×
×

الثورة البلشفية: “الاشتراكيّة” في روسيا بطُعم “الإرهاب” والدّماء؟ 3\4

… حين انتصر البلاشفة، نهجوا طريقًا اشتراكيًّا، تمثل في تأميم كل الأراضي الفلاحية التابعة للكنيسة أو الكولاك (كبار الفلاحين)، ومصادرة فائض الإنتاج الفلاحي، كما تمّ فصلُ الكنيسة عن الدولة، وتم تأميم المصانع ووضعها تحت رقابة العمال (البروليتاريا).

تابعنا في الجزء الأول تفاصيل الثورة الروسية منذُ 1905 وفشل تلك المحاولة، ثمّ انتقلنا في الجزء الثاني إلى تقديم الأحداث التي سبقت الثورة البلشفية الناجحة لسنة 1917.

في هذا الجزء الثالث، نرصدُ كيف باتت روسيا بعد نجاح هذه الثورة، وما قيل عن العنف و”الإرهاب” الذي صاحبها…

نجاح الثورة، رغم كلّ ما قيل، فتح قوساً جديداً ليبرز أنّ الاشتراكيّة حلمٌ جميل، لكنّه مستحيلُ التطبيق، كما قال المفكّر المغربيّ الراحل محمد سبيلا.

لينين… وانتصار الثورة؟

حين انتصر البلاشفة، نهجوا طريقًا اشتراكيًّا، تمثل في تأميم كل الأراضي الفلاحية التابعة للكنيسة أو الكولاك (كبار الفلاحين)، ومصادرة فائض الإنتاج الفلاحي، كما تمّ فصلُ الكنيسة عن الدولة، وتم تأميم المصانع ووضعها تحت رقابة العمال (البروليتاريا).

لم ترق التعديلات الجديدة البورجوازية والقياصرة ورموز النظام القديم؛ وحتى بعض الاشتراكيين على غرار المناشفة، فأصبحت روسيا، منذ قيام الحكم البلشفي، مسرحاً لحرب أهليّة تفشت في البلد منذ 1917 إلى غاية 1922.

بالتأكيد أنّ الحرب حُسمتْ لصالح البلاشفة، نتيجة تحكمهم في جهاز البوليس السياسي (تشيكا الذي تحول فيما بعد إلى الكي جي بي – والذي خصصنا له ملفا كاملا على مرايانا)، فضلاً عن إمساكهم بناصية أقوى الجيوش الروسية: كتائب “الجيش الأحمر”، الذي محق “الجيش الأبيض”، الذي يمثل مصالح الثّورة المضادة. تقول بعض المصادر إنّ عدد القتلى في هذه الحرب ناهز 5 ملايين روسيًّا.

بعد الانتصار في الحرب الأهلية، أعلن البلاشفة، سنة 1922، عن قيام “اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية”، بقرار من مجالس السوفيات في كل من: جمهورية روسيا الاتحادية الاشتراكية السوفياتية، وجمهورية أوكرانيا، وجمهورية بيلاروسيا، وجمهورية ما وراء القوقاز.

في ذات العام، اتُخذت موسكو عاصمةً للحزب الشيوعي، الذي عوّض التعددية الحزبية وقضى عليها؛ وبالتالي، أصبحت موسكو عاصمة الاتحاد السوفياتي، الذي تمّ الاعتراف به دوليًّا، وكانت البداية مع اعتراف بريطانيا فلحقتها إيطاليا وفرنسا…

كان الوضعُ الجديدُ إيذاناً بأن تطبيق سياسة شيوعية الحرب، ساهم في تأزم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وخلق أزمة في روسيا البلشفية، التي كانت حديثة العهد في التّصنيع، ولم ترقَ إلى مثيلاتها كألمانيا وبريطانيا…

لذلك، نهجَ لينين السياسة الاقتصادية الجديدة NEP، وهي “إصلاحات رأسماليّة لخدمة الاشتراكية!”، حيثُ تراجع لينين في تلك الفترة عن تطبيق الاشتراكية، من خلال تشجيع المبادرة الحرة والانفتاح على الرأسمال الأجنبي، والتراجع عن مصادرة فائض الإنتاج الفلاحي، وتم تأسيس الاتحاد السوفياتي كاتحاد فيدرالي، سنة 1922، يضم مختلف القوميات…

بفضل هذه السياسة، ارتفع حجم الإنتاج الاقتصادي، واستفادت فئة الكولاك والبورجوازية أيضاً، فظلّت هذه السياسة منبع إلهام للبعض ومحطّ تساؤلات كثيرة للبعض الآخر.

ستالين: ديكتاتورية جديدة!

توفي لينين سنة 1924، فحدث خلافُ بين جوزيف ستالين وتروتسكي، غير أنّ ستالين تسلم زمام الأمور غداةَ محق معارضيه بالقوة، سيما تروسكي (الذي نادى بتصدير الثورة خارج روسيا وتطبيق الاشتراكية) مستخدما الاعتقال والنفي والاغتيال.

بمجرّد صعود ستالين، بدأت صورة الثورة تنهار وتنذرُ بفظاعة أخرى، لم تتضح معالمها بتلك الحدّة مع لينين: الاستبداد والحكم المطلق والعنف… والإرهاب!

انفرد ستالين بالسلطة، وركز نفوذه في أجهزة الحزب الشيوعي والدولة والبوليس السياسيّ. غير أنّه استمرّ في تطبيق السياسة الاقتصادية الجديدة إلى غاية 1928. لكن…

سرعان ما نهج ستالين سياسة جديدة، عُرفت بسياسة التخطيط، من خلال وضع تصاميم خماسية تُعنى بالميدان الاقتصادي والاجتماعي، وتكوين الكولخوزات Kolkhozes، أي تجميع أراضي الفلاحين في تعاونيات ويتقاضى الفلاح أجره ونسبة من الأرباح، وكذلك السوفخوزات Sovkhoze، التي هي أراضي تابعة للدّولة ويعتبر الفلاح العامل فيها أجيراً.

تمّ أيضاً تأميم الصناعة والتجارة، وإعطاء الأولوية للصناعة الثقيلة، واستغلال مكثف للثروات الطبيعية، وتطوير شبكة المواصلات، والاهتمام بصناعة الأسلحة انطلاقا من التصميم الخماسي الثاني.

خلّفت هذه السياسة نتائج مُلفتة للنظر، حيثُ ارتفع منسُوب الخوف، ومعه، بالتّبعة، الإنتاج الفلاحيّ والصناعيّ، وتمكن ستالين من القضاء على الكولاك، وبرزت أهمية الطبقة العاملة، وارتفعت نسبة سكان المدن، وتكونت طبقة مستفيدة، وهي الأباراتشيك Apparatchiks المكونة من أطر الحزب والدولة والأطر العليا… وليس بالضرورة من العمال!

ثورة غيّرت العالم؟

لا يمكنُ إنكارُ الدور الذي لعبته الثورة البلشفية في تغيير ملامح العالم منذُ 1917، حتى 1991، أي السنة التي انهار فيها الاتحاد السوفياتي من خلال سقوط جدار برلين.

كانت الأحداث التي سميت بمجملها “الثورة الروسية”، مرحلة محورية في تاريخ القرن العشرين لما تبعها من تغييرات على الصعيد الجيو-سياسي والاقتصادي والفكري في أوروبا والعالم، إذ كانت هذه الثورة سبباً محوريًّا في دخول العالم في حرب باردة بين المعسكرين الغربي (بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية) والشرقي (بقيادة الاتحاد السوفياتي).

ما أن وضعت الحربُ العالمية الثّانية أوزارها، وتمّ دحرُ ألمانيا النّازية في هذه الحرب، حتى بدأت حربٌ نفسيّة بين القطبين، كان عنوانها التّسابق نحو التّسلح والاستقطاب، وضرورة تصدير الثورة البلشفية إلى الخارج… حرب، كان أساسها أيديولوجيّا، بين مرجعية رأسمالية ومرجعية شيوعية!

تقوّت روسيا في ظلّ الاتحاد السوفياتي، وتمكنت من نشر الفكرة الاشتراكية في أوروبا الشرقية ومناطق مختلفة من العالم، حتى أنها خلقت نهضة اقتصادية كبيرة نتيجة اتجاهها نحو التصنيع بدلا من الزراعة… وقامت الحكومة فورا بعد الثورة، بتأميم البنوك والمنشئات الوطنية، والتنصل من الدين الخارجي.

لكنّ أهمّ نقطة، كانت أنّ الثورة البلشفية عبّرت عن حصريتها وجدّتها… في الانتقال بالماركسية من جانبها الفكريّ النظري، إلى جانب عملي واجتماعي وتاريخيّ.

يجوز التساؤل اليوم، بعد مرور قرن ونيف عن هذه الثورة: هل طبّقت الماركسية تطبيقاً أميناً؟ وهل يجوز محاكمة الماركسية بما حدث باسمها من فظاعات في الاتحاد السوفياتيّ؟

هذا ما سنحاول الرد عليه في الجزء الرابع والأخير.

مقالات قد تثير اهتمامك:

 

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *