×
×

ملفّ الأسَاتذة المُتعاقدِين… حلمُ “الإدمَاج” الذي أنهكه “القمع”!

“الفخّ” الذي وقع فيه جزء مهم من الشغيلة التعليمية، لأسباب ذاتية وموضوعية، ربّما، هو اللّجوء إلى النّضالات الفئوية. وعدم توحيد “النّضالات” على أساس ملف مطلبي موحد؛ هو ما يجعل ملف الأساتذة المتعاقدين؛ وباقي الملفات؛ يظلّ يراوح مكانه دون الوصول إلى حل مقبول.

هذه المرّة، كانت وحدها الصّور تكفي، لتنقل، بلا بياضات مساحات، عملية “قمع” احتجاجات الأساتذة المتعاقدين… أو “الأساتذة الذين فُرض عليهم التّعاقد”، كما يسمّون أنفسهم.

سنة 2016، نهجت حكومة عبد الإله بنكيران “نظام التّعاقد”، القائم على عقود عمل محدّدة المدة، بدل توظيفهم عبر إلحاقهم بوزارة التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي، وإدماجهم في سلك الوظيفة العمومية. منذ ذلك الحين والاحتجاجات لا تهدأ… لماذا؟

ببساطة، لأنّ الأشياء التي كانت إلى عهد قريب عاديةً، أصبحت اليوم حلماً… صعبَ المنال.

أصبح الأساتذة، فيما بعد، أطراً تابعين للأكاديميات الجهوية، وتمّ إيقاف توقيع العقود، التي اعتُبرت من طرفهم عقود إذعان. بيد أنّهم، مع ذلك، لم يُدمجوا في الوظيفة العمومية، ولا يعتبرون موظّفين تابعين لوزارة التربية الوطنية، والقانون الأساسي لم ينشر في الجريدة الرّسمية.

نظام التعاقد الذي تم بموجبه توظيفهم، والمبني على عقد محدد المدة، تم التخلي عنه في 13 مارس عام 2019، إذ تم إدماج جميع أولئك الأساتذة في الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين، وبالتالي فقد أصبحوا أساتذة وأطراً تابعين لتلك الأكاديميات”.

بعد ذلك، استمر الأساتذة يناضلون من أجل حلم الإدماج زهاء الخمس سنوات دون توقّف. على ما يبدو، فـ”حراكُ الشّغيلة التعليمية”، لا يزال مستمرّا رغم ضراوة العصي وكبح جموح الاحتجاج السلمي بالعنف.

الفصل 22 من الدستور المغربي ينصّ على أنّه “لا يجوز المس بالسلامة الجسدية أو المعنوية لأي شخص، في أي ظرف، ومن قبل أي جهة كانت، خاصة أو عامة.”

و… “لا يجوز لأحد أن يعامل الغير، تحت أي ذريعة، معاملة قاسية أو لا إنسانية أو مهينة أو حاطة بالكرامة الإنسانية. ممارسة التعذيب بكافة أشكاله، ومن قبل أي أحد، جريمة يعاقب عليها القانون.”

مرايانا، بتوجّهها الذي ينتصر لكرامة الإنسان وحقوقه واحترام آدميته، تتبنى موقفا يجعلها تدين العنف. بيد أنّها، مع ذلك، تبحثُ عن الحقيقة حيثما كانت!

الاحتجاج… “ليس لكم”!

تابع الجميع أن الذّريعة التي قدّمتها الدّولة أثناء فضّ احتجاجات الأساتذة المتعاقدين، هي “خرقهم لحالة الطوارئ الصّحية”… ولكن!

الفوضى التي حدثت في شوارع الرّباط، تتحمّل مسؤوليتها الدولة كطرف أوّل، بما فيها الحكومة والوزارة الوصية والسلطة المحلية بالرّباط، التي تدخّلت بذلك الشّكل “الشّنيع”، متذرّعة بأن فكّ الاحتجاج جاء نتيجة عرقلة الأساتذة لحركة السّير وتهديد السّلامة العامّة. الحقيقة أن العنف الذي تمت ممارسته على المتظاهرين يعتبر تضييقا مباشرا على الحقّ في الاحتجاج، كما يقول عبد الغني الرّاقي، الكاتب العام للنقابة الوطنية للتعليم (ك.د.ش)، في تصريح لـ”مرايانا”.

مثلاً، وللمقارنة، فالسّلطة “لا تمنع أشكالاً أخرى من الاحتجاج، والتي ضمّت آلاف الأشخاص، كالاحتفال الذي نظّمه حزب الاستقلال بالعيون احتفاءً بصدور القرار الرئاسي الأمريكي، الذي يعترف بمغربية الصّحراء.”

“هناك مغالطات جمّة “طبّع معها” الإعلام في المغرب دون تمحيص، وهي مثلاً أنّ نظام العقدة لازال معمولاً به، وهذا غير صحيح”

… “تعياشت” لا تمنَع ولا تقمَع، ولكِن تقابَلُ الاحتِجاجات السّلمية بالعنف”، يقول الراقي.

من جهتها، علّقت سميرة أوحية، عضو الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، بأنّ التعامل مع الاحتجاجات على نحو مزاجي، كما صار يحدث في المغربِ، مدانٌ حُقوقياً.

كما تذهب المناضلة الحقوقية، في حديثها مع مرايانا، إلى أنّ التدخّل المفاجئ بذلك العنف “المرعب” مرفوض بالمُطلق، ويسائل كرامة الإنسان وحقوقه، لأنّ “أولئك الأساتذة يطالبون بحقّهم وبطريقة سلمية، ورجال ونساء التعليم هم عماد التنمية في أي دولة تحترم نفسها ومواطنيها دون تمييز أو إقصاء”.

هل أصبحت الدّولة تحنّ إلى القمع والعنف؟ هل صارت الدولة، بدل أن تلجأ للحوار والبحث عن حلول، تسلك طريقاً سهلاً، بالنسبة إليها، ولكنّه يبقى صعباً بالنسبة للفئات الحقوقية ومُهيناً للمغاربة…؟

البيجيدي… “ذلك التلميذ النجيب!”

يحمّلُ المتتبعون مسؤولية “الفوضى” التي آل إليها ملفّ التعليم إلى حكومة العدالة والتنمية، باعتباره المسؤُول عن السّياسات التّعليمية العمومية بالبلاد منذ 2011.

إسماعيل فائز، أستاذ مُرسّم، يرى، في حديث مع مرايانا أنّ ملف التوظيف بـ”العقدة” ليس مفصولاً عن سياق الهجوم “النيو-رأسمالي” الذي تشنه الدولة؛ والذي يستهدف الطّبقة العاملة عموماً، ويؤكد المضي في مسلسل رفع يد الدولة عن القطاعات الاجتماعية التي ينظر إليها كـ” قطاعات غير منتجة”.

لقد أثبتت حكومة البيجيدي هذه ، وفق فائز، “تفوقا”، قلّ نظِيرُه في تنفِيذ إملاءَات المؤسّسات المالية الدولية، وبرهنت عن كونها تلميذا نجيبا لـ”صندوق النّقد الدولي” و”البنك الدولي”.

يمكن اعتبار مخطط التوظيف بـ”العقدة”، يضيفُ المتحدّث، مخططاً استراتيجياً بالنسبة للدولة؛ وهي عازمة على تنفيذه وعدم التراجع عنه، وفرضه بالقوة. من هنا تأتي المقاربة الأمنية، وبالأحرى القمعية والدخول في حالة العنف والفوضى كما حدث.

“الأساتذة يطالبون بحقّهم وبطريقة سلمية، ورجال ونساء التعليم هم عماد التنمية في أي دولة تحترم نفسها ومواطنيها دون تمييز أو إقصاء”

لقد جربت الدّولة هذه المُقاربة في عدد من المِلفات؛ فوجدتها مجديةً، على الأقل على المدى القصير، في إخماد الاحتجاجات. لذلك، تلجأ إليها كلما تجدّدت احتجاجات “الأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد”؛ فضلا عن “الترويج لمجموعة من المغالطات أو اللجوء إلى تغيير التسميات: “أطر الأكاديمية” بدل “الأساتذة المتعاقدين”، وفق تعبير فائز.

بالنّسبة لعبد الغني الرّاقي، فالتوظيف بالعقدة كان وسيبقى “اختياراً خاطئاً، وليس هُناك حلّ إلاّ أن يدمج الأساتذة المتعاقدون في الوظيفة العمومية، والعملية غير مكلّفة، لأنّها ستحوّل من باب إلى باب فقط، وهذا ما أكده وزير المالية بنشعبون في مجلس المستشارين، ولكنّ المسألة فيها اختيار… اختيار سياسي وإرادة حقيقية لازلنا لم نلحظهما بعد.”

حسبه الراقي، البلاد “تسير نحو المجهول فيما يتعلّق بهذا الملفّ، الذي هو ذاهب في طريق التّراكم. اليوم، لدينا 85 ألفاً أستاذا متعاقدا، وفي السنة المقبلة، سيصبح لدينا 102 ألفاً، وبالتالي فهذا الملف يعني نسبة كبيرة جداً من نساء ورجال التعليم تقدّر بالثّلث. لكن الكلّ معني، مبدئياً، لأنّه يتعلّق بكرامة رجل التعليم وحقوقه.”

أي حلّ في الأفق؟

سبق لوزير التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي في المغرب، سعيد أمزازي، أن قال “إن أولئك الأساتذة ينشرون المغالطات. نظام التعاقد الذي تم بموجبه توظيفهم، والمبني على عقد محدد المدة، تم التخلي عنه في 13 مارس عام 2019، إذ تم إدماج جميع أولئك الأساتذة في الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين، وبالتالي فقد أصبحوا أساتذة وأطراً تابعين لتلك الأكاديميات”.

“أثبتت حكومة البيجيدي هذه  “تفوقا”، قلّ نظِيرُه في تنفِيذ إملاءَات المؤسّسات المالية الدولية، وبرهنت عن كونها تلميذا نجيبا لـ”صندوق النّقد الدولي” و”البنك الدولي”.

من جهته، يعتبر محمد آيت وادف، النائب الإقليمي للتربية الوطنية بسيدي قاسم، أنّ هناك مغالطات جمّة “طبع معها” الإعلام في المغرب دون تمحيص، وهي مثلاً أنّ نظام العقدة لازال معمولاً به، وهذا غير صحيح، إذ تمّ التراجع عنه منذ اعتماد القانون الأساسي لأطر الأكادِيمية، ولم يعد الأساتذة يوقعون أي عقد ملحق.

أيضا، فإنّ آيت وادف يقرّ، في تصريح حصريّ لـ”مرايانا”، بأحقية الأساتذة المتعاقدين في التّرقية في الدّرجة والرّتبة وفق الشّروط النّظامية المطلوبة، عكس ما يروّج له. “هناك فقط إشكَال عالق يتعلّق بصندوق التقاعد، بيد أنّ الوزارة تبحثُ في إدماج الصندوقين، في أفق إنهاء هذا الملف بشكل مُنصف وعادل”.

بالنسبة لأيت وادف، فإن التوظيف الجهوي مكسبٌ كبير بالنّسبة للأساتذة الجدد، لأنّه يجعلهم قريبين من ذويهم، مع أنّ الوزارة وضعت استثناءات في حالات الانتقال من جهة لأخرى.

ختاما، يجب أن نشير إلى خلاصة مهمة ومؤسفة، وهي أنّ “الفخّ” الذي وقع فيه جزء مهم من الشغيلة التعليمية، لأسباب ذاتية وموضوعية، ربّما، هو اللّجوء إلى النّضالات الفئوية. وعدم توحيد “النّضالات” على أساس ملف مطلبي موحد؛ هو ما يجعل ملف الأساتذة المتعاقدين؛ وباقي الملفات؛ يظلّ يراوح مكانه دون الوصول إلى حل مقبول.

ولكن…

في عز حماسة الجمهور… لا ينبغي أن ننسى فقط… أن الخاسر الأكبر في هذه “الحرب”، هو التّلميذ؛ هو الوطن!

مواضيع قد تهمّك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *