×
×

سعيد بنگراد: إدريس الأزمي تنكّر لله ذاته ومنطق الريع شبيه بـ”كل ما من شأنه”

“سيكون من حق الأستاذ أن يطالب بتعويضات حتى لا يمنح شواهد بلا قيمة، وكذلك سيفعل المعلم والمهندس والقاضي وموظّفو البَلديات والعَمالات، وجميع العَاملين في الوظيفة العمومية وشبه العمومية. والخُلاصة، سنكون أمام ارتشاء معمم يتخذ شكل تعويضات تمنحها الدولة لسد الذّرائع واتقاء الشّبهات”

بعد الأخذ والرد الذي صاحب تصريح الأزمي، القيادي بالبيجيدي، بخصوص تعويضات وتقاعد البرلمانيين، أخضَع السيميائي المغربي، سعيد بنگراد، مقولةَ “البيليكي”، لمجهر تحليل الخطاب، فأكد أن إدريس الأزمي، “نسي في حماسته واندفاعه، إيمانه وتنكر لله ذاته، فالناس في نظره لا يعملون في سبيله، بل من أجل التعويضات في المقام الأول”، حيثُ قال الأزمي حرفياً قبل أسابيع بقبة البرلمان: “واش بغيتونا نخدمو في سبيل الله؟”

بنگراد اعتمد على السيميائيات، ودورها في كشف المتخفي والممتنع داخل الخطاب، ليبدو له أن “ما يبحثُ عنه الكثير من الفاعلين في السياسة والمنتَفعين منها هو هذا الريع بالذات، فـالامتيازات ”ثابت” من ثوابت السلطة، وهو “الرافعة” الأساسية في تدبير الكثير من شؤون الناس على المستوى الاجتماعي والسياسي، بل أصبحت كذلك عند الكثير من المؤسسات التي ظلت لفترة طويلة متمنعة عن إغراءاتها في المال والجاه”.

سعيد بنكراد

لدحض أطروحة الأزمي، ربط بنگراد ذلك بتصريح سابق للأخير، ليبرز أن “ما يجعلُ الرّيع في سياقنا هذا مجرد علاوة عابرة يمكن التصدي لها بسهولة، أن ما جاء في هذا التصريح يستند إلى مبدأ آخر للتعويضات يشمل أخلاق هؤلاء المنتخبين ومن شابههم في المهام والوظائف. فهو يَفْصل بالقطع بين الريع، باعتباره امتيازا يتمتع به مجموعة من المرتبطين بالسلطة أو دوائرها، وبين ما يمكن أن يصنف ضمن “سد الذرائع واتقاء الشبهات”، كما هو معروف في المذهب المالكي”.

اقرأ أيضا: البيجيدي والبيليكي والتّيمْشخي

عمّق بنگراد التوضيح أن “الأول محدود في الزمان والمكان ولا يتمتع بأي غطاء إيديولوجي أو سياسي أو ديني، على الأقل بشكل شرعي وقانوني، أما الثاني فنمط قُدسي في تدبير الشأن الحياتي في كل مستوياته في السياسة والاقتصاد والاجتماع. إنه قاعدة مركزية في التصدي للمفاسد وفتح للمنافع والمصالح. فالشرع حسب هذا المبدأ لا يعاقب على الفعل وحده، بل قد يمتد عقابه إلى نوايا الفاعل أيضا”.

تابع بنگراد معتبراً، أنه “ضمن هذا المبدأ، تندرج التعويضات التي يدافع عنها السيد الأزمي. فهو لا يطالب بجزاء من يفعل ويُخْلص في فعله، فهذا الفعل له أجر ثابت، بل يدعو إلى اتقاء شرّ ما يمكن أن يصدر عن الفاعل بمنحه تعويضات تصد هذا الشر وتحمي منه”.

وتوصل السيميائي، إلى أنه “عوض أن نطلق يده بحرمانه من مضاف نقدي أو عيني، علينا أن نكبلها بالمزيد منه، فهو أساسي في الحفاظ على “الصفاء” في المعاملات بين المواطنين والسلطة، أو بين المنتخب وبين من كلفوه بتمثيلهم. ولا يتردد السيد الأزمي في إعطائنا مثالا على المنتخب المكلف بتدبير قضايا التعمير وإنشاء الوحدات السكنية. فهو قد يحصل، كما قال، على مال كثير بطرق أخرى إذا هو حُرم من التعويضات”.

اقرأ أيضا: هشام روزاق يكتب: الرعايا والرعاع. حين يختلف اللصوص… ولا يظهر المسروق

وهنا، يقول بنگراد، ينفتح باب الجحيم على مصراعيه. “فإذا كانت التعويضات طريقة في منع الناس من الترامي على المال العام أو الخاص، فسَيكُون من حقّ كُل العاملين في القطاعات الحكومية، وربما في الخاصة أيضا، المطالبة بتعويضات تحميهم من شرور أنفسهم. سيكون من حق الطبيب في المستشفيات المطالبة بتعويضات تحفزه على التفاني في عمله، ومثله سيطالب الممرض بتعويضات تقيه شر “الطلب””.

واستطرد أنهُ “سيكون من حق الأستاذ أن يطالب بتعويضات حتى لا يمنح شواهد بلا قيمة، وكذلك سيفعل المعلم والمهندس والقاضي وموظّفو البَلديات والعَمالات، وجميع العَاملين في الوظيفة العمومية وشبه العمومية. والخُلاصة، سنكون أمام ارتشاء معمم يتخذ شكل تعويضات تمنحها الدولة لسد الذّرائع واتقاء الشّبهات”.

وسيكون الشعب، وفق مخلصات الكاتب، مضطرا لدفع الرشوة لكل موظفيه، الفاسدين منهم والشرفاء، حتى يتقي شرهم. فالنفس أمارة بالسوء، وقد لا تستطيع القوانين صدها عن غيها. يتعلق الأمر بإضفاء شرعية على كل الممارسات التي ظل الناس يحاربونها دون طائل.

ويعتقد سعيد بنگراد أن هذا المبدأ لا يختلفُ “في حقيقته عن المبدأ الجنائي الشهير ” كل ما من شأنه”. فهذا المبدأ أيضا لا يعاقب على الفعل وحده، بل يعاقب على كل ما يمكن أن يقود إلى فعل يُحاسب عليه القانون أو يحتمل أن يكون كذلك. لا يتعلق الأمر فقط بالنوايا، بل بمنطق السلوك الإنساني وتداعياته.”

ولم يتوقف السيميائي عند هذا الحد، بل ذهب إلى أن التجمعات في سنوات خلت كانت تقع تحت طائلة القانون، “فمن شأنها أن تقود الناس إلى التظاهر. ولا يمكن للناس أن يتذمروا كثيرا فالتذمر قد يتحول إلى نقد صريح وقد يتحول هذا النقد إلى معارضة تقف في وجه السلطة وتطالب بإسقاطها”.

ليخلص أن “هناكَ نوعا من التّوازي بين “الأمن السياسي”، الذي لا يحاسب على الفعل وحده، بل على ما يمكن أن يؤدي إليه حقيقة أو افتراضا أيضاً، وبين “الأمن الأخلاقي” الذي يستمد مضمونه من قاعدة فقهية تُطَبق وفق ما يريده المشرع لا ما يريده النص حقا”.

اقرأ أيضا: هشام روزاق يكتب: الديبخشي: حين يجوع الثعبان… يأكل نفسه !

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *