×
×

هل لازالت المخابرات الرّوسية تحملُ “بعض” بقايا النّظام السياسي السوفياتي؟ 4/4

روسيا في عهد بوتين، ما فتئت تطرح نفسها كفاعل رئيس ومؤثّر في السياسة الدّولية. ما يبيّن ذلك، أنها قبضت بقوة على عدد من قضايا منطقة الشرق الأوسط، مع أنّها تتحرك بحسابات دقيقة جداً، ووفق رؤية استراتيجية تتوافق ومصالحها وأولوياتها، وكذلك حدود ما تسمح به قدراتها والتوازنات المختلفة في المنطقة.

رأينا في الأجزاء الأوّل والثّاني والثّالث من هذا الملف، تطوّر جهاز المخابرات السوفياتي، وسهره على إنشاء مختبرات السم وكذلك الرعب العظيم وحملات الترحيل…

في هذا الجزء، نرصد أوجه التشابه بين مخابرات الاتحاد السوفياتي سابقاً، وأجهزة روسيا الأمنية اليوم…

لا خلاف أن جهاز المخابرات السوفياتي، ظلّ حاضراً في صلب العديد من المسؤوليات والمؤامرات. تشير روايات تاريخية إلى أنّ الكي جي بي، تمتّع بالرهبة وظلّ يُخشى ويحترم حتى النهاية.

في عام 1991، ساعد رئيس الكي جي بي، الشيوعي “المتشدد”، فلاديمير كريتشكوف، في هندسة محاولة انقلاب ضد الزعيم السوفياتي الإصلاحي ميخائيل جورباتشوف.

في عهد فلاديمير بوتين، رئيسُ روسْيا، يعتبر متتبّعون أنّ بوتين يحمل إرثاً سوفياتياً لم يستطع التخلّص منه، خصوصاً عندما قال: “إن انهيار الاتحاد السوفياتي هو أكبر كارثة جيوسياسية في القرن العشرين”.

أُحبطَ الانقلاب وتفكك الاتحاد السوفياتي. في نفس السّنة، تم تفكيك الكي جي بي، واستبداله في النهاية بجهازين: إف إس بي (FSB)، الذي يتعامل مع الأمن الدّاخلي ومكافحة الإرهاب، وإس في أر (SVR)، الذي يتعامل مع التّجسس الدولي…

مع ذلك، لازال كلاهما يتمتّع بسمعة مُخيفة، مما يضمن بقاء الإرث “المشؤوم” لتشيكا و الكي جي بي، واستمراره حتّى الآن، خصوصاً وأنّه لم تتمّ محاسبة هذا الجهاز الاستخباراتي على الجرائم التي ارتكبت في حق الشعب الروسي، والتي ترقى إلى كونها “جرائم ضدّ الإنسانية”…

في التّشابه…

بعد مرور عقدين على سقوط الاتحاد السوفياتي، وتحديداً سنة 2010، تبنى مجلس النواب “الدوما” الروسي، مشروع قانون يوسع لدرجة كبيرة صلاحيات جهاز الاستخبارات ” إف إس بي”، والذي وصفتهُ المعارضة ومنظمات حقوق الانسان بأنّه “وسيلة أخرى للضغط على المواطنين”.

يمنح القانون، الذي كان جديداً وقتذاك، جهاز الاستخبارات، وريث الكي جي بي في العهد السوفياتي السابق، صلاحياتٍ واسعة، منها تغريم مواطن يرفض الانصياع لموظف أمني، أو توقيفه لمدة تصل إلى خمسة عشر يوما، كما يجيز القانون لموظفي الاستخبارات، توجيه ما يُسمى “تحذيرات مُلزمة” إلى أي مُشتبه به في الإعداد لارتكاب جريمة معيّنة.

“الجواسيس… سيكونون موضوعاً مهماً لفلاديمير بوتين… وقد لا تكون روسيا عملاقاً اقتصادياً، لكن التجسس هو أحد المجالات التي لا تزال فيها قوة من الدرجة الأولى، وسيضاعف بوتين اعتماده على أجهزة المخابرات الخاصة به كوسيلة لممارسة القوة والتأثير في جميع أنحاء العالم”.

تمت المصادقة على القانون في يوليوز 2010، مع تعديل وحذف بعض المواد التي وردت في المسودة الأولى للقانون، وتحديداً تلك التي تقضي بتشديد القيود على الإعلام وتسمح لجهاز الأمن الفدرالي بنشر تحذيرات في الصّحف، وذلك نزولاً عند رغبة العديد من نواب المعارضة والسلطة في آن واحد… لكن ذلك لم يُسكت الأصوات التي اعتبرت أنّ القانون يعيد روسيا إلى أيام الكي جي بي، ومحاولة جعل المخابرات فوق القانون والمساءلة!

في عهد فلاديمير بوتين، رئيسُ روسْيا، يعتبر متتبّعون أنّ بوتين يحمل إرثاً سوفياتياً لم يستطع التخلّص منه، خصوصاً عندما قال: “إن انهيار الاتحاد السوفياتي هو أكبر كارثة جيوسياسية في القرن العشرين”.

عُثر على بطاقة هوية تجسس فلاديمير بوتين، الخاصة بأمن الدولة في ألمانيا الشرقية (شتازي)، والتي استخدمها بوتين عندما كان يعمل لصالح الاتحاد السوفياتي، محفوظة في أرشيف الشرطة السرية الألمانية في دريسدن.

لا يَخفى أن ّالرئيس بوتين، تدرج في مهمات عدّة.

ابن مدينة سانت بطرسبورغ الروسية، الذي عاصر الشّيوعية وانضم إلى جهاز المخابرات السوفياتية، كي جي بي، كـ”عميل” لديها في ألمَانيا الشّرقية سابقاً… غادر البلاد سنة 1985 ليعود إليها بعد خمس سنوات. وبُعيْد رجوعه عام 1990 بدأت حياة بوتين السّياسية انطلاقاً من بلدية سان بطرسبورغ.

روسيا في عهد بوتين، ما فتئت تطرح نفسها كفاعل رئيس ومؤثّر في السياسة الدّولية. ما يبيّن ذلك، أنها قبضت بقوة على عدد من قضايا منطقة الشرق الأوسط، مع أنّها تتحرك بحسابات دقيقة جداً، ووفق رؤية استراتيجية تتوافق ومصالحها وأولوياتها، وكذلك حدود ما تسمح به قدراتها والتوازنات المختلفة في المنطقة.

مؤخّراُ، سأل المذيع جورج ستيفانوبولوس الرئيس بايدن في حوار تلفزيوني: هل تعتقد أن بوتين قاتل؟ أجاب بايدن “نعم أعتقد ذلك”. ثمّ احتدم التّوتر الديبلوماسيّ والنّقاش والمزبد من التراشق بالاتهامات بين الرّئيس الأمريكي بايدن والرّئيس الرّوسي بوتين.

الأمر، بالفعل، إيذان بعودة العالم إلى “أحضان” “حرب باردة”… لكن هذه المرّة في جبّة قطبية مُتعددة: روسيا والصين وأوروبا والولايات المتحدة.

نوفيتشوك… الوافد الجديد!

في شتنبر من العام 2020، أعلنت وسائل إعلام دولية أن المعارض الروسي، أليكسي نافالني، قد تم تسميمه بمادة مؤثرة على الأعصاب، ما يجعل قضيّة التّسميم أكثر خطورة مما كانت عليه بالفعل.

زادت حدّةُ الشّكوك في أن الدولة الرّوسية، رغم نفيها، ضالعة في ذلك، وهي من يقفُ وراء عملية التسميم.

هذا السلاح الكيماوي يحتوي على مادّة سامّة مؤثّرة على الأعصاب تسمّى “نوفيتشوك”، وتعني الكلمة “الوافد الجديد” باللغة الروسية، وتشير إلى مجموعة من المواد الكيميائية، طورها الاتحاد السوفيتي في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي في مختبر في أوزبكستان، قبل تفكك الاتحاد السّوفياتي عام 1991.

التهديد الروسي لم يختف أبداً، ولم يبرأ من “فظاعته”، بل أنّه كان يتحول إلى مرحلة جديدة أكثر اضطراباً.

تعتقد وكالات الاستخبارات الغربية أن مادّة نوفيتشوك قد تم تعديلها، منذ ذلك الحين، لتصبح سلاح اغتيال يصعب اكتشافه،  بتقنيات سرية يمارسها عملاء المخابرات العسكرية الروسية، بما في ذلك تلطيخ مقابض الأبواب بها.

في مارس 2018، قالت الشرطة البريطانية إن محاولة قتل الجاسوس البريطاني السّابق، سيرغي سكريبل، وابنته في بريطانيا تمت بغاز الأعصاب.

ألكسندر ليتفينينكو، الذي كان عميلاً سرياً لدى الاستخبارات الداخلية للاتحاد الروسي FSB وهرب إلى لندن في العام 1999، وانضمّ إلى المخابرات السرية البريطانية  MI6 ووجّه انتقادات لاذعة للكرملين، تعرّض في نونبر 2006 للتسميم من طرف زملائه من أجهزة الاستخبارات، الذين التقاهم يومها، فقدموا له “الشاي” في حانة الفندق… في الليلة التالية، شعر ليتفينينكو بالتّعب والحاجة إلى التقيؤ، كما عانى من ضيق التنفس، كما نقلت وسائل الإعلام الدولية.

… عشيةَ نقله إلى المستشفى، استمرت حالته في التدهور، وقبل وفاته بفترة وجيزة بعد ثلاثة أسابيع، قال الأطباء إن ليتفينينكو قد تعرّض للتسميم بواسطة مادة البولونيوم المعدني المشع 210.

الجواسيس… عصا روسيا السّحرية!

مع أنّ الاتحاد السوفياتي سقط منذُ ثلاثة عقود من الزّمن، إلاّ أنّ فلاديمير بوتين، وفق الباحثين، نفخ في التجسس والعِمالة نفساً جديداً، يحنّ إلى أيام الحرب الباردة وعلو نجم الجواسيس، كما رأينا في الجزء الثالث من هذا الملف.

يعود العالم إلى “أحضان” “حرب باردة”… لكن هذه المرّة في جبّة قطبية مُتعددة: روسيا والصين وأوروبا والولايات المتحدة.

يقول غوردون كوريرا في كتابه الجديد “روسٌ بيننا”، إن “الجواسيس… سيكونون موضوعاً مهماً لفلاديمير بوتين… وقد لا تكون روسيا عملاقاً اقتصادياً، لكن التجسس هو أحد المجالات التي لا تزال فيها قوة من الدرجة الأولى، وسيضاعف بوتين اعتماده على أجهزة المخابرات الخاصة به كوسيلة لممارسة القوة والتأثير في جميع أنحاء العالم”. كما ينقلُ محمد خير ندمان.

حسمت روسيا في عهد فلاديمير بوتين مع الميكنيزمات التقليدية في استخدام جواسيس سريين غير شرعيين، عبر أسماء مستعارة وجوازات مزوّرة إلخ… بمعنى أن الجواسِيس في السّابق، كانوا مواطنين روس، على غرار بيزركوف وفافيلوفا، ظفروا بالجنسية الأميركية وشكّلوا طغمة من الطّبقة الوسطى هناك، ضمن عملية استغرقت وقتاً غفيراً للنّفاذ إلى عمق الولايات المتحدة اعتماداً على أسمائهم وشخصياتهم الجديدة.

هؤلاء العملاء الجدد، هم من الرّوس الذين لم يتم تدريبهم كجواسيس على الإطلاق، لكن تم اختيارهم للمساعدة. وفي بعض الحالات، ربما لا يعرف هؤلاء الأشخاص أنهم يعملون لصالح المخابرات الروسية، كما يقول الكاتب.

في سنة 2010، تم القبض على مجموعة من الجواسيس الرّوس في الولايات المتحدة. كان ذلك تتويجاً لتحقيق استمر زهاءً عقد من الزّمن، وتم في النّهاية تبادل عشرة أشخاص، بمن فيهم آنا تشابمان، بأربعة أشخاص محتجزين في روسيا.

ما يسعى أن يبرزه كتاب “روسيون بيننا” (RUSSIAN AMONG US)، هو أنّه في ذلك الوقت، كان يُنظر إلى عودة روسيا إلى الجواسيس على أنها مجرد عودة للحرب الباردة. لكن هذا التّصور سيثبت أنه خطأ استراتيجي ونبوءة قاصرة… لأنه كان فقط تذكيراً بأن التهديد الروسي لم يختف أبداً، ولم يبرأ من “فظاعته”، وأنّه كان يتحول إلى مرحلة جديدة أكثر اضطراباً.

الكاتب يشير أيضاً إلى القرصنة السيبرانية والتجسس الرقمي، الذي طفا إلى السّطح، عبر اتهام روسيا في اختراق النظم المعلوماتية الحسّاسة للكثير من البلدان، كألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة وسويسرا وهولندا والنرويج وليتوانيا والنمسا.

في نهاية سنةِ 2020، نقلت وسائل إعلام أميركية بأن وزارتي الخارجية والأمن الداخلي، انضمتا إلى وكالات فدرالية أخرى وشركات كبرى، تعرضت لهجمات إلكترونية، واتهم مسؤولون أميركيون روسيا بتنفيذها، وهو ما نفته موسكو، حينها.

في الأخير، الواضح أنّ الثورة البلشفية كانت تتمتّع بوجه من التخفي والقسوة و”الإرهاب” المنظّم، من خلال ضلوعها، كما تبين في الملف، في جرائم الترحيل القسري والقتل وتشييد المقابر الجماعية ومختبرات التسميم للقضاء على شقّ من الإنسانية.

لا يسعى الملف إلى تبرئة الغرب من هذه الأعمال الشّنيعة والجرائم المرتكبة باسم الليبرالية السياسية والاقتصادية، والتي دفعت، بشكل من الأشكال، إلى تصلبّ جهاز الاستخبارات السوفياتي… ولكن!

على ما يبدو، فقد كان حلم الشيوعية ملطّخا بـ”الظلم” و”الدّماء” و”الاستبداد” و”القتل”، ولازالت روسيا اليوم، تبرز وجهاً “عنيفاً” للثّورة الروسية.

… والقتل باسم الشّيوعية ما هُو، أيضاً، إلاّ ردِيف للإرْهاب باسم الدّين!

فهل الدعوات المطرُوحة لدى “أنصار” اليسار “الراديكالي” والحنين إلى لينين وستالين، يريدون بها رُوح الثّورة البُلشفية… أم تطبِيقها كاملةً، حتى بعُنفها المنظّم باسم البوليس السياسي؟

مقالات قد تثير اهتمامك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *