×
×

استحقاقات 2021 تحت مجهر مرايانا: حملات انتخابية سابقة لأوانها… ومُطعّمة بـ”الولائم” والتّرحال! 1\4

ما تسجّله مرايانا أثناء إعداد هذا الملف، أنّ الوليمة باتت آلية للمزايدة والتدافع السياسيين، فها هو عبد العالي حامي الدين، العضو القيادي بالعدالة والتنمية، يعتبرُ، في كلمة ألقاها يوم الخميس 8 يوليوز 2021 أمام ساكنة جماعة قروية بسيدي قاسم، أنّ انتصار حزبه أخلاقياً راجعٌ إلى قطيعَته المَبدئِية مع الوَليمة، وهو ما يقوله كثير من قادة ومسؤولي أحزاب أخرى، وإن كان القول في الغالب، لا يوافق الفعل.

في العادة، يعكس الإعلام درجة حرارة الحملات الانتخابية، ومدى تفاعل الناس/الناخبين معها. الذي يتابع الاستعدادات لبدء الحملة الانتخابية لاقتراع شتنبر المقبل، لابد أنه سيشعر بـ… كثير من البرد.

تداعيات كورونا، مصاريف عيد الأضحى والدخول المدرسي، الوضعية الاقتصادية الصعبة التي خلفتها الجائحة… حتى فوز الرجاء بكأس الاتحاد الإفريقي والوداد بالبطولة الوطنية، تبدو مواضيع أكثر أهمية وإثارة، مقارنة مع انتخابات صارت أسماء الأشخاص فيها، أهم من أسماء الأحزاب… ومن الانتخابات نفسها.

درجة الحرارة الوحيدة التي نستطيع أن نلمسها، ونحن على بعد أسابيع من الانتخابات، هي تلك الآلة الإعلامية التي تتحرك بكثير من غرابة… كي تزَوِّر بعضا من أرقام المحرار لفائدة زعيم حزب “الأحرار”.

يكفي أن يجتمع أخنوش بحفنة مواطنين، أو يطلق كلمة بمناسبة أو غيرها، حتى يسارع البعض لإقحامها عنوة، في معركة انتخابية … لا أحد غيرهم يعلم بوجودها أصلا.

هي في النهاية، حكاية حملة انتخابية، عنوانها الأشخاص… أشخاص من طينة خاصة.

بين أخنوشوالعثماني، لشكرونزار بركة، منيب ووهبي… تتناسل أسماء الأشخاص ليتأكد غياب معنى الحزب، وتصير البرامج الانتخابية، مجرد كتابة على لوح ثلج… في فصل صيف.

مع صدور ما سمي بتقرير النموذج التنموي الجديد، كان الكثيرون قد فهموا أن البرامج الانتخابية الحزبية، صارت مجرد مرادف لوهم… قلنا حينها في مرايانا، “كفانا الله شر الانتخابات”، وقال نجيب أقصبي: “النموذج التنموي ضرب لجوهر العملية الانتخابية”…لكن…

يبدو أننا كنا متفائلين أكثر من اللازم… كنا نعتقد، على الأقل، أن البرامج ستغيب، وأن النقاش سينصب على الأشخاص… لم نتوقع أن النقاش اليوم، سيتركز على الأعيان وحرفيي الانتخابات، وعلى حروب الاستقطابات التي تدور رحاها في ما يشبه “سوق دلالة مغربي”… البقاء فيه، للذي يدفع أكثر.  

ومن الواضح أنّ الدّيمقراطية في البداية، تعني الأحزاب أساسا، فهل أحزابنا الوطنية على أتمّ الاستعداد لخوض غمار الاستِحقاقات المقبلة بكلّ “ديمُقراطية”؟

الحقّ أنّ الحملات الانتخابية، وفق باحثين تحدّثوا لمرايانا، انطلقت في وقتٍ يسجّلُ فيه المغرب ضعف النقاش السياسي، وخفوت صوت المثقفين وبعضِ السياسيين والمحللين والخبراء، الذين انزوى كثير منهم إلى الهامش ليتفرّج على “اللعبة” من الخارج. هذا الأمر سمح باستئساد النقاشات التسطيحية، وبموجبها، تم حَصر عملية الاستحقاقات في غاية وحيدة: محاصرة الإسلاميين ومنعهم من تصدّر صنادِيق الاقتراع!

بعض المرشحين الكبار يعملون على إبراز الكرم والصلة بالناخبين، وتحسيسهم بأنهم منهم وإليهم، من خلال تنظيم ولائم كبيرة تقدم فيها الأطباق اللذيذة وأصناف الأكل الوفير واللحوم، وأحيانا الخراف المشوّية. في نهاية الوليمة، يتفق الحاضرون على التصويت للمرشح صاحب الوليمة؛ وقد يحصل هذا عن طريق القسم على المصحف

في هذا الصدد، يجوز التساؤل كيف ستقام الانتخابات أمام كلّ هذه الأفكار الكافرة بالأحزاب المغربية؟ وهل ستكون لهذه الانتخابات، في ظل هذا الغموض، فرصة لإقناع مغاربة الافتراضي “النّافرين” من جدوى العملية الانتخابية؟

… بين كل المواقف المطروحة، تقدم مرايانا في هذا الملف مُتابعة لحملة انتخابية وصفها البعض بـ”السّابقة لأوانها”.

في قِيمة “الوليمة”!

في الغالب، ليس هناك مغربيّ لم يسمَع بـ“الزرقلاف” (ورقة نقدية من فئة مائتي درهم)، و”الزّردة” (الوَليمة)، وغيرها من المفاهيم التي لا تبرز بقوة إلاّ وقت الانتخابات… فما هي قيمة هذه الولائم والرشاوي على ضوء استحقاقات 2021؟

ليست انتخابات 2021 بمعزل عن الوليمة، كما يورد محللون، فقد غدَت “الزردة” كالبِنية المؤسسة للعمل الحزبي بالنسبة لبعض الأعيان خلال الحملات الانتخابية.

عبد الرحيم التوراني، الكاتب والمهتم بالشأن السياسي، يجيب على سؤال مرايانا بجدوى الولائم، قائلاً: تنظيم “الزْرُودْ” أو الولائم يدخل أساساً في الثّقافة الشّعبية، وفي نسيج العلاقات الإنسانية والاجتماعية القديمة؛ بهدف تقوية اللحمة والتماسك القبلي عن طريق تقاسم الأكل و”تشارك الطعام” بتعبيرات أخرى.

هي ممارسة، يضيف التّوراني، كانت تأخذ طابع الاحتِفال في مناسبَات عدّة، مثل الحَرث والحَصاد ومواسم الجني والقطاف… كما كان الناس ينهون خلافاتهم وخصوماتهم بالاجتماع حول الأكل وتقاسمه.

أمّا في الانتخابات، فتقدّم الوعُود مشفوعة بالأدعية الدينية عند نهاية الوليمة الانتخابية… الوازع الدّيني يحضر بقوة هنا.

من الطبيعي، في نظر المتحدث، أن تنتقل الظاهرة من البوادي والقرى إلى المدن، فسكان المدينة في الأصل أغلبهم ينحدرون من البادية، والمدن، كما هو معلوم، كبرت ونمت مع النازحين والمهاجرين القرويين المزارعين الذين تحولت أغلبيتهم إلى عمال في المصانع والموانئ.

الأحزاب المغربية، إذن، ظلت تقليدية، ولم تتخلص، بمعنى من المعاني، من نزعة القبلية ومن قيود الزوايا الصوفية، يقول التوراني.

بالنسبة للمتحدث، فإن الإشكال هو أنّ بعض المرشحين الكبار يعملون على إبراز الكرم والصلة بالناخبين، وتحسيسهم بأنهم منهم وإليهم، من خلال تنظيم ولائم كبيرة تقدم فيها الأطباق اللذيذة وأصناف الأكل الوفير واللحوم، وأحيانا الخراف المشوّية. في نهاية الوليمة، يتفق الحاضرون على التصويت للمرشح صاحب الوليمة؛ وقد يحصل هذا عن طريق القسم على المصحف.

في مختلف جهات المملكة، يراهن “حزب الحمامة” (الأحرار) ومعه “حزب الميزان” (الاستقلال) و”حزب الوردة” (الاتحاد الاشتراكي) أيضاً على الأعيان، ليقدموا “وجوههم” و”علاقاتهم” و”نفوذهم” لخوض انتخابات ليست بالعادية في السياق الحالي، بغرض اكتِساح صناديق اقتراع تلك الجِهات.

من الأمثلة التي سبق للتوراني أن ذكرها في أحد مقالاته، أنّه يقال للحاضرين: “لا تنسوا أنكم أديتم القسم وستحاسبون غداً أمام الله عز وجل إذا لم تفوا بالعهد. إن حبات الطعام الذي قدمناه لكم ستقف في مفاصل ركبكم”.

يجمل عبد الرحيم التّوراني حديثه مع مرايانا، بأنّه من المُرشّحين من يستغلّ المناسبات الاجتماعية التي تطرأ في دوائرهم إبّان فترة الحملة الانتخابية، مثل الأعرَاس والمآتم.

لكن… ما تسجّله مرايانا أثناء إعداد هذا الملف، أنّ الوليمة باتت آلية للمزايدة والتدافع السياسيين، فها هو عبد العالي حامي الدين، العضو القيادي بالعدالة والتنمية، يعتبرُ، في كلمة ألقاها يوم الخميس 8 يوليوز 2021 أمام ساكنة جماعة قروية بسيدي قاسم، أنّ “انتصار” حزبه أخلاقياً راجعٌ إلى قطيعَته المَبدئِية مع الوَليمة، وهو ما يقوله كثير من قادة ومسؤولي أحزاب أخرى، وإن كان القول في الغالب، لا يوافق الفعل.

أكثر من ذلك، هناك من المرشحين من يشجع على أخذ الرشوة وأكل الولائم، لكنه يدعو بالمقابل إلى معاقبة الفاسدين بعدم التصويت لصالحهم: خذوا الرشاوي وكلوا الولائم، لكن لا تصوتوا على هؤلاء، عاقبوهم عقابين، بأخذ مالهم ثمّ بافتضاضهم بقوّة في صَناديق الاقتراع!

كثيرون يستشهدون هنا، بالقولة الشهيرة للزعيم الراحل عبد الرحيم بوعبيد، الذي قال للمغاربة في إحدى خطاباته: “أموالهم حلال عليكم وأصواتكم حرام عليهم”.

الولادة اليَسيرة للترحال!

واضحٌ، كما يشير محلّلون سياسيون، أنّ القاسم الانتخابي، الذي تمّت المصادقة عليه الجمعة 5 مارس 2021 من طرف مجلس النّواب، رفضهُ حزب العَدالة والتّنمية، نظراً لكونِه الحزب الوحيد ذا الكتلة الناخبة القارّة، وبالتالي هو المستفيد من نمط الاقْتراع اللائحي.

حين تصوّت كتلته، التي تعادل المليون ونصف المليون، والتي قطعاً لا تمثّل كل المغاربة، فهي ترهن المشهد السياسي بحزب بعينه ليقود الحكومة. والدولة استشعرت هذا الأمر فجاءت باسِتثناءٍ لم يُوجد في القواميس السّياسية من قبل… وذاك الاستثناء ليس إلاّ القاسم الانتخابي!

يجوز التساؤل: أليس القاسِم الانتخابي في العمق ضربٌ في جوهر اللعبة الدّيمقراطية؟

يجيبُ عبد الكبير بنخطاب، أستاذ جامعي باحث في العلوم السّياسية، بأنّ هذا “حكم قيمة ليس بعلمي، لأنه، أولاً، من الناحية الدستورية ليس هناك ما يمنع البرلمان من أن يحدد قاسماً إنتخابياً. ثانياً، نحن نعلم أنّه تم تمريره من قبل مجموعة أغلبية برلمانية ومن ثمة ليس هناك ما يطعن في شرعيته ومشروعيته. بالتالي، فهو ليس ذبحاً للديمقراطية”.

لكنّ اعتماد القاسم الانتخابي، الذي يرادُ له أن يحسم مع نمط الاقتراع اللائحي على أساس المصوتين، ويلجأ إلى عدد المسجلين، قد ساهم بشكل مفصليّ في تنامي التّرحال السّياسي من حِزب لآخر لضمان أعداد مهمة من التمثيل الجهوي للأحزاب، دون الأخذ بعين الاعتبار لمبدأ منح “التزكية” على أساس الكفاءة والشفافية والمصداقية والنزاهة، وفق عبد الكبير بنخطاب، الباحث في العلوم السياسية، في تصريحه لـ”مرايانا”.

ليس الترحال ابناً شرعياً للقاسم الانتخابي ابتداءً، وهو لم يتمخّض عنه حتى. إذ سبق وبينت مرايانا كيف احتكمت الأحزاب المغربية لـ”الميركاتو السياسي”، وهي محكومة بهواجِس 2021.

في وقتٍ يطرحُ فيهِ حِزب التّجمع الوَطني للأحرار نفسهُ بديلاً مُنتظراً للإسْلامِيين، شهدَ حزب الحَمامة موجةً استقطاب عارمة “للنخب” الحزبية الأخرى.

الأعيان الذين استقطبهم حزب الأحرار كثر، وتناقلتهم وسائل الإعلام الوطنية بإسهاب. لكنّ آخر نموذج هو مغادرة رئيس المجلس الإقليمي لمدينة الجديدة، محمد الزاهيدي، صفوف حزب الأصالة والمعاصرة، والتوجه إلى “حزب الحمامة” والترشح باسمه في الاستحقاقات الانتخابية المرتقب إجراؤها في شتنبر المقبل.

طبعاً، لا يتعلّق الأمر بالزاهيدي حصراً، وإنما حتى رئيس جماعة الحوزية التّابعة للإقليم ذاته، مصطفى الصافي، طلّق “حزب الجرار” (الأصالة والمعاصرة)، ومعه كذلكَ مصطفى السعتي، الرئيس السابق لجماعة المهارزة الساحل، لينضويا تحت أجنحة “الحمامة”.

في مختلف جهات المملكة، يراهن “حزب الحمامة” (الأحرار) ومعه “حزب الميزان” (الاستقلال) و”حزب الوردة” (الاتحاد الاشتراكي) أيضاً على الأعيان، ليقدموا “وجوههم” و”علاقاتهم” و”نفوذهم” لخوض انتخابات ليست بالعادية في السياق الحالي، بغرض اكتِساح صناديق اقتراع تلك الجِهات.

الحملات الانتخابية انطلقت في وقتٍ يسجّلُ فيه المغرب ضعف النقاش السياسي، وخفوت صوت المثقفين وبعضِ السياسيين والمحللين والخبراء، الذين انزوى كثير منهم إلى الهامش ليتفرّج على “اللعبة” من الخارج… هذا الأمر سمح باستئساد النقاشات التسطيحية، وبموجبها، تم حَصر عملية الاستحقاقات في غاية وحيدة: محاصرة الإسلاميين من تصدّر صنادِيق الاقتراع!

لكنّ التّرحال، في كل الأحوال، لم يكن رحيماً بالأحزَاب ولا بـ”أيديولوجيتها” ولا حتى بـ”برنامجها” الانتِخابي؛ لأن التّرحال السياسي يؤثر على مصدَاقية العمل الحِزبي ويؤثر على قُدرة الناخبين في التعبير عن رغبة سياسية منسجمة مع برنامج حزبي دون آخر، كما يقول عبد الكبير بنخطاب.

عادةً، لا يطرح التّرحال إشكالاً من النّاحية القانونية، لكنه يطرحها على المستوى المبدئي، حين يجعلُ العملية الانتخابية عملية تجارية، يلجأ المترشّح بناء على صفقتها، للحزب الذي يقدم “عرضاً” أقوى، ولو على حِساب التّمثلات الأيديولوجية والحَساسيات السِّياسية المؤسّسة لكلّ حِزب.

… ألا يمكنُ اعتبار كل هذه الأمور، مؤشرات واقعية على ضعف الظّاهرة الحزبية بالمغرب؟ وأليس ذلك ما يساهم بالتّبع في ثبات شبح العُزوف؟

أسئلة نحاول الإجابة عنها في الجزء الثاني.

مقالات قد تثير اهتمامك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *