×
×

الكي جي بي… “فظاعة” الثّورة البُلشُفية أو… العنف في خدمة الشيوعية 2/4

هؤلاء “البؤساء”، ضحايا عنف البوليس السياسي السوفياتي، والذين ينتمون في الغالب إلى فقراء الريف والمدن، ليسوا منحرفين بالضرورة عن القَانون العام، بل هم ضحايا للقمع السياسي الذي يعاقب أدنى تمرد اجتماعي، أدنى جريمة تُرتكب في غمار المِحنة…

رأينا في الجزء الأول من هذا الملف، ظروف إنشاء جهاز الكي جي بي وتطوره، وكذلك لجوءه إلى صناعة السموم لخلق التّكافؤ من حيث الأسلحة مع القطب الرأسمالي بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية.

في هذا الجزء الثاني، نقدّم لمحة عن العنف الذي اتسمت به سياسات البوليس السياسي، تجاه المواطنين والقوميات والإثنيات.

…في فترة ما، غدَا جهاز المخابرات السوفياتية متحمساً بشكل غريب ومريبٍ في ملاحقته للأعداء، ومضايقة واعتقال، وأحيانًا نَفي وتهجير المُدافعين عن حقوق الإنسان والنشطاء المسيحيين واليهود، فضلاً عن المثقفين الذين تم الحكم عليهم بأنهم غير موالين للنظام، كما حدث للحائزين على جائزة نوبل، وهما ألكسندر سولجينتسين وأندري ساخاروف.

حملاتُ الترحيل القسري

تخلص الكثير من الأبحاث، أنّ جهاز الأمن NKVD لم يكن مختصّا في الحالات الفردية التي تعارض المد الشيوعي أيديولوجياً فحسب، بل كان يدير، أيضًا، عمليات الترحيل الجماعي للمجموعات الاجتماعية أو العرقية أو القومية التي يُحكم عليها، في لحظة مُعينة، بأنها مشتبه بها أو “عدوّة” للنظام السوفياتي.

بعد وفاة ستالين، شهد الاتحاد السوفياتي نوعا من “الانفراج”. تقلّص عدد السجناء بسرعة، خلال ثلاث سنوات، أي بين 1954 و1957، فانخفض عدد المعتقلين السياسيين بنسبة 98٪، من نصف مليون إلى 11000، بينما انخفض، كذلك، عدد السّجناء بنسبة 60٪ من 2.5 مليون إلى أقل من مليون.

تشير المعطيات التي رُفِعت عنها السّرية، وأوردتها مجلّة HISTORIA ضمنَ عدد مارس 2021، أنّه في الفترة ما بين عامي 1929 و1953، تم ترحيل أكثر من ستّة ملايين شخص من قبل أجهزة أمن الدولة السّوفياتية.

هذا الترحيل أو “النفي”، لم يكن نتيجة لإدانة جنائية فردية، ولكن كان نتيجة لقرار سياسي سرّي تم اتخاذه على مستوى عالٍ من الحزب الشيوعي أو أمن الدولة.

لا يستند هذا القرار “التعسفي” إلى أي أساس في القانون الجنائي السوفياتي، ولا يستهدف الأفراد، بل يستهدف الفئات التي غالبًا ينظر إليها النظام السوفياتي كخطر محدق مثل الكولاكس، أي الفلاحون الأثرياء، أو “العناصر القومية البورجوازية”، “العناصر المؤذية اجتماعياً” أو المجموعات العرقية… إلخ.

ثمّة شهادة تقدمها المجلة بخصوص هذه التّعليمات السرية، مُؤرّخة في 16 مايو 1941، تبيّنُ التدابير الواجب اتخاذها لترحيل العناصر المناوئة للسوفيات من لاتفيا وليتوانيا وإستونيا إلى المنطقة المعزولة؛ مناطق كازاخستان وسيبيريا. نترجمها من الفرنسية:

“بعد وصولهم إلى القرية، يقوم الفريق التنفيذي لأمن الدولة بالاتصال، بطريقة صارمة، مع الممثلين المحليين للسلطة السوفيتية. يقدّمون للسلطة المحلية المعلومات الدقيقة بخصوص موقع العائلات التي سيتم ترحيلها… تبدأ العملية عند الفجر. وغداة اقتحام بيت الأسرة المعنية ليتم إخلاؤه؛ يبحث قائد فريق التنفيذ عن الأسرة، ثم يجمعها بأكملها في غرفة واحدة. يتحقق من هوية كل فرد من أفراد الأسرة، تبعاً للقائمة التي توصّل بها.

عُثر على جزء صغِير فقط من المقابر الجماعية. من بين المواقع الأولى للمجازر التي تم اكتشافها، مقبرة كاتين، حيث تم دفن جثث حوالي 4500 ضابط وأعضاء من النخبة المدنية البولندية أعدمتهم NKVD بعد الاتفاق السري الذي قدمه ستالين و”رفاقه”

بعد ذلك، يتم الإعلان للحاضرين عن ترحيلهم، بقرار حكومي، وتهجيرهم إلى مناطق أخرى من الاتحاد السوفيتي مع وضع “مرحّلون بشكل خاصّ”، وأنّهم مطلوبون للإقامة في قرية خاصة للاستيطان، ومطالبون بالعمل في هياكل إنتاجية محددة، تحت إدارة معسكرات الاتحاد السوفياتي.

من الواجب أن تتم عملية “الطّرد” بأكملها بطريقة حاسمة وحازمة، ولكن بدون أقل ضجيج، ودون أدنى ضوضاء أو ذعر”.

تبيّن هذه الشّهادة الصّرامة في التعامل مع هؤلاء المرحّلين، وبأنّ الوضع حسّاس تماماً… ولكن، كم من أحدٍ يعلمُ مصير هؤلاء “البؤساء”، الذين تمّ ترحيلهم بشكل تعسّفي؟

قيل إنّهم سيذهبون نحو “حياة جديدة”. لكن… أي “حياة” يقصدون تحديداً يا ترى؟

الرّعب العظيم

جاء في مراسلة أشارت إليها HISTORIA، صادرة في 2 غشت 1937، عن العقيد بوباشينكو، رئيس NKVD  لمنطقة كويبيشيف، موجّهة إلى مرؤوسيه، مباشرةً بُعيد إطلاق حملة “الرعب العظيم”، يطالبهم فيها بضرورة تجهيز مكان سري أو قبو في بناية NKVD إن كان ذلكَ ممكناً، حيث سيتمّ إعدام المحكُومين، وسيتمّ تنفيذ الإعدام ليلاً، ودفن الجثث في مقبرة جماعية محفورة مسبقًا في مكان سري للغاية…

تم الاحتفاظ بسر الجرائم الجماعية التي ارتكبتها NKVD، وتشير الوثائق إلى أنّ العدد كان أكثر من 800 ألف عملية إعدام، تمّت بين عامي 1937 و1941.

عُثر على جزء صغِير فقط من المقابر الجماعية. من بين المواقع الأولى للمجازر التي تم اكتشافها، مقبرة كاتين، حيث تم دفن جثث حوالي 4500 ضابط وأعضاء من النخبة المدنية البولندية أعدمتهم NKVD في ربيع عام 1940 بعد الاتفاق السري الذي قدمه ستالين و”رفاقه”، ومطالبة لافرينتي بيريا، مفوض الشعب للداخلية ورئيس أمن الدولة، بتطبيق العقوبة القصوى على “المتّهمين”.

أيضاً، تشيرُ الوثائق أنّ الإعدَام تمّ بإطلاق النّار على 25700 من مُلاّك الأراضي والمصانع وضباط الشرطة وغيرهم من ممثلي البرجوازية، والذين كانوا معتقلين في معسكرات NKVD خلال خريف عام 1939 بعد احتلال الجيش الأحمر للجزء الشرقي من بولندا.

اكتشف الألمان مقبرة كاتين الجماعية، الواقعة في غابة على بعد حوالي خمسين كيلومتراً غرب الحدود البولندية البيلاروسية، في مارس 1943. وقتها، حاول الألمان تشكيل لجنة تحقيق دولية مكونة من أطباء من البلدان المتحالفة مع ألمانيا أو الخاضعة لاحتلالها.

  الرئيس السوفياتي جوزيف ستالين

في نهاية ماي 1943، نشرت اللجنةُ تقريراً مفصلاً يوضّح أن بقايا الجثث المستخرجة تعود إلى ربيع عام 1940. وقدمت جميع القرائن التي تشير إلى أن عملية الإعدام نفذتها NKVD… ولكنّه استنتاج سرعان ما تم استنكاره ودحضه من قبل السّلطات السوفياتية.

ما بعد الستالينية…

بعد وفاة ستالين، شهد الاتحاد السوفياتي نوعا من “الانفراج”. تقلّص عدد السجناء بسرعة، خلال ثلاث سنوات، أي بين 1954 و1957، فانخفض عدد المعتقلين السياسيين بنسبة 98٪، من نصف مليون إلى 11000، بينما انخفض، كذلك، عدد السّجناء بنسبة 60٪ من 2.5 مليون إلى أقل من مليون.

أما عدد المرحلين، فقد تحوّل من 2.7 مليون إلى 200 ألف واختفت المادة 58، التي اعتبرت أساس القمع السياسي، من القانون الجنائي الجديد المعتمد في عام 1958.

تمتّ وقتذاك إعادة هيكلة وزارة الداخلية وأمن الدولة في العمق، وأصبح جهاز الاستخبارات يحملُ تسمية “لجنة أمن الدولة”، الكي جي بي، والذي سيوضع حصرياً تحت السّلطة المباشرة لأعلى هيئة في الحِزب الشيوعي.

من الواضح أن الحدود بين الشّرطة العادية والشرطة السياسية لأمن الدولة، كانت مليئة بالثغرات في بنية الاتحاد السوفياتي، ما أدى إلى هذه الأعداد المهولة من الاعتقالات والنفي والترحيل في عهد ستالين.

تشيرُ الوثائق أنّ الإعدَام تمّ بإطلاق النّار على 25700 من مُلاّك الأراضي والمصانع وضباط الشرطة وغيرهم من ممثلي البرجوازية. والذين كانوا معتقلين في معسكرات NKVD خلال خريف عام 1939 بعد احتلال الجيش الأحمر للجزء الشرقي من بولندا.

فحتى أوائل الأربعينيات من القرن الماضي، بات أمن الدّولة وزارة محددة : MGB وزارة أمن الدولة، وهي متميزة تمامًا عن وزارة الداخلية.

في تلك الفترة، تمتّ إدانة ما بين 14 و15 مليون شخص من قبل محاكم عادية، بعد أن ارتكبوا جرائم أو جنح، على عكس المعتقلين السياسيين، الذين تم اعتقَالهم ومحاكمتهم من قبل أمن الدولة.

لقد كانت البنية القانونية داخل الاتحاد السوفياتي متصلّبة وقاسيةً، تُعاقِب على عدد كبير من سلوكات تقاتل للبقاء على قيد الحياة. مثلاً، أن يُجبَرَ مواطنون عاديون على سرقة الملكية الجماعية، أو جمع بضع سنابل من القمح أو القليل من البطاطس في حقول الكولخوز للهروب من الجوع.

أيضاً، “المضاربة” عن طريق بيع بعض المنتجات في محاولة لكسر حلقة الفقر؛ وكذلك التخلي عن أماكن عملهم للهروب من استغلال قاسٍ، أو حتى انتهاك نظام جوازات السفر الداخلية للبحث عن عمل في المُدن الكبرى… كانت عقوبة مثل هذه المُمارسات غير منطِقية، تتراوح بين ثمانية وعشرة سنوات في “المنفى”.

هؤلاء “البؤساء”، الذين ينتمون في الغالب إلى فقراء الريف والمدن، ليسوا منحرفين بالضرورة عن القَانون العام، بل هم ضحايا للقمع السياسي الذي يعاقب أدنى تمرد اجتماعي، أدنى جريمة تُرتكب في غمار المِحنة…

فهل كانت القسوة والقوة هما كل ما يملك الاتحاد السوفياتي، أم كانت له استراتيجيات لا تخلّف أثراً إلاّ على المستوى البعيد؟

بشكل أدقّ… كيف تعامل الكي جي بي مع “حتمية” التجسس؟

هذا ما سنحاول التقاطه في الجزء الثالث.

مقالات قد تثير اهتمامك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *