×
×

الثورة البلشفية… هل كانت فعلاً ثورة ماركسيّة؟ 4\4

تابعنا في الأجزاء السابقة (التي تجدون روابطها أسفل المقال) تفاصيل الثورة الروسية الأولى الفاشلة سنة 1905، وكذلك الثورة البشلفية التي انتصرت في روسيا سنة 1917، وقدمنا واقع روسيا والاتحاد السوفياتي فيما بعد.
في هذا الجزء، الرابع والأخير، نجيبُ عن سؤال وحيد: هل تعكسُ الثورة البلشفية توقيعاً واضحاً للنظريّة الماركسية؟
دليلنا في هذا الجزء، كتابٌ صدر أخيراً عن المركز الثقافي للكتاب، للمفكّر المغربيّ عبد الإله بلقزيز، بعنوان: “ثورة في الرؤوس: عن الماركسيّة والاشتراكيّة واليسَار”.

يحاولُ بلقزيز، عبر هذا المُؤَلَّفِ، أنْ يعبّر عن فكرة محورية: أن التجارب الثورية والحركات السياسيّة التي قامت في التاريخ باسم الماركسية، مجرد تأويلات للماركسية، ولا تعكسُ تطبيقاً أميناً ولا تجسيداً ماديًّا لها، بما في ذلك اللينينية المُسَفْيَتة عينها. بالتالي، ينبغي أن يُحفظَ للفكر بعض استقلاله النسبيّ، لأننا في التاريخ وليس في مختبر!

عن الماركسية اللينينية؟ 

في هذا الكتاب، يعبّرُ بلقزيز صريحاً عن حفاظه، منذ التّسعينات، على نقده لمشروعيّة استخدام مقولاتٍ، يراها مفتعلة ومتجافية من قبيل الماركسية – اللينينية. ويدعو، بالمقابل، إلى وجوب فك الارتباط بينهما لأنهما من مصدرين مختلفين، ولأن الأولى منهما شاملة، كونية، بينما الثّانية جزئيّة، خصوصيّة. كما أنّ الأولى كناية عن ظاهرة فكريّة نظرية، فيما الثّانية سياسيّة.

يتّجهُ رأي الكاتب، بناءً على ذلك، إلى أنّ الماركسية نظرية في التاريخ والاجتماع والاقتصاد؛ في أنماط الإنتاج، في النظام الرأسمالي الصناعي، في الانتقال الاشتراكي وما يقترن به من تصحيح التوزيع الثروة وتصويب لأوضاع العدالة الاجتماعية.

أيضاً، فالنظرية هذه “اقتضت من مارکس الانتباه إلى البنى الفوقية: السياسية والحقوقيّة والإيديولوجية، وتحلیل علاقات التأثير المتبادل بينها والبنى التحتيّة التي تحددها العوامل الاقتصادية؛ هذه التي تجد ترجمتها في العلاقة الصراعية المستعرة بين قوى الإنتاج، النازعة إلى التطور، وعلاقات الإنتاج، الكابحة له”.

أما اللينينية، فينظَرُ إليها، حسبَ قوله، بما هي تأويلٌ روسي للماركسية. أو بما هي تأويل لقائد سياسي اشتراكي كبير، انطلاقاً من أوضاع روسيا التي كانت حينها، أي في نهاية القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، تعيش أوضاع التأخر قياسا بمثيلاتها في أوروبا (بريطانيا، فرنسا، ألمانيا).

بهذا المعنى، سعى لينين في تأويله للماركسيّة أن يلوي عنق أفكار ماركس، لكي تفرز إجابات لما كانت تعيشه روسيا ومجتمعها وأوضاع طبقاتها الكادحة.

على نحو أوضح، لينين كيّف الماركسية، قسراً، مع مطالب الحركة الاشتراكية الديمقراطية التي كان يقودها إلى جانب رفاقه الكبار (تروتسكي، بوخارین، زينوفييف، كامينييق…).لذلك، فهو “لم يستنسخ تعالیم مارکس، لأنه وفيّ لمجتمعه وحاجاته، فتلقی، نتيجة ذلك، نقداً ممن اتهموه بتحريف الماركسية أو عدم فهمها، أو جادلوه في عدم جهوزية روسيا لتعيش ثورة اشتراكية”، حسب ما يقول بلقزيز.

ما بين ماركس ولينين؟ 

يقدّم بلقزيز قرائن على أنّ اللينينية لا تعني الماركسية، بل هي مجرّد تأويل لها.

بالنسبة للكاتب، ينطلق مارکس، في تحليله میكانیزمات نظام الإنتاج الرأسمالية، من أن التناقض الحاكم بين قوة العمل والرأسمال، تتولد منه علاقة تناقض بين قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج؛ حيث تميل القوى المنتجة إلى التطور المتسارع، بينما تكبح علاقات الإنتاج تطورها.

بالتالي، ما “من حل لهذا التناقض إلا بكسر القوى المنتجة لإطار العلاقات الرأسمالية التي تكبحها؛ والثورة الاجتماعية، التي تنجزها القوى المنتجة أو الكادحة، هي التحقيق المادي الاجتماعي لذلك”.

هذا، حسبهُ، ما حمل ماركس على الاعتقاد أنّ الثورة، التي من هذا النوع، غير قابلة للتحقق إلاّ في بلد شهد على تطوّر كبير للقوى المنتجة فيه؛ ولم يكن مثل ذلك البلد، في بداية النصف الثاني من القرن 19، سوى بريطانيا.

هنا، يضيفُ أنّ لينين لم يأخذ باستنتاجات مارکس (لأن الأخذ بها، سيقطع علیه طريق الثّورة في روسيا المتأخرة)، وإنما اكتفى بالمقدمات التي تشدّد على وجوب تحرر قوى الإنتاج من علاقات الإنتاج، فبنى عليها هندسته السياسية للثورة الاجتماعية الهندسية، التي قادت لينين، والاشتراكيين الديمقراطيين الروس، إلى إخفاق ثوري مدو، في العام 1905، كما رأينا في الجزء الأول.

ثم لتقوده والبلاشفة، بعد ذلك، إلى النجاح في السيطرة على “قصر الشتاء”، وإسقاط حكومة كيرنسكي المؤقتة في العام 1917 و، من ثمة، إحكام السيطرة على السلطة السياسية.

يقول بلقزيز: ومع أن لينين تجاهل، متعمداً، النهايات المنطقية لتحليل مارکس (لتناقضات النظام الرأسمالي)، إلا أنّه جهد في سد الثغرة النظرية التي تخترق موقفه السياسي، محاولاً الإيحاء بأنه لم يتصرف في فكر مارکس، بل ظل وفيا لمنطلقات الأخير. هكذا، مثلا، كتب حول تطور الرأسمالية في روسيا، ليقنع غيره بأن البلد الذي يعمل فيه البلاشفة، صار بلدا رأسماليًّا تنطبق عليه أحكام نظرية مارکس.

بل ذهب أبعد من ذلك، وفق المُؤَلِّف، إلى “بيان” کیفَ أنّها “انتقلت من الطّور الصناعي ورأسمالية المنافسة الحرة إلى الرأسمالية الاحتكارية، وباتت جزءا من المنظومة الإمپريالية – حتى وإن هي ظلت، بعبارته، تمثل “الحلقة الأضعف في السلسلة الامبريالية”… كان ذلك فصلاً من فصول تبرير ثورة “اشتراكية” قادمة في روسْيا، ولكنه، في الوقت عينه، كان محاولة للتأقلم مع المعطيات النّظرية للماركسية”.

في الحالين، ما كان لينين يملك أن يحجب الحقيقة الأهم، فيما قام به، وهي أنه كان يسعى إلى تأويل النص الماركسي، وإخضاعه لحاجات روسيا: مجتمعًا وحركةً (بلشفية) وثورة.

الدليل، الذي يقدّمه بلقزيز، على أن اللينينية مجرّد تأويل، هو أنّ لينين، البراغماتي بامتياز، وفقَ تعبير الكاتب، لم يجد حرجا في أن يتخلى، بعد الثورة، عن كل ما قاله عن رأسمالية روسيا وإمبریالیتها، قبل الثورة.

إذ سرعان من بدأ في التّنظير لحاجة روسيا إلى المرور بمرحلة رأسمالية؛ فكان أن أطلق مشروعه حول “السياسة الاقتصادية الجديدة” La N.E.P ، باسم “الحزب الشيوعي” والدولة. وهو مشروع بناه على تركيبة اقتصادية رأسمالية يقودها حزب شیوعي.

يعلّق المفكّر: ما من شك، اليوم، في أن تلك السياسة الاقتصادية الجديدة كانت تشكل، في حينه، الحجر الأساس لنموذج رأسمالية الدولة في الاتحاد السوفييتي. كما أنه ما من شك في أنها، إذا كانت تنتمي إلى اللينينية، على وجه القطع، فهي، على وجه أقطع، لا تنتمي إلى فكر ماركس.

الدولة: من الاضمحلال إلى الكلّيانيّة؟ 

يرى بلقزيز أنّ مارکس تصوّر الاشتراكية بوصفها مرحلة انتقال نحو الشيوعية؛ التي تلتغي فيها الملكية ويزول صراع الطّبقات، بزوال الطبقات، وتزول معه الحاجة إلى الدولة، كأداة لإدارة مجتمع سيدير نفسه بنفسه.

ومع أن مارکس “لا يعتبر الاشتراكية نمط إنتاج، مثلَ نمطِ الإنتاج الشيوعيّ؛ ومع أنّه لم يحدّد، على وجه التّحقيق، طبيعة المرحلة الاشتراكية؛ إلا أنه أشار، في غير نص، إلى أنها تتميز بسمتين رئيستين عوَّل على دورهما التمهيدي في التأسيس لما بعدها: الشيوعية. هاتين السمتين هما: السيطرة المباشرة للمنتجين على وسائل الإنتاج، ثم اضمحلال Deperissement الدولة اضمحلالا تدريجيًّا”.

خرجتِ اللينينية، وفق الكاتب، عن خطّ النّظرة الماركسيّة الاشتراكية، منذُ لينين حتى انهيار جدار برلين وانهيار الاتحاد السوفياتي. كيف ذلك؟

أفصح التأويل اللينيني عن نفسه، في نظر بلقزيز، في نصوص دافعت عن السوفييتات (مجال العمال والفلاحين) وعن فكرة إشرافها على الإنتاج. وأوحى ذلك، قبل الثورة، بتصميم لينين على تفكيك جهاز الدولة بتقوية تنظيمات المنتجين.

غير أنه، بعد الثورة، أدرك لينين الحجم المتواضع لممثلي البلاشفة في السوفييتات، مقارنة، مثلاً، مع “الاشتراكيين الثوريين”، وأدرك بالضرورة حاجة الحزب الشيوعي لجهاز دولة قوي لإدارة البلاد، خاصة بعد الحرب الأهلية في روسيا البلشفية.

دفع ذلك بالبلاشفة إلى تقوية جهاز البوليس السياسي، ومن ثمّة تعزيز حضور الدولة في الحياة العامة، بل إلى اجتياحها الكلي للاجتماعي وللمجال الخاص، على نحو كلاّنيّ (توتالیتاريّ) ابتلع المجتمع برمته، على حدّ تعبير الكاتب.

إذن، في مقابل اضمحلال تدريجي، حسب تصور مارکس، للدولة وأجهزتها، انتهت اللينينية إلى دولنة Etatisation المجتمع، وإلى تضخم أجهزة الدولة السوفييتية وأدوارها.

في المحصّلة، لا يعدّ بلقزيز تأويل لينين قراءة خاطئة لفكر مارکس، بقدر ما انتظم تحت سقف الحاجة إلى الجواب عن حاجات تاريخية في روسيا: بناء دولة قوية أنهكتها الحرب العالمية الأولى، وأرهقها الاحتلال الألماني لبعض أراضيها والإهانات التي تجرعتها منه، كما في “معاهدة بريستلیتوفسك” في مارس 1918، فضلاً، عن تهديد السياسات الإمبريالية والبريطانية والفرنسية المعادية، وسعي الغرب الرّأسمالي إلى محو الأثر الشيوعي من العالم وقتئذٍ!

في النهاية، هناك قرائن كثيرة يقدمها بلقزيز، ولا مجال لعرضها هنا، لكن يجوز القول إنّ لينين ظل وفيا لظروف تاريخه وحاجات مجتمعه، ولم ينتصر لرؤية مارکس حرفيًّا على حساب تلك الحاجات… فأفرزت مرحلة حكم البلاشفة ما سماه الباحثون، من طينة سمير أمين، برأسماليّة الدولة!

هكذا… تكون الثورة البُلشفية ثورة فريدة ونادرة فعلاً، لكنّها تخصّ روسيا، وليس حتميًّا أن تحاول أي ثورة أخرى في العالم… أن تستلهمها “حرفيًّا”!

مقالات قد تثير اهتمامك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *