×
×

التعليم… إصلاح الفشل وفشل الإصلاح 1\2

المفروض في الأحزاب السياسية أن تتوفر على برامج تضع مصلحة المواطن فوق كل اعتبار وتجعل حاجياته أولوية؛ من تعليم وصحة وسكن وبنية تحتية وأمن، وأن يكون السياسي نفسه رجل دولة يعمل على خدمة المواطنين ويضع نصب عينيه حاجيات الأجيال القادمة، لا تاجرَ سياسة يسترزق من ورائها، ويزايد على منافسيه خدمةً لمصالحه الشخصية وحساباته الضيقة التي يأتي على رأسها التمسك بالكرسي.

علي اليوسفي، كاتب وباحث مغربي

عرف المغرب تحولات اجتماعية كثيرة خلال الخمسين سنة الماضية.

إذا كان بعض من هذه التحولات يعتبر امتدادا لما عرفه العالم من تكسير للحدود نتيجة انهيار جدار برلين وظهور ثم انتشار الصحون المقعرة، ثم الأنترنيت فشبكات التواصل الاجتماعي، إلخ.؛ فإن بعضا من تلك التحولات يرجع إلى الديناميكية الداخلية التي شهدها المغرب خلال هذه الفترة.

ديناميكية نتجت عن الهجرة القروية المترتبة عن الجفاف من جهة، وعما أدى إليه الانفتاح نفسه من رغبة الكثيرين وخاصة الشباب عن العيش في الأرياف وتطلعهم إلى حياة أخرى “عصرية”، وممتعة و”خالية” من القيود الاجتماعية.

لقد كان من نتائج هذا التحول الديمغرافي، انتشار التعمير وتفتت المجتمعات الصغيرة المغلقة، قرية كانت أم مدينة، التي كان الكل فيها يعرف الكل، وكان الكبار جميعهم، وخاصة من الرجال، يساهمون في تنشئة الصغار أو مراقبة أخلاقهم وتصرفاتهم، لنشهد اليوم ما يعرف بأَرْيَفَة المدينة la ruralisation des villes التي تحيل على التشتت العمراني، وليس على أية قيمة أخلاقية معيارية.

اقرأ أيضا: مدننا: ذاك الخراب الساكن فينا ليل نهار

صحيح أن هذا الانفتاح لعب دورا مهما في تنمية العقول وتلاقح التجارب وإخراج الناس نسبيا من قوقعة السذاجة والحياء الزائد عن حده أحيانا؛ كما لعب دورا في إدراك الناس أهمية الحرية وغيرها من مظاهر نضج الأفراد واستقلاليتهم. لكن خلخلة اجتماعية بهذا الحجم لا تخلو من مخاطر عندما لا تُهيأ البرامج السياسية والأرضية الاقتصادية التي تستبقها لتضعها على السكة الصحيحة ثم تواكبها.

لا يمكن أن نبني الوطن إلا بأطر جيدة، ولا نحمي خيراته ونحسن تدبيرها، إلا بمواطنين، كل المواطنين، سليمي الأخلاق رفيعي التربية

كان لا بد لهذا التحول من التقليدانية الفجة والحشمة والانغلاق نحو الانفتاح والنمو الطبيعي من مدرسة وجامعة ومستشفى وسكن لائق وإعلام سمعي بصري مُواطن، وأمن، كما كان لا بد له من أحزاب مُواطِنة تؤطره وتنمي وعيه السياسي، ومجتمع مدني يؤازر الدولة في التربية على المواطنة.

لكن الذي لا يخفى على أحد… أن العكس هو الذي حصل تماما.

اقرأ أيضا:  هل يرقى التداول العام في المغرب اليوم إلى ما يسمى بـ”النقاش العمومي”؟

فبينما كان عدد المتوافدين على المدن ونموها الديمغرافي الطبيعي يتكاثران، كانت بنية المدارس الموجودة أصلا تتلاشى وتعاني الإهمال وتدهور المرافق أو غيابها. وبدل تزويد جميع الأحياء بمدارس وإعداديات وثانويات وفق خريطة تستجيب لتطور النمو الديمغرافي وتحترم كرامة التلاميذ وتوفر شروط تعليم سليم لهم، كانت أولويات الحكومات تجهيز هذه الأحياء بمساجد، وكأن الصلاة خارج المساجد باطلة، وكأن الآخرة أولى من بناء الأوطان، بل وكأن المساجد وحدها كافية للاستجابة لمختلف حاجيات الأطفال والمراهقين والشباب!

يضاف إلى ذلك أن عدد المدرسين لم يواكب التزايد المتواتر في عدد التلاميذ، مما قاد إلى الاكتظاظ في الأقسام وتناقص جودة التواصل مع الأستاذ، وكثرة الضجيج، وغياب التركيز، ونقص في شروط النظافة والسلامة الصحية.

هذا التحول الاجتماعي واكبه ترد فظيع على مستوى الأداء السياسي للنخب المتصارعة على السلطة والتي تراجعت قيمتها في سوق القيم، ولم يعد المغاربة يثقون في وعودها ولا في ممارستها، بل ولم يعودوا يكنون لها الاحترام، وهو ما تعكسه نسبة العزوف عن المشاركة في الاستحقاقات الانتخابية

علاوة على ذلك، فإن تردي الأوضاع الاجتماعية للمدرسين بفعل هزالة الرواتب وارتفاع الأسعار وتنامي متطلبات الحياة، قادهم، بدل الانكباب على دروسهم لتمحيصها وتعميقها وإغنائها وتحيينها، إلى البحث عن ساعات إضافية في مؤسسات خصوصية أو لدى بعض التلاميذ في البيوت. هذا يعني أن المدرس تنهك قواه الجسمية والعقلية ويتضاءل رأسماله المعرفي ليصبح جامدا، وبالتالي متجاوزا، مما ينعكس على مردوديته هزالة، فتضيع مكانته أمام التلميذ والأسرة والمجتمع، ويصبح مدعاة للشفقة.

إن تردي وضع التعليم يرجع أساسا لعدم كفاءة الحكومات المتعاقبة ولسوء تدبيرها للقطاع؛ فبدل التركيز على الأولويات: حجرة الدرس، تكوين الأستاذ وضمان استقراره النفسي وتفانيه في عمله، ثم تطوير المحتوى، راحت هذه الحكومات تهرول وراء ما لا حصر له من التجارب الأجنبية، وتنفق الأموال الطائلة على الاجتماعات والسفريات والتعويضات، إلخ. متناسية أن الأساس في التعليم هو:

1.    التعميم: بمعنى أن يستفيد منه جميع المواطنين حيثما كانوا وكيفما كان مستواهم الاجتماعي، مما يعني بناء مؤسسات تعليمية كافية ومجهزة في مختلف ربوع المملكة، وتوفير الدولة لمدرسين قارين ومهيأة لهم ظروف التدريس، سواء تلك المتعلقة بالشروط التربوية، أو بكرامة المدرس.

بدل تزويد جميع الأحياء بمدارس وفق خريطة تستجيب لتطور النمو الديمغرافي وتحترم كرامة التلاميذ وتوفر شروط تعليم سليم لهم، كانت أولويات الحكومات تجهيز هذه الأحياء بمساجد، وكأن الصلاة خارج المساجد باطلة، وكأن الآخرة أولى من بناء الأوطان، بل وكأن المساجد وحدها كافية للاستجابة لمختلف حاجيات الأطفال والمراهقين والشباب!

2.    المجانية: أي أن التعليم حق لجميع أبناء المملكة، وبالمجان، لأن المس بمجانية التعليم مس بحقوق المواطن، وباستفادته من عائدات خيرات البلاد وعائدات الضرائب المباشرة وغير المباشرة التي يجب أن تتوجه أساسا إلى هذا القطاع الحيوي وإلى قطاع الصحة، لأن ضمان الجسم السليم والعقل السليم شرط أساس لبناء الوطن.

3.    الجودة: لا يمكن أن نبني الوطن إلا بأطر جيدة، ولا نحمي خيراته ونحسن تدبيرها، إلا بمواطنين، كل المواطنين، سليمي الأخلاق رفيعي التربية، متعففين ومخلصين لأوطانهم، وهذا ما لا يتأتى بالوعظ والإرشاد والخطب الجوفاء المنقطعة تماما عن الواقع. وإنما هو ثمرة تعليم جيد المضامين، مواكب للتحولات الاجتماعية والكونية، ومرتبطا بسوق الشغل.

اقرأ أيضا: ثلثا أطفال المغرب ينهون تعليمهم الابتدائي أميين… البنك الدولي يعتبر المغرب بحاجة إلى “معجزة” لإنقاذ التعليم! 2/1

قد يقول البعض بأن كل هذا يقتضي ميزانيات ضخمة. هذا صحيح. لكن، لو أننا قدرنا التعليم وأعطيناه المكانة التي يستحقها، لأخذنا من ممتلكات وميزانيات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية ما نبني به المواطن الصالح الذي سيحب وطنه ويبنيه ويخاف الله، وإذن لساهمت وزارة الشؤون الدينية في تحقيق مبدأ المؤمن القوي بعلمه ومعرفته وجسمه، خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف على كل هذه المستويات.

إلى جانب التعليم، كان ينبغي أن يواكب هذا التحول في بنية المجتمع إعلام مكتوب ومسموع ومرئي، وبالأخص إعلام بصري ـ لأن الميل أصبح أكثر إلى المشاهدة على حساب القراءة، وذلك موضوع آخرـ.

التعليم حق لجميع أبناء المملكة، وبالمجان، لأن المس بمجانية التعليم مس بحقوق المواطن، وباستفادته من عائدات خيرات البلاد وعائدات الضرائب المباشرة وغير المباشرة

الواقع أن معظم البرامج التلفزيونية تركز على الترفيه المُنمِّط للذوق والعديم القيمة الفنية والجمالية والتربوية في معظم الأحيان، وأحيانا على التعليم الفج والمفتقد للإبداعية والجاذبية. وقد ترتب عن هذا الواقع الإعلامي التلفزيوني نتيجتان كارثيتان: تتمثل أولاهما في هجر فئات عريضة مثقفة أو على قدر من الثقافة للتلفزيون الوطني بمختلف قنواته، وعلى وقوع الفئات الشعبية البسيطة ضحية لهذه البرامج الهزيلة التي تعتمدها هذه القنوات في حساب نسبة المشاهدة وتبرر بها تماديها في هذه الوضاعة والابتذال. والحال أن المفروض في هذه القنوات، ليس النزول إلى مستوى الفئات الأمية من المجتمع، وتكرار حياتها بكل عيوبها ونواقصها أمامها، وإنما الرقي بذوقها تدريجيا من خلال إعداد برامج مفيدة وأعمال مسرحية وسينمائية ترقى بالذوق وتسمو بالأخلاق.

وفوق كل هذا أو قبله وتأسيسا له، فإن هذا التحول الاجتماعي واكبه ترد فظيع على مستوى الأداء السياسي للنخب المتصارعة على السلطة والتي تراجعت قيمتها في سوق القيم، ولم يعد المغاربة يثقون في وعودها ولا في ممارستها، بل ولم يعودوا يكنون لها الاحترام، ولا يميزون بين يسارها ويمينها، وهو ما تعكسه نسبة العزوف عن المشاركة في الاستحقاقات الانتخابية، ومفروض أن يدق هذا ناقوس خطر لدى مختلف الجهات. فالمفروض في الأحزاب السياسية أن تتوفر على برامج تضع مصلحة المواطن فوق كل اعتبار وتجعل حاجياته أولوية؛ من تعليم وصحة وسكن وبنية تحتية وأمن، وأن يكون السياسي نفسه رجل دولة يعمل على خدمة المواطنين ويضع نصب عينيه حاجيات الأجيال القادمة، لا تاجرَ سياسة يسترزق من ورائها، ويزايد على منافسيه خدمةً لمصالحه الشخصية وحساباته الضيقة التي يأتي على رأسها التمسك بالكرسي.

في الجزء الثاني: الحق في الغش

 

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *