×
×

اليسار بعد انتخابات 2021… في الحاجة الملحة إلى النقد الذاتي! 2\2

بكل بساطة، ألا يمكن التفكير في تنظيمات يسارية منسجمة، وأساسا… قادرة على الخروج من جلباب الماضي، والتوجه نحو كيانات سياسية مؤمنة بالواقعية السياسية، عوض العيش على أحلام الماضي، وأوهام مستقبل لم يعد فيه لزخم ستينات وسبعينات القرن الماضي مكان؟

تابعنا في الجزء الأول كيف أثر انسحاب نبيلة منيب من فيدرالية اليسار، والتقدم للانتخابات بشكل منفرد تحت مظلة اليسار الموحد، على نتائج التنظيمين، وخفوت صوت اليسار في المؤسسة النيابية.

في هذا الجزء، نعاين حاجة مكونات اليسار إلى النقد الذاتي، لتقييم التجربة وتقويمها، والقيام بتشخيص دقيق لشتى أعراض الداء، الذي يجثم على جسد اليسار بالمغرب.

في ظل الانقسام الذي حدث، لم تستطع لا فيدرالية اليسار ولا الاشتراكي الموحد زعزعة الوضع المنذور للشعبوية والخطابات المنبنية على العواطف ومغازلة أهواء الجماهير الشعبية، ولم يستطيعوا مناكفة الممارسات المحكومة بمنطق المال وغيرها…

فهل سيتجاوز المستقبل عن هذا الشتات الذي أنهك تجربة اليسار الجديد بالمغرب؟

في الحاجة إلى النقد الذاتي

يقول علي بوطوالة، الكاتب الوطني لحزب الطليعة الديمقراطي، إنّ النقد الذاتي بند من بنود قوانين أحزابنا الداخلية، والمفروض أن يحرص الجميع على تفعيله لتجاوز الأخطاء وتصحيح الاختلالات التي كشفت عنها الممارسة، ولكن النقد الذاتي يمارس داخل الهيئات المسؤولة، وليس جلدا للذات أو موضة للتباهي.

“من يراهن على الانتخابات، يراهن على الوهم دون الاستفادة من التجربة التي أودت باليسار إلى هذا الدرك الأسفل من السياسة، والأخلاق أيضاً”.

باقتضاب، يشبه بوطوالة، أثناء حديثه لمرايانا، القيادة السياسية بعملية السّياقة، حيثُ لا يمكنُ أن تقود وأنت تنظر إلى الوراء باستمرار.

بينما يرى الكاتب عبد الرحيم التوراني أنّه، في ظل غياب نقد ذاتي موضوعي يقيّم التجربة، فإن النتائج الضعيفة التي حصدها اليسار بفريقيه، الاشتراكي الموحد واليسار الفيدرالي، جد متوقعة.

أمام هذه النتائج وفوز نبيلة منيب بمقعد دون فريق برلماني، فإن الأمينة العام لليسار الاشتراكي الموحد ستمثل التوت المزين للتورتة، ورأيا مختلفا لا يعزف على نفس النغمة، يضيف التوراني في تواصله مع مرايانا.

بشكل ما، لقد بدا للحاكمين، يقول المتحدث، أن مثل نبيلة منيب ضروري، وقد لجأوا إليها خارج المواقع في تشكيلة الوفد الذي سافر إلى السويد من أجل إقناعهم بعدالة الموقف المغربي في قضية الصحراء المغربية، في الوقت الذي رفض فيه الكاتب الوطني لحزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي حينها، عبد الرحمان بنعمرو، أن تتم مخاطبته من طرف وزارة الداخلية في الموضوع.

كعضو في ائتلاف فيدرالية اليسار، يشاطر منعم أوحتي التوراني نفس الرأي، معتبرا أن هناك عوامل موضوعية خارجية تسعى لإعاقة بناء يسار قوي، لكن ستكون فيدرالية اليسار والاشتراكي الموحد كالنعامة التي تحشر رأسها في الرمل إذا لم تقم بافتحاص واع للذات، فلا يمكن أن يعيش اليسار بدون عملية النقد البناء، والذي يعتبر عملية تراكمية وديمقراطية لتطوير ذاته.

لكن، يوضح أوحتي في حديثه مع مرايانا، هناك فرق كبير بين النقد كآلية إيجابية لتقدم اليسار، وبين جلد الذات والزعماتية، كعملية سلبية لا تؤدي إلا للتآكل الداخلي.

لذلك، ما يحتاجه اليسار حاليا، في تمثل عضو الكتابة الوطنية لحزب الطليعة، وابتداء من مشروع اندماج فيدرالية اليسار، هو فتح ورش داخلي يقوم على رافعتين أساسيتين، حيثُ الأولى تتعلّق بإعادة بناء سليم للتّنظيم القاعدي المحلي في المناطق والأحياء، والقطاعات المهنية والشبابية والنسائية… بالإضافة إلى توسيع الأذرع الموازية، الجمعوية والمدنية لفيدرالية اليسار في كل ربوع المغرب، بحيث تتحول سلطة القرار من المركز والتمركز، إلى القوة المحلية والجهوية الفعالة، باحترام تام لقواعد الديمقراطية الداخلية، والنقد والنقد الذاتي وتفعيل آليات المحاسبة.

كما يرى المتحدث أنه لم يعد هناك مجال لوجود تيارات تستند على المحاصصة وصراع المجموعات المغلقة والأوراق المبعثرة دون سند الامتداد المجتمعي، لأن التيارات الحقيقية، يجب أن يكون لها امتداد قطاعي وفي نسيج المجتمع لتمتلك القدرة على المطالبة بنسبية التمثيل في الأجهزة، كأن يكون لك مثلا تيار جارف للأطباء أو مهني الصيد أو جمعيات القرب…

حين ذلك يمكنها المطالبة بنسبة تمثيلية لتيار الدينامية المجتمعية التي يمثلها هذا العمق الجماهيري، لأن التنظيم السليم يفتح النقاش الداخلي أمام كل التصورات والأوراق والحساسيات، لكن لحظة حسم القرار أو الفكرة، يصبح التنفيذ جماعيا وتنتفي بعد ذلك كل حلقيات “الجْمَيْعَات” الأولى.

أما الرافعة الثانية التي يقدمها القيادي بحزب الرسالة، فهي أن فيدرالية اليسار عليها أن تفتح ورشا فكريا حقيقيا يرمي إلى تجديد الفكر التقدمي، وتحيين النظرية الاشتراكية بتبييئها.

بالنسبة لأوحتي، فإن الأسس الكبرى لعدالة هذه الرافعة وأهدافها الإنسانية والأممية في الدفاع عن الكرامة البشرية تبقى قائمة؛ لكن آليات تنزيلها في نسيج المجتمع المغربي تحتاج لكثير من الجهد والاجتهاد، لأن أزمة كورونا عرت توحش رأس المال في التعاطي مع القضايا الاجتماعية.

الأزمة أظهرت بجلاء، حسب أوحتي، التفاوتات الطبقية الصارخة، لكن فترة الخصب المتاحة حاليا لليسار لم تجد تنظيمات قوية، قادرة على انتزاع فرض ذاتها كبديل جماهيري ونيابي.

لهذا، فتدقيق الجانب الفكري والنظري، كسند مرجعي متجدر ومتجدد وواقعي، سيكون أولوية في المشروع الاندماجي لفيدرالية اليسار الذي تتجه صوبه… بنقد هادئ وبناء لمسار حركة اليسار بالمغرب وبتأسيس جديد لحركة اليسار المغربي.

اليسار الوحدوي… ما بعد الهزيمة!

يقول اليساري والحقوقي عبد الواحد رشيدي: لا مجال لإحياء اليسار إلا بالابتعاد عن الشبهات القاتلة، وأكبر شبهة… الانتخابات!

رشيدي يقصد في تدوينته أنّ الأمر سيستلزم العودة إلى الشعب والتغلغل في القواعد الاجتماعية؛ وبديهي أن القيادات اليسارية، التي وصَفها بالمُمخزنة أو التي في طريقها إلى التّمخزن، لا تستطيع ذلك.

هناك عوامل موضوعية خارجية تسعى لإعاقة بناء يسار قوي، لكن ستكون فيدرالية اليسار والاشتراكي الموحد كالنعامة التي تحشر رأسها في الرمل إذا لم تقم بافتحاص واع للذات، فلا يمكن أن يعيش اليسار بدون عملية النقد البناء، والذي يعتبر عملية تراكمية وديمقراطية لتطوير ذاته.

بالنّسبة للحقوقي، يلزمنا جيل إلى جيلين لتخليص الفِكرة اليسارية من براثن المَخزن ومن الوصوليين.

من يراهن على الانتخابات، يراهن على الوهم دون الاستفادة من التجربة التي أودت باليسار إلى هذا الدرك الأسفل من السياسة، والأخلاق أيضاً، يقول رشيدي.

من جهة أخرى، يرى منعم أوحتي أنه لا يمكن الحديث عن هزيمة أو تراجع في نتائج اليسار على ضوء الانتخابات، بل عن انحصار مزمن، بحيث بقي حجم النتائج لا يواكب مطامح توسيع تمثيلية اليسَار في البرلمان والجماعات التّرابية، وهذا راجع بالأساس لعدم انسجام الكتلة الناخبة لليسار، والتي يغلب عليها العزوف عن التسجيل في اللوائح الانتخابية وكذا التصويت، وهي كتلة انتخابية مهمة جدا وحاسمة في النتائج.

للتدقيق، يوضح المتحدث لمرايانا، أنّ العزوف غير المقاطعة الواعية، لأن العزوف الذي ينقص أصوات اليسار بشكل مهول، متعلق أساساً بمزاج عام يتلخص في أن المواطنات والمواطنين لا يثقون بفعالية أصواتهم في تغيير الأوضاع واختيار من سيمثلهم نيابيا، ناهيك عن التعاطي السلبي لوزارة الداخلية مع مذكرة فيدرالية اليسار التي بعثتها حول شروط انتخابات نزيهة بالمغرب.

من بين هذه الشروط التي يعددها أوحتي، ضرورة إنشاء هيئة مستقلة تشرف على الانتخابات. إضافة إلى التصويت الأوتوماتيكي بالبطاقة الوطنية لكل البالغين سن التّصويت؛ وهو ما رُفض من أجهزة الدولة لمزيد من التحكم في الخريطة الانتخابية، ومخافة أي شفافية في تدبير العملية.

يختم منعم أوحتي حديثه مع مرايانا قائلاً: يا للغرابة أننا لم نسمع أنّ الداخلية فتحت تحقيقا في الفيديوهات والتسريبات الصوتية والوثائق التي تغزو فضاءات التواصل الاجتماعي حول الفساد الفاضح الذي عم العديد من مناطق المغرب، والذي تضرّرت منه فيدرالية اليسار بشكل كبير.

في النهاية، هل يحتاج اليسار الوحدوي اليوم إلى مرحلة نقد ذاتي جدية، وإلى توحيد صفوف اليسار، والاندماج تحت يافطة تنظيم يساري واحد؟

أم، بكل بساطة، يمكن التفكير في تنظيمات يسارية منسجمة، وأساسا… قادرة على الخروج من جلباب الماضي، والتوجه نحو كيانات سياسية مؤمنة بالواقعية السياسية، عوض العيش على أحلام الماضي، وأوهام مستقبل لم يعد فيه لزخم ستينات وسبعينات القرن الماضي مكان؟

أليس مطروحا اليوم، بدل التفكير في يسار موحد، التفكير في ماهية اليسار أساسا؟؟

هل لازال ممكنا اليوم، الرهان على يسار، يريد في نفس الآن أن يكون… قوميا، عروبيا، تقدميا، وحداثيا؟

مقالات قد تثير اهتمامك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *