×
×

انتخابات 2021 تحت مجهر مرايانا: بينَ شَبح العزُوف و”تحجيم” الظّاهرة الحِزبية! 2\4

بسبب قلق العزوف “بلغ الأمرُ مرة بأحد قادة الأحزاب أن طالب بفرض عقوبات مالية ضد من ينأون بأنفسهم عن الذهاب إلى مكاتب الاقتراع، حيث اقترح إدريس لشكر، الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، مبلغ 500 درهم كعقوبة مالية لـ”المتهرب” من التصويت”…

بعدما رأينا في الجزء الأول أهمية “الزرود” في الحملات الانتخابية، نتابع في هذا الجزء معضلة العزوف والمقاطعة التي تنتظرُ استحقاقات 2021، لعدّة أسباب.

يقول محلل سياسي لمرايانا: لقد مرّر حزب العدالة والتنمية قرارات لا شعبية خدمت السّلطوية والتحكّم، وانبنت على النيوليبرالية، التي تضرّرت منها مختلف الشّرائح المجتمعية، بما فيها الطّبقة المتوسّطة.

من هذه القرارات، يوضّح المحلل السياسي عبد الحميد بنخطّاب، ما يتعلّق برفْع الدّعم الاجتِماعي وعدم قُدرة الحُكومَة التي يقُودها “المصباح” على مواكبة متطلّبات الشغل في صفوف الشباب، وأيضاً لضعف استثمار حكومة البيجيدي في الصحة والتعليم طيلة 10 سنوات من تزعّمه للحكومة!

الآلية المخزنية لم تتوقف في صناعة وخلق الأحزاب، التي سرعان ما كانت تحصل على الأغلبية، مثل حزب الاتحاد الدستوري الذي حصد الأغلبية في انتخابات 1983 بعد ثلاثة أشهر فقط من نشوئه، حتى سمي بـ”حزب الكوكوت مينوت” (طنجرة الضغط).

لهذا، تتناسل التّذمّرات والرّفض على مواقع التواصل الاجتماعي، بفعل تضارب مواقف هذا الحزب بين الأمس واليوم، وفشله في “إسقاط الفساد” وتصالحه مع الريع. لكنّ صنادِيق الاقتراع هي التي من شأنها “معاقبة” حِزب المِصباح، لأنّ أغلبَ الذين يعبّرون افتراضياً عن التذمر والرفض… هم غير مسجّلين أساسا في اللّوائح الانتِخَابية.

مع ذلك، يقول الحقوقي عبد الواحد رشيدي: “من لا يرى في المشاركة أو المقاطعة إلا حزب العدالة والتنمية، فذلك دليل على مدى إدراكه المزيف للواقع السياسي”.

المقصود هنا أن مشكل العزوف أعمق، ولا يقاس بحزب بعينه، بل هو “ظاهرة” تطفو في فترة كلّ انتخابات ومتعلّقة بكفرٍ مستشري لدى المواطنين بالأحزاب السّياسية.

استحقَاقات… يطاردُها شبحُ العزوف!

لطالما كان العزوف سبباً في قلق الدّولة والأحزاب في المغرب. لكن، هذه المرة، يصبح القلق أكبر عشيّةَ تعضُّدِ فقدان الثّقة لدى المواطنين، كما بيّنت دراسَات ميدانية أصدرتها المندُوبية السّامية للتّخطيط.

مرّر حزب العدالة والتنمية قرارات لا شعبية خدمت السّلطوية والتحكّم، وانبنت على النيوليبرالية، التي تضرّرت منها مختلف الشّرائح المجتمعية، بما فيها الطّبقة المتوسّطة.

… “هي دراسات مُذهلة بأرقامها المخيفة: 70% لا يثقون في العمل السياسي، و5% فقط من يؤمنون بالعمل الحزبي”، بحسب تعليق عبد الرحيم التوراني.

مما يورده التوراني، الكاتب والمتتبع للشؤون السياسية المغربية، في مقال له، أنّه بسبب قلق العزوف “بلغ الأمرُ مرة بأحد قادة الأحزاب أن طالب بفرض عقوبات مالية ضد من ينأون بأنفسهم عن الذهاب إلى مكاتب الاقتراع، حيث اقترح إدريس لشكر، الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، مبلغ 500 درهم كعقوبة مالية لـ”المتهرب” من التصويت”.

عبد الحميد بنخطّاب، أستاذ جامعي باحث في العلوم السياسية، يجدُ، في حديث له مع مرايانا، أنّ الإشكال الذي يطرحه العزوف الانتخابي والسّياسي عموماً، يتعلّق أساساً بـ”إشكال المشاركة في الانتخابات، لأنه حين لا يشارك المواطنون بكثافة، فإنّهم يتركون الفرصة لبعض الأحزاب الرّاديكالية والانتهازية أو الشّعبوية، بأن تحصل على مقاعد أكبر”.

في الأنظمة الدّيمقراطية، ليسَ هُناك تخوّفٌ، لأن الانتخابات، عندما تصير مسألة عادية وروتينية منتظمة، فإنها تجعل العديد من المواطنين لا يهتمون بها، وهذا أمر عادي، فالدول الديموقراطية لا ترزح تحتَ هوس المُشاركة في الانتخابات، بل ما يهمّها هو مضمون الانتخابات نفسها. هذا مع الإشارة إلى أن عددا من الدول الديمقراطية تعمل بمبدإ إجبارية التصويت، كبلجيكا وأستراليا واللوكسبورغ وهولندا وسويسرا.

 “المواطن أصبح يضع كل الأحزاب في كفة واحدة ويصفها جميعها بالانتهازية والوعود الكاذبة”.

في السابق، يضيفُ بنخطّاب، “كان بوسعنا أن نفترض أن لدينا كتلة ناخبة من 10 ملايين ناخب، كلما صوّت أكبرُ عدد من المُواطِنين إلاّ وكانت قدرةُ هذه الأحزاب ذات المَرجِعيات السّياسية الدّينية على اكتِساح صناديق الاقتِراع قليلة وضئيلة، وكلما كان العُزوف أكبر كَان العكس، ولو أنّ هذا الأمر ليس مطروحا بقوة بعد اعتماد القاسم الانتخابي، لكن العزوف لازال يطرح مشكلاً”….

ما يمكنُ أن يضاعف من العزوف هذه السنة، هو غياب الإبداع على المستوى الخطاب السياسي، كما يقول سعيد بنكراد، فالأحزاب ستكون مطالبة بتكييف برامجها مع النّموذج التنموي الجديد.

إضافةً إلى خوض غمار الانتخابات من طرف نفس الوجوه، وبنفس الشّعارات.

أحزابٌ “مَخصيّةٌ!”

بحسب متتبعين، فإن المشهد السّياسي المغربي يتّسم بنَوع من “البَلقنة السياسية”، إذ يتكون المشهد من أكثر من ثلاثين حزباً، أغلبها لا يبرز إلاّ في فترة الانتخابات، ما جعل الكثيرين يصفونها بـ”الدكاكين الحزبية”، التي لا تفتح أبوابها إلى حين الاستحقاقات.

أيضا… أدى فشل الأحزاب في القيام بدور الوساطة، فيما يتعلّقُ بالحراكات الاجتماعية بالريف وجرادة وزاكورة وفيما يتّصل، كذلك، بقضايا حُرية الصّحافة والرّأي والتّعبير، أو فيما يخصّ الحريات الفردية، إلى مزيد من “الكفر” بالأحزاب.

الصحافي المهتمّ بالشّأن السياسي، عبد الرحيم التوراني، يقول في تصريح أدلى به لمرايانا إنّ سؤال الأداء الحزبي يطرح ماهية هذه الأحزاب أوّلا ومصداقيتها، بعد أن أغرقت الساحة بعدد كبير من الأحزاب التي نعرف جميعا حقيقة نشأتها.

الإشكال الذي يطرحه العزوف الانتخابي والسّياسي عموماً، يتعلّق أساساً بـ”إشكال المشاركة في الانتخابات، لأنه حين لا يشارك المواطنون بكثافة، فإنّهم يتركون الفرصة لبعض الأحزاب الرّاديكالية والانتهازية أو الشّعبوية، بأن تحصل على مقاعد أكبر”.

يجوز التذكير، حسب التوراني، بأنّ نظام الحسن الثاني، في إطار مواجهته للمعارضة، التي شعر بتهديدها أو تم تضخيم الأمور له، لجأ إلى خلق عدد من الإطارات الحزبية، بدءاً من حزب الأحرار المستقلين وجبهة “الفديك” بزعامة صديقه ومستشاره أحمد رضا اكديرة، وصولا إلى حزب التّجمع الوطني للأحرار الذي أوكل مهمة تأسيسه لصهره ووزيره الأول أحمد عصمان، وحزب الاتحاد الدستوري الذي عين على رأسه اتحاديا سابقا هو المعطي بوعبيد.

يضيفُ المتحدّث أنّ الآلية المخزنية لم تتوقف في صناعة وخلق الأحزاب، التي سرعان ما كانت تحصل على الأغلبية، مثل حزب الاتحاد الدستوري الذي حصد الأغلبية في انتخابات 1983 بعد ثلاثة أشهر فقط من نشوئه، حتى سمي بـ”حزب الكوكوت مينوت” (طنجرة الضغط).

ما وصلنا إليه اليوم، وهو أمر يستدعي كثيراً من التأمل، أن المواطن أصبح “يضع كل الأحزاب في كفة واحدة ويصفها جميعها بالانتهازية والوعود الكاذبة”.

لعلّ الأمر لم يختلف مع العهد الجديد، بتأسيس حزب الأصالة والمعاصرة، إضافة إلى اختراق الأحزاب والتدخل في شؤونها الداخلية وفرض من يكون على رأسها، وتحول توجهات ومواقف بعض الأحزاب بدرجة 180 إن لم يكن ضعف هذه الدرجة، يقول التوراني.

“من لا يرى في المشاركة أو المقاطعة إلا حزب العدالة والتنمية، فذلك دليل على مدى إدراكه المزيف للواقع السياسي”.

كل ذلك ساهم في تمييع العمل السياسي وضرب مصداقيته، ما أدى إلى فقدان الثقة الشعبية وسقوط المشهد الحزبي الذي يصعب تصحيحه بسرعة، وفي هذا ضرر بالغ بأوضاع البلد ويسيء عموماً إلى المستقبل، يختمُ عبد الرحيم التوراني تصريحه لمرايانا.

فهل ما جئنا على ذكره هو ما دفع والي بنك المغرب لوصف الأحزاب بـ”الباكور والزعتر”؟ وما الذي يقصده تحديداً بهذا الوصف القاسي في حقّ الظاهرة الحزبية؟

هذا ما سنحاول الرد عنهُ في الجزء الثالث من هذا الملف.

مقالات قد تثير اهتمامك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *