إخوان الصفا… رفع الطّلاق بين الشّريعة والفلسفة! 2 - Marayana - مرايانا
×
×

إخوان الصفا… رفع الطّلاق بين الشّريعة والفلسفة! 2\4

لم يكن التوفيقُ بين الدين والفلسفة عند إخوان الصّفا بالمعنى المتعارف عليه. بمعنى، ليس “محاولة الجمع بين الحقائق الدينية والحقائق الفلسفية عن طريق الميل بإحداهما إلى الأخرى، أو استخلاص حقيقة ثالثة تجمعُ العناصر المشتركة والمتناسقة من هاتين الحقيقتين، وهو ما نجدهُ عند فلاسفة الإسلام كالفارابي وابن سينا مثلاً”.

في الجزء الأول من هذا الملف، تابعنا تفاصيل الغموض الذي طال نشأة إخوان الصفا واختلاف الباحثين حول المسألة… كما رأينا أن دعوة الإخوان كانت نوعياً “اشتراكية” في العلم والمال، كما يعتقدُ محمود إسماعيل.

في هذا الجزء الثّاني، سنبين كيف حاول إخوان الصفا رفع الطلاق الذي فرضه “الفقهاء” بين الشّريعة والفلسفة…

لهذا الغرض، سننطلقُ من إحدى رسائلهم التي يقولُ فيها الإخوان:

“والجملة ينبغي لإخواننا، أيّدهم الله تعالى، أن لا يعادوا علما من العلوم، أو يهجروا كتاباً من الكتب، ولا يتعصّبوا على مذهب من المذاهب؛ لأّن رأينا ومذهبنا يستغرق المذاهب كلّها، ويجمع العلوم جميعَها، وذلك أنّه هو النظر في جميع الموجودات بأسرها الحسية والعقلية، ومن أولها إلى آخرها، ظاهرها وباطنها، جليّها وخفيّها، بعين الحقيقة من حيثُ هي كلّها من مبدأ واحد وعلة واحدة وعالم واحدٍ ونفسٍ واحدةٍ، محيطةٍ جواهرها المختلفة، وأجناسها المتباينة وأنواعها المفننة وجزئياتها المتغايرة”.

كانت نظرة إخوان الصفا للعقل متقدمة في الوقت الذي صدرت فيه “الرّسائل”، وكان اعتمادهم على الشّريعة واضحاً، فضلاً عن كونهم تمكنوا، فعلياً، من رفع الطّلاق بين الدين والفلسفة؛ وهو الطلاق الذي ساد بفعل النّقل في التعامل مع الشّرع.

يبين هذا فكراً متسامحاً موسوعياً ومنفتحاً لدى إخوان الصفا، كنتيجة منطقية لاعتماد الفلسفة، بعيداً عن الحسابات المذهبية الضّيقة التي تعيقُ دور المعرفة، وتُديمُ الطّلاق بين الشّريعة والحّكمة!

“زواجُ” الشّريعة والفَلسفة!

ترى جماعة إخوان الصّفا أنّ الخصام القائم هو، عملياً، بين رجالات الدّين ورجالات الفلسفة، وليس بين الدّين والفلسفة.

لذلكَ، يقولُ الإخوان إنّ العلماء الشرعيين، الذين ينكرون الفلسفة، “إمّا لقصور فهمهم عما وصف القوم، أو لتركهم النّظر فيها واشتغالهم بعلم الشّرع وأحكامه أو لعناد بينهما”. [1]

أمّا الفلاسفة الذين ينكرون الدين، فقد “ذهبت عنهم معرفة كتب الأنبياء لتركهم البحث عنها وإعراضهم عن النّظر فيها وقصور فهمهم عن تصورها”. [2]

أنكر الإخوان المعجزات، والعقل هو المستند في إنكارها؛ لأنّه هو الذي يستكشف قانون العلاقة السببية بين الأشياء والأحداث وبين أسبابها موضوعها.

لهذا، لم يكن التوفيقُ بين الدين والفلسفة عند إخوان الصّفا بالمعنى المتعارف عليه. بمعنى، ليس “محاولة الجمع بين الحقائق الدينية والحقائق الفلسفية عن طريق الميل بإحداهما إلى الأخرى، أو استخلاص حقيقة ثالثة تجمعُ العناصر المشتركة والمتناسقة من هاتين الحقيقتين، وهو ما نجدهُ عند فلاسفة الإسلام كالفارابي وابن سينا مثلاً”. [3]

التوفيق الذي أراده إخوان الصّفا، يرجع إلى مجرد رفع النّزاع، وتقرير التّعاون بينهما وشرح بعض النّصوص الدينية بالمعاني الفلسفية التي تتدرّج علوّا حسب المدارج الفكرية للناس… [4]

إلهيات إخوان الصّفا!

تتمثّل المؤثرات الإسلامية في إلهيات الإخوان، حسب محمود إسماعيل، في نقل الرؤية القرآنية عن الله في وحدانيته وتنزيهه وخلقه العالم، مدعمين إياها بالنظام العددي الفيتاغوري. [5]

يعتبر الباحث أن رسائلهم كانت طافحة بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية، إلى جانب نظام الأعداد. فالله “واحد” والعقل الأولُ “ثانٍ” وهكذا. [6]

الله عند الإخوان هو الوجود الأعظم الأزلي المنزه عن التشبيه والصفات. ومع ذلك، فقد أقروا، يقول الكاتب، بجميع التصورات المعروفة عنه، سواء عند العوام الذين يشبهونه، أو عند من يرون فيه صورة روحية سارية في جميع الموجودات، كما هو حال المتصوفة، أو من أنكروا تصويره لأنّ الصورة لا تكون إلا في مادة، كما هو حال الفلاسفة. [7]

رفض إخوان الصفا التقليد ما دامت البراهين المتوارثة لا تتفق والعقل الإنساني… تعاطفوا مع من لا يستطيع أن يترك ديناً أو مذهباً، لأنهم كانوا متفهّمين أن ينشأ الفرد وسط دين آبائيّ لا يستطيع إدراك بطلانه.

وهم إذ يجيزونه كله، تكون حجتهم في ذلك أنّ الله لا يضار من هذه التصورات المختلفة من ناحية، ولتحاشي إحداث بلبلة وحيرة في النّفوس، من ناحية أخرى.

في هذا، كما هو واضح، شهادة على “نزعتهم العملية فضلاً عن حرصهم على استرضاء سائر المتمذهبين، بغية الإقبال على دعوتهم… وهم بذلك كفِيلون بتصحيح تصوراتهم وإقناعهم برؤية مذهبهم الخاص؛ وهو أنّ الله “هوية وجدانية تفيض منها الموجودات. [8]

لا شكّ، هنا، أنّ إخوان الصفا تأثروا في معرفة الموجودات التالية لله، بنظرية “الفيض” الأفلاطونية والأرسطية بعد “تعديلها وتقديم صيغة جديدة لا تتعارض مع التصور الديني، مدعومة بنظام الأعداد الفيتاغوري… فلم يقولوا بقدم العالم إنّما جاروا رأي الدين في أنّه محدث ولم يأت دفعة واحدةً”. [9]

لكنّهم، يقول محمود إسماعيل، أعطوا الفيض بعداً عقلانياً باستخدام “العلة والمعلول” في صدور المخلوقات المتراتبة التي فاض بعضها عن بعضها فجعلوها “فاعلة منفعلة”. [10]

العقل.. ثمرةُ إخوان الصّفا!

كان موقف إخوان الصفا من العقل متقدّما، وهذا بديهي باعتبارهم يعتمدون الفلسفة في النّظر في أمور الشّريعة والدّين.

ينقلُ عنهم حسين مروة أنهم، في رسائلهم، يذهبون إلى تعريف العقل الإنساني بأنّه التمييز الذي يخصّ كلّ واحد من أشخاصه دون سائر الحيوانات. [11]

وهو ما يقصدون به، وفق مروة، أن العقل يخصّ كل واحد من أشخاص الإنسان… فـ”ما دام العقل هو الخاصة الأساسية المميزة للإنسان – كل إنسان – فهل لمن يعترفُ بذلك، بلهجة التحديد والتعميم، أن يهمله جانباً، فلا يجعله الدليل إلى المعرفة وكشف المجهول واستطلاع حقائق الوجود”. [12]

أكثرَ من ذَلكَ، أنكر الإخوان المعجزات، والعقل هو المستند في إنكارها؛ لأنّه، يقول مروة، هو الذي يستكشف قانون العلاقة السببية بين الأشياء والأحداث وبين أسبابها موضوعها. [13]

على هذا الأساس، تأوّلوا ما ورد في الكتب الدّينية من أخبار المعجزات، فأخضعوها “لأحكام العلاقة السببية، وجردوها من الهالة “العجائبية” اللاهوتية.

من القصص الواردة في القرآن التي تأولها الإخوان، هي إحياء المسيح عيسى للموتى، فذهبوا إلى أن الموت هو الجهل والمسيح يقوم بإحيائهم بالمعرفة والعلم؛ كما اعتبروا أن إشفاءه للعمى هو، عملياً، عمى القلب والبعد عن الحق والذي يشفيه المسيح بإرشاد القلب إلى الحق والبصر. [14]

يقولُ الإخوان إنّ العلماء الشرعيين، ينكرون الفلسفة، “إمّا لقصور فهمهم عما وصف القوم، أو لتركهم النّظر فيها واشتغالهم بعلم الشّرع وأحكامه أو لعناد بينهما”.

باعتماد العقل دائماً، رفضوا أيضاً التقليد ما دامت البراهين المتوارثة لا تتفق والعقل الإنساني… تعاطفوا مع من لا يستطيع أن يترك ديناً أو مذهباً، لأنهم كانوا متفهّمين أن ينشأ الفرد وسط دين آبائيّ لا يستطيع إدراك بطلانه. [15]

إخوان الصفا، إذن، لم يجافوا الشّريعة كما ذهب الفقهاء، ولم يكرّسوا “العقل المستقيل” كما وصفهم الخصوم…

بالعكس، كانت نظرتهم للعقل متقدمة في الوقت الذي صدرت فيه “الرّسائل”، وكان اعتمادهم على الشّريعة واضحاً، فضلاً عن كونهم تمكنوا، فعلياً، من رفع الطّلاق بين الدين والفلسفة؛ وهو الطلاق الذي ساد بفعل النّقل في التعامل مع الشّرع.

لكن، يبقى السّؤال مع ذلك: هل فعلاً يخلو عمل إخوان الصّفا، ودعوتهم السّرية، من أيّة إيديولوجيا؟

الإجابة مع حسين مروة في الجزء الثّالث من هذا الملف.

الهوامش:

[1] معصوم فؤاد، إخوان الصفا، فلسفتهم وغايتهم، دار المدى للثقافة والنشر، 1998.

[2] نفسه.

[3] نفسه.

[4] نفسه.

[5] إسماعيل محمود، إخوان الصفا، رواد التنوير في الفكر العربي، عامر للطباعة والنشر، 1996.

[6] نفسه.

[7] نفسه.

[8] نفسه.

[9] نفسه.

[10] نفسه.

[11] مروة حسين، النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية (المجلد الثالث)، دار الفارابي، 2002.

[12] نفسه.

[13] نفسه.

[14] نفسه.

[15] نفسه.

مقالات قد تثير اهتمامك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *