×
×

اليسار في استحقاقات 2021… كثرة الضّربات لم تقوِّ اليسار الوحدوي! 1\2

مستقبل الفدرالية لا يتوقف على ما حققته من نتائج، كانت متوقعة لدى الفيدرالية والحزب الاشتراكي الموحد كذلك، بسبب الانقسام الذي تعرضت له الفيدرالية شهرين فقط قبل الانتخابات الأخيرة…

نتائج تحالف فدرالية اليسار الديمقراطي والحزب الاشتراكي الموحد في الانتخابات الأخيرة، كانت نتائج جد متواضعة، لكنها كانت متوقّعة بعد الانشقاق وانسحاب نبيلة منيب.

ظلّ أعضاء الفيدرالية والمتعاطفون، يرددون أنها نتائج لا تعكس مكانة الفيدرالية في المشهد السياسي، وأكثر من ذلك، أصدرت الهيأة التنفيذية بياناً لإيضاح أسباب وملابسات ما حصل.

البيان اعتبر هذه الانتخابات “أسوأ انتخابات عرفها المغرب في العقدين الأخيرين، لما شابها من خروقات سافرة، أفرغتها من أي محتوى ديموقراطي، وجعلتها مجرد آلية لإعادة هيكلة المشهد السياسي، بما يحافظ على التحكم في المؤسسات المنتخبة”، وفق ما أوضحه علي بوطوالة، الكاتب الوطني لحزب الطليعة الديمقراطي.

الدرس الذي لم يُستقى

في حوار له مع مرايانا، تساءل الباحث في السوسيولوجيا نور الدين الزاهي:

لِم الأحزاب اليسارية تشارك وتعبئ وتقدم مرشحين، لكن لا تحصد شيئا يؤهلها لخوض تجربة تسيير الشأن العام للبلاد؟

عضو الهيأة المحلية لفيدرالية اليسار بالرباط، عبد الكريم وشاشا، يحاول الإجابة عن هذا التساؤل، معتبراً أنّه سؤال إشكالي، يحمل تاريخا طويلا من الأزمات ومن الهزائم والإخفاقات، لتنظيمات مكافحة، انبثقت من رحم النضال والالتحام بالجماهير، قدمت الكثير من التضحيات الجسام، لكنها لا تحصد شيئا؛ لأسباب متداخلة وكثيرة.

التّلاعب أو تدخل وزارة الداخلية أصبح متجاوزاً في المغرب، ونتَائج الاقتراع كانت نتاجاً خالصاً لهندسة انتخابية قبلية، قانونية وإدارية معقّدة يصعبُ التّحكم فيها.

يضيف وشاشا، في حديثه مع مرايانا، أنّ هذه التنظيمات وهنت وتبددت مكتسباتها أكثر في انقساماتها وحروبها الداخلية؛ لقد حصلت متغيّرات كثيرة، لكن نفس المفاهيم والآليات التي تستعملها القوى اليسارية بقيت بدون تغيير أو تحسن يذكر، وبدت غريبة وبعيدة عن المجتمع.

عضو فيدرالية اليسار، يعتبر أن نقطة الضوء الوحيدة، بعد سنين من الجهد وتقريب وجهات النظر وتركيبها وتجاوز العوامل النفسية، كانت هي فيدرالية اليسار الديمقراطي، ثم التجربة الفذة للبرلمانين عن الفيدرالية عمر بلافريج ومصطفى الشناوي.

من العوامل التي لا يستثنيها وشاشا، هو “العمل الإعلامي الذي قامت به نبيلة منيب، وكذلك التواصل عن قرب الذي استعمله عمر بلافريج في حملته وبعدها؛ وهو ما أدخل بعض الأمل في القلوب التواقة للتغيير. لكن، حصل ما حصل، كأن لعنة تطارد التجربة، ولعلها لعنة مخزنية”.

من جهة أخرى، لا ينكر قياديون في الفيدرالية أنّ القرار أحادي الجانب لنبيلة منيب بالانسحاب من فيدرالية اليسار، عشية الانتخابات، خطأ فادح بكل المقاييس، ونرجسية سياسية غير مفهومة، أثرت على نتائج التنظيمين معاً (الفيديرالية واليسار الموحد)، لأنها عطلت التّحضير الجيد للانتخابات، وشكّلت عامل إنهاك لفيدرالية اليسار، بدل الدخول المتماسك للانتخابات.

يقول البعض إنّ انسحاب منيب، دفع الفيدرالية إلى نهج نوع من البراغماتية السياسية وتزكية مرشحين من رجال الأعمال وحتى من ذوي السوابق العدلية.

منعم أوحتي، القيادي بحزب الطليعة وفيدرالية اليسار، يعتبر أن مسألة رجال الأعمال كلام غير دقيق، وبمسح بسيط للوائح فيدرالية اليسار وطنيا، يظهر بجلاء أن رمز الرسالة، استند بالأساس على الشابات والشباب، ليس فقط في ذيل القوائم، بل كوكلاء للوائح، كما استند على قادة الفروع والجهات، ومختلف شرائح المجتمع، بأطر مشهود لها بنظافة اليد.

نفس الشيء، يضيف أوحتي، بالنسبة للقوة النسائية التي كانت وازنة في لوائح فيدرالية اليسار.

أوحتي يرى أنه ليس هناك أي تضارب مع مبادئ الفيدرالية، إن رشحت بعض رجال الأعمال في فريق الرسالة، لأن المشروع المجتمعي، يرمي أيضاً لبناء بورجوازية نظيفة، تواجه الفساد وهيمنة اللوبيات المخزنية على الصفقات العمومية، وتقاسم الريع بين بعض العائلات الفاسدة فقط، واستيلاء أشخاص بعينهم مقربين من أجهزة الدولة على ثروة البلد

كل هذا، بالنسبة للمتحدث، يقتضي من فيدرالية اليسار أن تحمل أيضا، مشروع بورجوازية وطنية تستثمر وتساهم في بناء الدولة الوطنية الديمقراطية التي تطمح لها الفيدرالية.

اليسار: خيار المقاطعة

التساؤل الذي يطرحهُ المتتبعون حول النتائج الهزيلة التي حصدها اليسار الفيدرالي والاشتراكي الموحد هو: هل هناك احتمالُ مقاطعة الاستحقاقات المقبلة احتجاجا على ما وصفه بيان الفيدرالية بالتلاعب بالعملية الانتخابية؟

بالنسبة لمنعم أوحتي، عضو الهيئة التنفيذية لفيدرالية اليسار، فإن موقفهم من مجريات الانتخابات، تمّ التّلويح له من لدن منسق فيدرالية اليسار عبد السلام العزيز، حين استقبل من طرف عزيز أخنوش المكلف بتشكيل الحكومة، وخصوصاً الفساد البيّن الذي شاب العملية الانتخابية، وإغراقها بالمال الفاسد وبشراء الذمم.

نقطة الضوء الوحيدة، بعد سنين من الجهد وتقريب وجهات النظر وتركيبها وتجاوز العوامل النفسية، كانت هي فيدرالية اليسار الديمقراطي، ثم التجربة الفذة للبرلمانين عن الفيدرالية عمر بلافريج ومصطفى الشناوي.

في نهاية الأمر، تبقى المشاركة والمقاطعة، في نظر أوحتي، تقديرين سياسيين غير ثابتين، وفيدرالية اليسار تمتلك استقلال قرارها الداخلي، ويمكن أن تقلب الطاولة وقت ظهر لها أن الصراع السياسي يقتضي هذا الموقف أو ذاك.

أوحتي يتشبّث بالخط الجماهيري الديمقراطي الذي تتبناه فيدرالية اليسار، والذي يسمح بالمزاوجة بين النضال الجماهيري الميداني في الشارع، والدفاع عن مصالح المغاربة في المؤسسات وتدبير الشأن المحلي في الجماعات.

لا تضارب هناك، يقول عضو الكتابة الوطنية لحزب الطليعة، لكنّ الأساسي أن مشروع الوحدة يتمّ الدفاع عنه من زوايا مختلفة، وللفيدرالية كل الجرأة لفضح الفساد وقول كلمتها كما هي في الشارع وتحت قبة البرلمان، وأجهزة الدولة تتحمل كامل المسؤولية في إفساد العملية الانتخابية.

يقول أوحتي: “لا أحبذ جملة “الحياد السلبي”، بل الداخلية “دارت إيديها ورجليها في توجيه نتائج الانتخابات”.

بالنسبة لعبد الحميد بنخطاب، أستاذ العلوم السياسية بجامعة محمد الخامس بالرباط، فإنّ التّلاعب أو تدخل وزارة الداخلية أصبح متجاوزاً في المغرب، مشيراً إلى أنّ نتَائج الاقتراع كانت نتاجاً خالصاً لهندسة انتخابية قبلية، قانونية وإدارية معقّدة يصعبُ التّحكم فيها.

علي بوطوالة: نتمنى أن يستوعِب الجميع الدروس المؤلمة للانتخابات الأخيرة ويتصرف على أساسها، حيث أن الوحدة أصبحت بالنسبة لليسار الديموقراطي ضرورة بيولوجية وتاريخية.

من جهة أخرى، يتقاطع وشاشا مع أوحتي في اعتباره أنّ “هذه الحملة الانتخابية الأخيرة، ذكّرت الجميع بتلك الانتخابات البائدة، حيث استعملت فيها أساليب مكشوفة من التزوير وتهريب الصناديق واستعمال الأموال وقد فضحت بعض المقاطع المصورة جانبا منها، عكس الحملات السابقة التي كانت هذه الأساليب ناعمة ومقنعة”.

عن الاصطفاف إلى جانب النهج الديمقراطي، الذي يمثل اليسار الراديكالي بالمغرب، يقول وشاشا إن حزب النهج الديمقراطي، كغيره من القوى التي تسعى لبناء الدولة الوطنية الديمقراطية، هو حليف استراتيجي، لا يمكن لمسألة الانتخابات، رغم أهميتها، أن تغير من الأمر شيئا.

الغاية التي “قد نتقاطع فيها مع حزب النهج الديمقراطي، هي البحث في إعادة الحياة إلى السّياسة، التي أصبحت مقرونة بالكذب والنّفاق، وبالدكاكين وكل الأوصاف القدحية التي ساهمت في العزوف والإحباط والقرف من كل ما هو حزبي أو سياسي”.

يجملُ المتحدث بأنّ آليات الفيدرالية ستبقى في إطار السعي وراء السّياسة النبيلة، سياسة الأخلاق والصدق والوفاء والنزاهة والشرف والاستقامة ونكران الذات، ومن أجل أحزاب سليمة قوية بديمقراطيتها وروحها المدافِعَة عن الكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية والمساواة.

أما علي بوطوالة، الكاتب العام لحزب الطليعة، والقيادي في الفيدرالية، فيعتقد، في حديثه مع مرايانا، أنّ مستقبل الفدرالية لا يتوقف على ما حققته من نتائج، كانت متوقعة لدى الفيدرالية والحزب الاشتراكي الموحد كذلك، بسبب الانقسام الذي تعرضت له الفيدرالية شهرين فقط قبل الانتخابات الأخيرة.

القراءة المتأنية لبيان الهيأة التنفيذية، يضيف بوطوالة، “تبين أن الاندماج قرار لا رجعة فيه، وطبعا ليس ثمّة أي وهم، نحن نعرف أن هناك من سيسعى بكل الوسائل لتعطيل مشروع الاندماج، ولكن أغلبية ثلاثة أرباع الهيأة التقريرية في اجتماعها الأخير لـ27 دجنبر 2020 حسمت الموقف”.

لكنّ قرار قيادة الحزب الاشتراكي الموحد ساهم في تقسيم الكتلة الناخبة للفيدرالية من جهة، ودفع جزءا لا بأس به من هذه الكتلة لمقاطعة التّصويت احتجاجاً على ما حصل.

حجم الخلاف حول وكلاء الدوائر الانتخابية، وخاصة النسائية الجهوية، يقول بوطوالة، عرف حدة غير معقولة، ولا تبرر إجهاض حلم اندماج مكونات الفدرالية وتجميع باقي الفعاليات اليسارية، وكثيرا ما عرقلت الطموحات الشخصية المشاريع الجماعية الكبيرة، وتاريخ اليسار مليء بمثل هذه الحالة، التي طالما نبه إليها الغيورون والأبناء البررة لليسار المغربي.

يتمنى بوطوالة، في ختام حديثه مع مرايانا، أن يستوعِب الجميع الدروس المؤلمة للانتخابات الأخيرة ويتصرف على أساسها، حيث أن الوحدة أصبحت بالنسبة لليسار الديموقراطي ضرورة بيولوجية وتاريخية.

في الجزء الثاني نرصد حاجة اليسار الفيدرالي إلى النقد الذاتي في هذه المرحلة بالذات.

مقالات قد تثير اهتمامك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *