×
×

نتائج انتخابات 8 شتنبر 2021… ما الذي حدث؟

لا ضوء يبدو في آخر النفق، فقط يمكن أن نطرح السؤال: هل سيساهم الانسجام الذي ستعرفه مؤسسات الحكم في المغرب (القصر الملكي، الحكومة، البرلمان، المجالس الترابية) في خلق الأجواء التي ستمهد لتحقيق وضع اقتصادي جيد؟ وهل يؤدي هذا الانسجام إلى تحقيق الوعود التي رفعتها الأحزاب خلال الحملة الانتخابية: وعود الحزب الفائز، ووعود الأحزاب التي ستشكل معه الحكومة؟ أم سيفرز هذا الانسجام أمورا أخرى؟

رغم مرور كل هذا الوقت على الانتخابات ونتائجها التي أسقطت حزب العدالة والتنمية، وساهمت في فوز حزب التجمع الوطني للأحرار، لازال النقاش دائراً ولازالت الأسئلة تتناسل من طرف الباحثين.

لازال مفهوم “التصويت العقابي” الذي يفسّر به البعض هزيمة البيجدي، محطّ تشكيك، وسحب منه باحثون في العلوم السياسية، على غرار عبد الرحيم العلام، “الشّرعية المنطقيّة” للتّفسير.

يقول العلام في أحد مقالاته: لو كان التصويت العقابي يصلح كتفسير، لرأينا التصويت يذهب لصالح أحزاب: اليسار الاشتراكي وفدرالية اليسار والتقدم والاشتراكية، وقد كان لها مرشحون في أغلب المناطق؛ وأما في صفوف الأحزاب القريبة من السلطة، لكان التصويت لصالح الأصالة والمعاصرة الذي كان في المعارضة وليس حزب التجمع الوطني الذي يعتبر المساهم البارز في كل سياسات الحكومة، خاصّة من خلال وزارة المالية التي هي أهم وزارة بعد الداخلية.

أي تفسير يصلح؟

في حديث له مع مرايانا، يقول أستاذ القانون الدستوري بجامعة القاضي عياض، عبد الرحيم العلام، إن هذه السّقطة المدوية لحزب العدالة والتنمية، حتى الدولة نفسها وأجهزتها وأحزابها لم تكن تتوقّعها، بدليل النّقاش الذي دار حول القاسم الانتخابي الذي تم اعتماده نتيجة تخوف الأحزاب والإدارة من اكتساح العدالة والتنمية في مجموعة من المدن، قبل أن يتفاجأ الجميع بالعكس. هنا، يطرح السؤال: لماذا توقع الدولة لم يكن صائباً؟

المواطن عاقب البيجيدي، لأنه يعرف أن المسؤول الأول هو القائد للائتلاف الحكومي، وهو حزب المصباح الذي ترأس الحكومة؛ وبالتالي، هو يتحمل الوزر الأكبر في كل ما مسّ مصالح المواطنين من سياسات.

من الملاحظات التي يمكن الوقوف عندها، يضيفُ العلام، أنّ حزب المصباح اشتكى من تعنت الإدارة ومنع البعض من الترشح باسمه. لذلك، غطى الحزب فقط 26% من الدوائر، كما اجتجّ على السماح للبعض بالتّصويت دون إحضار بطاقة التعريف الوطنية… فإذا كانت الدّولة تعي أن الشّعب لوحدِه سيُعاقب العدالة والتنمية، لماذا بذلت كل هذه الجهود في هندسة انتخابية محكَمة لإسقاطه؟

وفق ما أفاده المتحدث لمرايانا، فإنّ البيجيدي لازال يشتكي إلى اليوم، من عدم حصوله على المحاضر. إذا صحّ ذلك، وحتى لو تم تفسيره بكونه خطوة لقطع الطريق على الحزب من الإعلان المبكر عن النتائج كما حدث في 2016، لماذا لا تزوده السلطات المحلية بالمحاضر ليعلن عن الهزيمة بنفسه، ويخبر المواطنين بالأصفار التي حصل عليها في الانتخابات؟

كانت هناك تخوفات من اكتساح العدالة والتنمية لانتخابات 8 شتنبر، وكانت هناك هندسة انتخابية مضبوطة، أوضحت أنّ الذين أقدموا عليها لإضعاف البيجيدي في الصناديق، إما ندموا عليها، اليوم، أو أنهم فهموا أنّها لم تكُن ضرورية ولا ذات جدوى، يقول أستاذ القانون الدستوري.

من الملاحظات التي يعدّدها العلام، أنّ كمّ الاحتِجاجات والطّعون والتّشكيك في الانتخابات، لم نر مثيلا لها في 2002، ولا في 2007 ولا في 2011 ولا في 2016… و”القيادة السياسية للبيجيدي، التي ظلّت تردد عبارة “النتيجة غير مفهومة”، بدل أن تقدم الطعون وتتحمل المسؤولية القانونية، فضلت تقديم استقالتها قبل الإعلان الرّسمي عن نتائج الانتخابات، وانسحبت إلى حال سبيلها، وهذا لم يحصل مع أيّ حزب منذ 20 سنة”.

على كل حال، يجمل العلام حديثه مع مرايانا، بأنه لا يمكننا الحديث عن التّزوير، لأن هذا المنطق أصبح متجاوزاً. لكنّ حزب العدالة والتّنمية في الحقيقة، لم يستطع حتى إقناع مناضليه ولا ذراعهُ الدعوي بالتّصويت للمصباح. هؤلاء يرون أنّه زاغ عن مرجعيته بسبب التّنازلات التي قدّمها عندما كان في الحُكومة.

هناك تطور نوعي في الهندسة السياسية القبلية بالمغرب، وهي هندسة قانونية إدارية جد معقدة من الصعب التحكم فيها.

هذا هو ما اعتبره البعض تصويتا عقابياً حقيقياً، حتى لو كان عن طريق المقاطعة… “فهل ينتظرالبيجيدي أن تأتي الملائكة من السماء أو الجن لتصبح النتيجة مفهومة بالنّسبة إليه؟”، يتساءل العلام.

يدفع الكثيرون بأن ما حدث غريب حقا. لكن، ينبغي أن تكون هناك استطلاعات رأي، يمكنها أن تساعد في استيعاب العملية الانتخابية التي جرت في الثامن من شتنبر 2021.

التّصويت العقابي: ممكن؟

يعتبرُ أستاذ العلوم السياسية بجامعة محمد الخامس بالرباط، عبد الحميد بنخطاب، أنّ التصويت العقابي هو الراجح، رغم كل الحديث عن كون حزب الأحرار شارك في كل الحكومات منذ تأسيسه.

الأساسي، بالنسبة لبنخطاب، أنّ المواطن يعرف أن المسؤول الأول هو القائد للائتلاف الحكومي، وهو البيجيدي الذي ترأس الحكومة؛ وبالتالي، هو يتحمل الوزر الأكبر في كل ما مسّ مصالح المواطنين من سياسات.

ما لا يركز عليه البعض في التحليل، أنّ الاستحقاقات الماضيّة جمعت بين الانتخابات الجماعية والتشريعية. في هذا التفسير، بحسب بنخطاب، يكون للعدالة والتنمية نصيبٌ من المسؤولية في هزيمته، لكونه تجاهل الانتخابات الجماعية، باعتبارها تركز على التّصويت الفردي الأحادي، وصرف اهتمامه نحو الانتخابات التي يتمّ الاعتماد فيها على النظام اللائحي النّسبي.

كانت هناك تخوفات من اكتساح العدالة والتنمية لانتخابات 8 شتنبر، وكانت هناك هندسة انتخابية مضبوطة، أوضحت أنّ الذين أقدموا عليها لإضعاف البيجيدي في الصناديق، إما ندموا عليها، اليوم، أو أنهم فهموا أنّها لم تكُن ضرورية ولا ذات جدوى

بهذا المنطق، يكون نظام اللائحة تصويتاً على البرامج السياسية، حسب بنخطاب، أكثر منه على الأشخاص كما في الجماعات. إلاّ أنّ هذه المرة، بدا أنّ البرنامج السياسي لحزب العدالة والتنمية لا يجذب أحداً، لأنه قضى عقداً في السّياسة ولم يطبّقه، يردف المتحدث.

الواقع أن نتائج الانتخابات، رغم غرابتها، يقول أستاذ العلوم السياسية، يمكن تفسيرها بالتطور الموضوعي للمشهد السياسي المغربي، الذي يناهض كل أشكال الهيمنة السياسية؛ وقد رأينا في الماضي أن حزب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي قد هيمنوا لمدة، ثمّ تراجعوا وأتاحت الجماهير الفرصة لأحزاب أخرى عبر صناديق الاقتراع، استفاد منها البيجيدي، قبل أن تسحب من تحته البساط.

لا يستبعد بنخطاب أن تكون هناك هندسة انتخابية قبلية، تتغذى هذه المرة من الإعلام الموجه أو الفن والثقافة، وذلك بغية توجيه سلوك الناخبين عبر وسائط التواصل الاجتماعي.

وبما أنّنا في زمن الرّقمية، حيثُ نستهلك هذا الفضَاء بشكل غير معقول، فالمُعطى الإلكتروني كان حاسماً في الهندسة الانتخابية الجديدة، ولا أدل على ذلك من احتكار حزب التجمع الوطني للأحرار للإعلانات على يوتوب وفيسبوك وغوغل.

إلاّ أنّ التلاعب غير مطروح، وقياديو العدالة والتّنمية يحاولون التشكيك في العملية الانتخابية منذ إعلان النتائج. إلى غاية الآن، وبعد مرور كل هذا الوقت، لم يتقبلوا الهزيمة ولم يقدموا الطعون القانونية، ولم يثبتوا وجود التلاعب الذي يعبرون عنه تلميحا… وهي، وفق المتحدث، تبقى سَردية للاستِهلاك الدّاخلي للحِزب لتبرير الهَزيمة.

حتى القول “بعدم تسلم المحاضر، فنّده وزير الداخلية، الذي قال بأن المحاضر قد سلمت لجميع الأحزاب، بينما العدالة والتنمية يتشبث برأيه هذا للتشكيك في النتيجة. لكنّ السؤال: هل تغير المحاضر من نتيجة الانتخابات؟ لا أعتقد ذلك، وليس لدينا اليقين أصلاً أن الحزب بالفعل لم يتسلم المحاضر!”

كل ما في الأمر، يوضح المحلل السّياسي، أنّ حزب المصباح اطمأنّ كثيراً لمرجعيته الإسلامية، ونسي أن المغاربة يصوتون ببراغماتية، وليس من باب عقدي، والمغاربة الذين صوتوا له قبل عقدين، عقاباً لأحزاب أخرى، هم يمارسون عليه نفس العقاب بكلّ ديمقراطية.

أمّا الفيديوهات التي راجت وتتضمّن اختِلالات وتجاوزات، فالأمر، بالنسبة للمتحدث، يبقى أمرا عرضيا، فالانتخابات في العالم كله، لا تخلو من شوائب. الأحداث التي وثقتها بعض الفيديوهات تبقى محدودة جدا، وليسَت عامّة تنطبق على العملية الانتخابية كلها. والبيجيدي نفسه يدري أنّ تدخل الدولة في الانتخابات لم يعد مطروحاً في المغرب.

كخلاصة، يقول بنخطاب إنّ القراءة الدقيقة، هي قراءة تنأى عن عنصر المؤامرة، فالحق أن هناك تطورا نوعيا في الهندسة السياسية القبلية بالمغرب، وهي هندسة قانونية إدارية جد معقدة من الصعب التحكم فيها.

في الأخير، يقول عبد الرحيم العلام، في مقال له: لا ضوء يبدو في آخر النفق، فقط يمكن أن نطرح السؤال: هل سيساهم الانسجام الذي ستعرفه مؤسسات الحكم في المغرب (القصر الملكي، الحكومة، البرلمان، المجالس الترابية) في خلق الأجواء التي ستمهد لتحقيق وضع اقتصادي جيد؟ وهل يؤدي هذا الانسجام إلى تحقيق الوعود التي رفعتها الأحزاب خلال الحملة الانتخابية: وعود الحزب الفائز، ووعود الأحزاب التي ستشكل معه الحكومة؟ أم سيفرز هذا الانسجام أمورا أخرى؟

في جميع الأحوال، الشهور القادمة هي التي ستكون حاسمة، يضيف العلام، وأما من كان يعارض حزب العدالة التنمية فإنه قد رحل، وأما من كان يعارض الفساد فإنه ما زال حيا. وأما من كان يعارض سياسات التفقير التي كانت في ظل الحزب الراحل، فإن الفقر ما زال متفشيا، وأما من كان يدافع عن الحريات (عشرات المعتقلين السياسيين، عشرات اللاجئين السياسيين، قمع متواصل للتظاهرات والوقفات…) التي تم هضمها في ظل وجود الحزب المنهزم على رأس الحكومة، فإن تلك الحريات ما تزال مهضومة.

مقالات قد تثير اهتمامك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *