×
×

انتخابات 2021 والتّشبيب “المفترى عليه” !

واهمٌ من يعتقِد أن حزباً سياسياً لجأ إلى الشباب كاستجابة لدَعوة ظلت مرفُوعة. الأحزاب الصغيرة التي لا تستطيع استقطاب الأعيان والكائنات الانتخابية، تلجأ إلى الشّباب لملء الفَراغ؛ بينَما الأحزاب الكَبيرة، فنِسبة الشّباب المرشّح باسمها تكونُ قليلة…

قبل أيام، دُقّت طبول بداية الحملة الانتخابية بين الأحزاب السياسية استعداداً لاستحقاقات 2021.

هو، بلا شكّ، موعد عمليّ وروتينيّ يضربُ للمواطنين بالمغرب كلّ خمس سنوات. لكن هذه السّنة مختلفة قطعاً عن سابقاتها.

هذه الاستحقاقات استثنائية لأنّ أحد عناوينها الكبرى هو “الشّباب”… فهل خضعت الأحزاب أخيراً لمطلبٍ ظلّ في الأفق منذُ عقدين تقريباً؟ وهل يجوز باسم “التشبيب” تزكيةُ أشخاص تنعدِم فيهم الكَفاءة والتّجربة السّياسيتين؟

هذا ما تسعى مرايانا إلى التقاطه.

التشبيب… سؤال المصداقية!

في تصريح لمرايانا، يقول الحقوقي والمتتبع للشأن السياسي، عبد الواحد رشيدي، إنّه لو كان التشبيب الذي تابعناه مؤخراً في الحملات الانتخابية، شعارا صادقا، لطال قيادات الأحزاب السياسية. ألا نرى مثلاً أن أكبر الانشقاقات الحزبية كان من ورائها شباب؟ لماذا؟ لأنهم يجدون أنفسهم مهمشين في كل ما يتعلق باتخاذ القرار الحِزبي!

 بعض الأحزاب فهمت التشبيب على نحو عائلي، وبناء على آصرة القرابة، حيثُ يرشّح الأمين العام للحزب أو المنسق الجهوي للحزب أبناءه وبناته وأصهاره، وهو ما تمخض عنه، في عدة تجارب، توريث الدائرة أو الجهة للابن أو الابنة، ناهيك عن تقديم فرصة الترشح بناء على الزبونية والمحسوبية، وهو ما أفقد هذا التشبيب قيمته الواقعية.

الحال أن الأحزاب، أمام الانشقاقات المتوالية، فقدت قواعدها الاجتماعية، وهجر الكثيرون العمل السياسي منذ مدة. عند الانتخابات، تجد الأحزاب نفسها بدون عنصر بشري كاف لتغطية كل الدوائر أو جلّها، فتلجأ إلى ملء لوائحها بأفراد العائلات وبأصدقاء “الحومة”، وبكل من يسَاعدها على ملء الفراغ؛ وهذه المرة، توجهت إلى الشباب لمغازلة مطلب كان قائماً ويُردد في كلّ عملية انتخابية.

في الغالب الأعم، يضيفُ رشيدي، لا يكون هؤلاء مناضلين في الحزب ولا وضعوا يوماً رجلاً في مقراته ولا عاشوا ضمن شبيبته، ناهيك عن الجهل بأيديولوجيته؛ وهو ما يجعلنا نسلّم أن وجود شباب في اللوائح الانتخابية لا يدلّ على “تشبيب” فعلي، بقدرِ ما يعني ملء الفَراغ!

في ذات منحى رشيدي، هناك من يرى أنه لو كان هناك تشبيب حقا، لرأينا القائمين على الأحزاب تراهن على استقطاب الشباب للانضمام للحزب والدعوة إليه، وليس فقط منحه فرصة دخول اللعبة الانتخابية دون تأطير مسبق؛ فهذه الآلية، في النهاية، تجعل التشبيب رهانا “انتخابويا” وموسميا، وليس تشبيباً للأحزاب ولا للعمل السياسي في شموليته.

كما ثمّة من الملاحظين، على غرار المتتبّع للشأن السّياسي، المغربي عثمان عشقي، من يذهبُ إلى أنّ تقديم وجوه شابّة في هذه الحملة، يعدّ مغازلة للجماهير الشبابية النافرة من العمل السياسي، والتي كانت العنوان الأكبر للعزُوف بالمغرب، خصوصاً بعد إلغاء اللائحة الوطنية للشباب وما خلّفه ذلك من إحباط على مستوى الهيئات المدنية الشّبابية.

عشقي، في حديثه مع مرايانا، يقول إنّ بعض الأحزاب اليسارية، مثل فدرالية اليسار الديمقراطي والحزب الاشتراكي الموحد، قدّمت وجوهاً شابّة على رأس اللوائح، وهم شباب خبروا العمل السياسي وتدرّجوا فيه.

لا يمكنُ، وفق عشقي، إنكار وجود قيادات شابّة تريد التّعبير عن مطالب شبابية فعلاً، لكنّ طبيعة العمل السياسي النفعية، لا تشير إلى أن الأحزاب تريد الدفع بالشباب إلى تحمّل المسؤولية وتدبير الشأن العام والمحلي أو الجهوي.

التّشبيب وإشكال الكفاءة

حين برز نقاش التشبيب إلى الواجهة، طفا إلى السطح سؤال جوهري يتعلّق بالكفَاءة. ما المقصود بالكفاءة أصلاً حين يتّصل الأمر بالعمل السياسي؟ هل هي الكفاءة السياسية أو المهنية أو هما معاً؟ وهل يمكنُ تحصيل الكفاءة السياسية دون المرور من تجارب حزبية؟

بالعودة إلى الدّستور المغربي، نجد أن الفصل 30 ينصّ على ما يلي: “لكل مواطنة ومواطن الحق في التصويت، وفي الترشح للانتخابات، شرط بلوغ سن الرشد القانونية، والتمتع بالحقوق المدنية والسياسية. وينص القانون على مقتضيات من شأنها تشجيع تكافؤ الفرص بين النساء والرجال في ولوج الوظائف الانتخابية”.

يستدلّ أستاذ القانون والعلوم السياسية، الصوصي العلوي عبد الكبير، بهذا الفصل الذي يبرز أنّ الدستور لا يتضمن أي شرطُ يتعلق بالكفاءة والتّجربة السياسيتين، وإنما يشترط فقط ألاّ يكون المواطن محروماً من الأهلية الانتخابية.

لكن الصوصي في تواصله مع مرايانا يتساءل: هل من هبّ ودب يمكنُ أن يصبحَ مدبّرا للشّأن العام باسم الشّباب والتشبيب؟

هذا سؤال عريض يستحق الطرح، والطرف الوحيد المخوّل للإجَابة عنهُ، هو الأحزاب السّياسية، التي عليها أن تشرح للمواطنين ميكانِزمات اختيار مرشّحيها والضوابط الصارمة والمحددة لكل اختيار، يقول الصوصي.

لو كان هناك تشبيب حقا، لرأينا القائمين على الأحزاب تراهن على استقطاب الشباب للانضمام للحزب والدعوة إليه، وليس فقط منحه فرصة دخول اللعبة الانتخابية دون تأطير مسبق؛ فهذه الآلية، في النهاية، تجعل التشبيب رهانا “انتخابويا” وموسميا، وليس تشبيباً للأحزاب ولا للعمل السياسي في شموليته.

الواقع أنّ الأحزاب السياسية، يضيف المتحدث، يهمّها المقعد، وتتعامل مع الانتخابات على نحو براغماتي. لذلك، يهمّها، بالتّبعية، المرشح الذي له علاقات وله كتلة ناخبة مهمة في دائرته المحلية أو البرلمانية أو الجهوية.

واهمٌ من يعتقِد أن حزباً سياسياً لجأ إلى الشباب كاستجابة لدَعوة ظلت مرفُوعة. الأحزاب الصغيرة التي لا تستطيع استقطاب الأعيان والكائنات الانتخابية، تلجأ إلى الشّباب لملء الفَراغ؛ بينَما الأحزاب الكَبيرة، فنِسبة الشّباب المرشّح باسمها تكونُ قليلة.

من اختلالات ترشيح الشباب التي يوردها الصوصي، أنّ بعض الأحزاب رشّحت شباباً بشكل نضالي، إذ بالنسبة للدوائر التي يُنتخب أعضاؤها عبر الاقتراع باللائحة، يلاحظ أن الشباب يوضع في ذيل الترتيب، فقط لكي يتمّ قبول اللائحة شكلاً من طرف السّلطات المختصّة.

كتفصيل، يقول المتحدّث إنه، مثلاً، في حال كان عدد أعضاء الجماعة 30، فالثلث يكون مخصصا للنّساء والثّلثين مخصصان للرجال والنساء، واللوائح المنتشرة اليوم في الفضاء العمومي والافتراضي، تبين أن الشّباب يقف في نهاية “الطابور الانتخابي”.

الأخطر في كلّ الحكاية، أنّ بعض الأحزاب فهمت التشبيب على نحو عائلي، وبناء على آصرة القرابة، حيثُ يرشّح الأمين العام للحزب أو المنسق الجهوي للحزب أبناءه وبناته وأصهاره، وهو ما تمخض عنه، في عدة تجارب، توريث الدائرة أو الجهة للابن أو الابنة، ناهيك عن تقديم فرصة الترشح بناء على الزبونية والمحسوبية، وهو ما أفقد هذا التشبيب قيمته الواقعية.

في النهاية، لم يكن ترشّح الكثير من الشباب، وفق متتبعين، سوى تعبيرا آخر من تعابير الريع السياسي…

ريع… يسيء إلى شعار التشبيب وإلى الديمقراطية الداخلية للأحزاب السياسية المغربية.

الواقع أنّ هذا التشبيب، الذي أفرجت عنه الحملة الانتخابية، يبقى معيوباً وناقصاً، لكون التّشبيب الحقيقيّ هو ضخّ دماء جديدة في العمل الحزبي وبذل مجهود مضاعف لاستقطاب الشباب وجعله مؤمنا بالعمل السياسي ومنخرطاً فيه بشكل فعال.

لكن، هل يمكن أن نرى وجوها شابّة تقود الأحزاب السّياسية قريباً؟

المؤشرات تقول إن الأمر مستبعد، مع أنه ممكن!

مقالات قد تثير اهتمامك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *