني لله ما أعطى ولله ما أخذ… 1\2

نور الدين الزاهي واحد من الأصوات السوسيولوجية البارزة في المشهد الثقافي المغربي، تتميّز إطلالاته الفكرية بالعمق في تحليل الظواهر السياسية والثقافية والمجتمعية الطارئة.
له في المكتبات أعمال مرجعية هامّة، عبارة عن جملة دراسات ومؤلفات، منها: “المقدس الإسلامي” (2005)، و”بركة السلطان”(2008)، و”الزاوية والحزب” (2011)، فضلاً عن مشاركاته في دفاتر وجهة نظر بعنوان المدخل إلى علم الاجتماع المغربي.
في هذا الحوار مع مرايانا، يحاول الزاهي سبر أغوار العملية الانتخابية بالمغرب، وتحليل المسلكيات الذّهنية المتحكّمة في نتائجها…

  • كيف يقرأ نور الدين الزاهي نتائج انتخابات 2021، التي كانت متوقعة، رغم أنها خلقت صعوبة في عملية التكهنّ؟

بدايةً، لا شكّ أنّ تعليقي كمواطن يُتابع أوضاع بلده السّياسية، هو أن نتائج هاته الانتخابات لم تأتِ خارج سماء توقعاتي، مثلي مثل الكثيرين.

على الأقل بالنسبة لخروج حزب العدالة والتنمية من دائرة تدبير الشأن السياسي للبلاد، وتصدر حزب عزيز أخنوش للمشهد الانتخابي، وكذا حضور حزب الأصالة والمعاصرة في الصفوف الأمامية.

طبعاً، تظل عودة حزب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية (الأحزاب التاريخية) ومراوحة الأحزاب اليسارية لمكانها الباهت انتخابياً، خارج مجال التوقع والتكهن.

لكن تعليقي كباحث على هاته النتائج، يفترض بيان عللها ومؤدياتها… لِم انهار حزب العدالة والتنمية الإسلامي بهاته الطريقة؟ ولِم تصدّر حزب التجمع الوطني للأحرار قائمة النتائج؟ ولِم الأحزاب التاريخية، باختلافاتها، تشغل وضعاً بينيًّا، لا هو بالميت ولا هو بالحي؟ ولِم الأحزاب اليسارية تشارك وتعبئ وتقدم مرشحين، لكن لا تحصد شيئا يؤهلها لخوض تجربة تسيير الشأن العام للبلاد؟

  • هذه النتائج وضعتنا إزاء تحوّل لافت انتقل عبره أخنوش من شخص مغضوب عليه من طرف كثير من المغاربة الذين دعوا إلى مقاطعته مراراً، إلى فاعل يستفيد من التصويت الكاسح لصالح حزبه… هل هذا معناه أن رحلة خلق صورة مثالية عن عزيز أخنوش آتت أكلها بمشاركة جزء من الإعلام؟

أجل. هي مفارقة واضحة. إذ كيف يمكن لرجل أعمال، هو أيضا رجل سياسة، أن يتعرض لاحتجاجات ومقاطعات لمنتوجات شركاته، وتتميز تلك الاحتجاجات بنجاحات شعبية، ثم يستَقبل بحفاوةِ البطلِ في بعض المناطق؟ كيف يمكن ألا يسأل من طرف المواطنين عن تركته القريبة في الزمن، وأن يقود حزبه للفوز بكل أريحية في الانتخابات الحالية ويصبح رئيساً للحكُومة المقبلة؟

لا نبرّئ الإعلام بكل أنواعه: الرسمي والافتراضي والعمومي والخاص، وكيف هيأوا الناس نفسيا، على الأقل، للتذمر الكامل من العدالة والتنمية ورموزها، مثلما غطّى وحجب نهائياً عن زعيم حزب الأحرار كل خطاياه الاجتماعية والسياسية.

ظلت الاستراتيجيات توطن على امتداد ثلاثين سنة ولازالت، لإعادة هيكلة المجتمع برمته، بناء على استهداف الأيديولوجيا والتصورات الفكرية والمرجعيات السياسية، بوصفها ما يمنح للحزب السياسي قوة الاقتراح من جهة وقوة التضامن الأيديولوجي من جهة ثانية؛ ثم استهداف الاجتماعي، عبر إخضاعه لسلطة خطاب السوق الاقتصادي، ومن ثم اجتثاث بعده المطلبي المنظم نقابيا ومهنياً؛ وأخيرا عبر اقتراح النماذج التنموية، بوصفها المرجعية الأيديولوجية الجديدة الموحدة للنخب السياسية والاقتصادية.

يكفي في هذا الصدد أن يقدّم عزيز أخنوش على أنه الحزبي الوحيد الذي لا يتقاضى أجرته عن مهماته الوزارية! وللأمر صداه وتبعاته على نفوس المواطنين المتسامحة.

يبقى هذا مستوى أوليا وأولا في التفسير. هنالك مستوى أولي ثاني، قد يقدّمه البعض لفك لغز هذه المفارقة، وسيقول لسان حاله، عليكم أن تطلعوا على التقارير الوطنية والدولية التي خصّت موضوع القيم بشكل عام، والقيم السياسية بشكل خاص، وستكتشفون أن “المغاربة” ممتلئون في سلوكاتهم الموجَّهة بقيمهم، بالتمازج والتركيب والهجانة والترميق (bricolage).

ببساطة، قد يكونون في الصباح مؤيدين لحزب العدالة والتنمية وغاضبين من حزب الأحرار؛ وفي المساء، ينقلبون على هذا ويناصرون ذاك. لذلك، فلا أحد في مأمن.

كما قلتُ، هذا مستوى أولي ثاني، فيه جزء من الصحة، مثله مثل جزء من الصحة الحاضر في المستوى الأول. لكنهما معا لا يصلان إلى فك عمق المفارقة في نهاية المطاف.

  • على الجهة الأخرى، قال الحبيب الشوباني، القيادي بالعدالة والتنمية: “لا يوجد تفسير في علم السياسة وعلم الاجتماع لنتائج اقتراع 8 شتنبر حتى لو كان العدالة والتنمية عدوا لدودا لكل طبقات الشعب بدون استثناء!”… كيف يردّ الزاهي كأستاذ جامعي باحث في السوسيولوجيا على هذا الكلام؟

من باب السخرية “البيضاء”، أقول للحبيب الشوباني: “لله ما أعطى ولله ما أخذ”.

لكن، من باب زاوية النظر السوسيو-سياسية، نقدم كباحثين اجتهاداتنا العلمية البعيدة عن العواطف والأمزجة وردود الأفعال. اجتهادات قد تكون غير مصيبة كليةً، لكنها تحفز على التّفكير. تلكُم طبيعةُ قدر العلوم الاجتماعية برمتها وكذا مَكمن قوتها.

الواقع أنّ على الشوباني أن يعي جيداً أنّ المجال السياسي بشكل عام، والمجال الحزبي بشكل خاص بالمغرب، منذ عقد تسعينيات القرن الماضي، وهو يهيّئ ويُهيكَل، كي يكون على ما هو عليه الآن، وما سيكون عليه في العشرية القادمة. ميزة ومتغيرة هاته الهيكلة الجديدة، هي أنها لا ترتكز على آلية القمع والاعتقال والردع، مثلما كان عليه الأمر في السابق، بل على استراتيجيات عالمة وخبيرة وهادئة وناعمة وفعالة.

أولى هذه الاستراتيجيات، هي الحشو العالمي للجامعات وللمنتديات والنقاشات العمومية العلمية والمدنية “بأسطورة النهايات”، وعلى رأسها نهاية الأيديولوجيا (حتى أظل في السياق).

المغرب لم يسلم من هذه الاستراتيجية، بل أصبح الفاعلون الحزبيون والمدنيون وأكاديميو ومثقفو الأحزاب والتنظيمات، يعتزون ويفتخرون بترديدها واستبطانها، ويعتبرونها مؤشراً على مغادرة التقليد والتاريخ والدّخول في الخطاب الحداثي. تركت الإيديولوجيات والأفكار الكُبرى والتّصورات والمَرجعيات بحكم أن العالم تعولم، وأعلن نهاية الإيديولوجيات وبقيت الأحزاب السياسية عبارة عن أطر تنظيمية انتخابية فارغة مضموناً. وذاك من أسباب تآكلاتها الدّاخلية والخارجية. والعدالة والتنمية ليس بمعزل عن هذا التآكل.

أصبحت الأحزاب السياسية، بجميع تلاوينها، لا تخرج عن دائرة المشابهة، لأن ما يرسم الاختلافات دمر بشكل ذاتي، وهذا هو الصّعب.

لا نبرّئ الإعلام بكل أنواعه: الرسمي والافتراضي والعمومي والخاص، وكيف هيأوا الناس نفسيا، على الأقل، للتذمر الكامل من العدالة والتنمية ورموزها، مثلما غطّى وحجب نهائياً عن زعيم حزب الأحرار كل خطاياه الاجتماعية والسياسية.

الاستراتيجية الثانية، هي فكّ الوصال والتّعالق بين الأحزاب السياسية والنقابات والتنظيمات المهنية… يتعلق الأمر هذه المرة، بإعادة هيكلة القطاع الاقتصادي على أسس غير اجتماعية، وهو ما يفترضُ فيه أن يمنح للنقابات قوة وحضوراً أكبر. لكن العكس هو ما حصل. حدث أفولٌ للفعل النّقابي وضُعف تدخلاته في القطاع الاجتماعي المنهار. ولشرح علل ذلك، سيطول الأمر…

فعل سياسي محدود في السياقات الانتخابية والتعبوية الرسمية (بدون أساس سياسي) وفعل نقابي مشلول بحكم غياب أساسه الاجتماعي الفاعل.

الاستراتيجية الثالثة هي تقديم الدولة للنموذج البديل، وهو نموذج المقاولة والمقاولة الذاتية بكل مقولاتها من ابتكار وتجديد ونجاح… وذلك في أفق سد باب لجوء العاطلين إلى أبوابها وكذا أبواب النقابات… ضمن هذا النموذج، ستسخر العدة الإعلامية والإيديولوجية واللوجيستيك، لجعل الفرد مسؤولاً أولاً وأخيراً عن بطالته وعطالته، وعن دخله وعن نجاحه وفشله… الآن، تتسع دائرة هذا الجمهور وتتسع قيمه. وهو يستقطب لملئ عضويات الأحزاب المُقاولة ودعم تمثيلياتها.

استراتيجيات ثلاث كبرى، ولها دعامات صغرى وفرعية، ظلت توطن على امتداد ثلاثين سنة ولازالت، لإعادة هيكلة المجتمع برمته، بناء على استهداف الأيديولوجيا والتصورات الفكرية والمرجعيات السياسية، بوصفها ما يمنح للحزب السياسي قوة الاقتراح من جهة وقوة التضامن الأيديولوجي من جهة ثانية؛ ثم استهداف الاجتماعي، عبر إخضاعه لسلطة خطاب السوق الاقتصادي، ومن ثم اجتثاث بعده المطلبي المنظم نقابيا ومهنياً؛ وأخيرا عبر اقتراح النماذج التنموية، بوصفها المرجعية الأيديولوجية الجديدة الموحدة للنخب السياسية والاقتصادية. أمر يفترض أحزابا مقاولة، ورجال أعمال سياسيين قياديين يمتلكون مهارات اقتصاد السّوق، ولن يعيبهم افتقادهم لكل ما يتطلبه الفعل السياسي من خلق سعادة المواطن باللغة الأرسطية القديمة.

… هذه المسلكيات، ينبغي للشوباني أن يلتقطها بعناية، لكي يفهم لماذا مُني حزبه بهذه النّتيجة.

في الجزء الثاني من هذا الحوار، نتابع رؤية الزاهي للتدبير المقاولاتي للدولة، الذي قال البعض إنه هو العنوان الأكبر لحكومة تتكون من رجال الأعمال ومرؤوسة من حزب التجمع الوطني للأحرار، الذي يجمع البورجوازية الوطنية.

مقالات قد تثير اهتمامك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *