×
×

ما بعد السقيفة… إقصاء علي بن أبي طالب وتهميش آل البيت والأنصار

لم يكن من قبيل المصادفة غياب “الأنصار وآل البيت” عن لائحة الولاة في خلافتي أبي بكر وعمر، وحضورهم في لائحة الولاة في عهد علي بن أبي طالب.
في خلافتي أبي بكر وعمر، لم تطل التعيينات لمناصب الولاة صفوف الأنصار وآل البيت. والملفت للنظر أن عمر، وعلى كثرة ولاته في مختلف أصقاع الدولة الإسلامية، والبالغ عددهم ثلاثون واليا، وطيلة العشر سنوات التي قضاها في الخلافة، لا نجده عين واليا من الأنصار سوى عمير بن سعد الأوسي الأنصاري.

الزمان: القرن الأول الهجري

المكان: سقيفة بني ساعدة

الحدث: اختيار خليفة للمسلمين

الشخصيات: أبو بكر، عمر، أبو عبيدة بن الجراح، سعد بن عبادة، علي بن أبي طالب، قبيلتا الأوس والخزرج.

… لاشك أن التاريخ الإسلامي ما يزال يضج بمجموعة من الأحداث، التي تنتظر من ينقب فيها وينبش التراب عنها، من أجل تصحيح الواقع الآني واستشراف المستقبل المجهول.

من بين تلك الأحداث، حادثة السقيفة المشهورة في أوساط المؤرخين وأهل الحديث على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم. الفترة التي خلقت لغطا بين المؤرخين وبين من حضروها أنفسهم، لكن المثير أكثر… هو ما بعد هذه الحادثة.

قبل الخوض في الحدث، نستعرض جانبا من حادثة سقيفة بني ساعدة.

بعد وفاة النبي، اجتمع الأنصار: “الأوس والخزرج” في سقيفة بني ساعدة ليبايعوا سعد بن عبادة.

قالوا: منا أمير ومنكم أمير.

فقال أبو بكر: منا الأمراء ومنكم الوزراء. وإني رضيت لكم أحد هذين الرجلين (يقصد عمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح) لتبايعوه.

فقالت الأنصار أو بعض اﻷنصار: لا نبايع إلا عليا.

وقال الزبير: لا أغمد سيفا حتى يبايع علي.

إذا نظرنا في الجانب الآخر، أي خلافة علي بن أبي طالب، نجد أن الولاة من الأنصار وآل البيت، كان لهم نصيب من التعيينات يصل إلى 11 واليا من أصل 23 واليا، ومنهم 7 ولاة من الأنصار

كان علي والعباس حينها في تجهيز النبي ومباشرة أمور تغسيله ودفنه. والسؤال: كيف لم يتم استدعاؤهما لحدث بارز كهذا وهما من هما؟ ولعل هذا ما يفسر تخلفهما عن البيعة.

قال ابن الأثير في الكامل: وتخلف علي وبنو هاشم والزبير وطلحة عن البيعة، وقال الزهري: بقي علي وبنو هاشم والزبير ستة أشهر لم يبايعوا أبا بكر حتى ماتت فاطمة. وهنا سؤال آخر: هل كان لفاطمة يد في عدم مبايعة علي لأبي بكر، خاصة بعد ما حدث معه ومعها هي أيضا حين حرمت من ميراث أبيها ؟!

على العموم … كان هذا الإقصاء الأول لعلي من الخلافة.

الشاهد… أن الأصوات ارتفعت وكثر اللغط بين القوم، إلى أن أخذ عمر بيد أبي بكر وبسطها فبايعه، وبايعه الأوس أولا من الأنصار. في هذه اللحظة، اتقدت العصبية القبلية الأولى لتغلب الكفة لصالح أبي بكر؛ فقال بعضهم لبعض، وفيهم أسيد بن حضير وكان نقيبا: والله لئن وليتها الخزرج مرة لازالت لهم عليكم بذلك الفضيلة ولا جعلوا لكم فيها نصيبا أبدا، فقوموا فبايعوا أبا بكر. فكانت بذلك بيعة أبي بكر نكاية في الخزرج لا حبًّا في الرجل، وكانت فلتة كما وصفها عمر.

ثم بعد هذا، تحول سعد بن عبادة إلى داره فبقي أياما وأرسل إليه ليبايع فقال: لا والله! فلم يبايع إلى أن تم قتله غيلة في ملابسات غامضة لا مجال للحديث عنها في هذه السطور.

هنا، بدأ مجرى الأحداث السياسية في التغير. تولى أبوبكر الخلافة ولم يحاول تغيير الكثير على ما كان من العهد النبوي، وكانت لائحة الولاة في عهده على شاكلتها في العهد السابق، وإن لامستها بعض التعديلات في التعيينات، فهي لم تطل الأنصار وآل البيت، بل اقتصرت على  بعض فروع القرشيين.

ثم… بعد أن نزل بأبي بكر الموت، دعا عثمان بن عفان وكتب بالخلافة لعمر دون حضور علي بن أبي طالب مرة أخرى، وخرج على الناس في المسجد وأخذ منهم البيعة لعمر، ولم يكن بينهم علي ولا من ذكرنا سابقا… ولعل هذا هو… الإقصاء الثاني لعلي من الخلافة.

تولى عمر بن الخطاب الأمر بعد أبي بكر، وباشر تعيين الولاة هنا وهناك في أطراف الدولة الإسلامية، فلم تطل تلك التعيينات الأنصار وآل البيت، إنما اقتصرت على الفروع الأخرى من قريش.

طيلة العشر سنوات التي قضاها عمر في الخلافة، لا نجده عين واليا من الأنصار سوى عمير بن سعد الأوسي الأنصاري، مع التسطير على “الأوسي”. علما أن الأوس خالفوا الخزرج وبايعوا أبا بكر وبعده عمر، على عكس الخزرج الذين ظلُّوا بعيدين، إضافة إلى الغياب التام لآل البيت في تعيينات الولاة، وحضور بارز للأمويين في كل فترات مدة الخلافة، إلى أن تسلموا مقاليد الأمور بأنفسهم.

… بعد هذه الجولة القصيرة في دهاليز حادثة السقيفة، نشير إلى أنه لم يكن من قبيل المصادفة غياب “الأنصار وآل البيت” عن لائحة الولاة في خلافتي أبي بكر وعمر، وحضورهم في لائحة الولاة في عهد علي بن أبي طالب. ولنراجع معا اللوائح المتضمنة للولاة في الفترات المذكورة:

– لائحة الولاة في عهد أبي بكر:

●  عتاب بن أسيد الأموي، عثمان بن أبي العاص الثقفي، العلاء بن الحضرمي، حذيفة بن محصن الأزدي، سمرة بن عمرو التميمي، المهاجر بن أبي أمية المخزومي، جرير بن عبد الله البجلي .

– ﻻئحة الولاة في عهد عمر بن الخطاب:

● محرز بن حارثة، قنفذ بن عمير التميمي، عثمان بن أبي العاص الثقفي، العلاء بن الحضرمي، نافع بن الحارث الخزاعي، سفيان بن عبد الله الثقفي، خالد بن العاص المخزومي، عياش بن أبي ثور، قدامة بن مظعون، أبو هريرة، عمرو بن العاص، يعلى بن أمية الثقفي، عبد الله بن ربيعة المخزومي، يزيد بن أبي سفيان، معاوية بن أبي سفيان، شرحبيل بن أبي سفيان، عياض بن غنم الفهري، سعيد بن عامر الجمحي،  عمير بن سعد الأنصاري، أبو عبيدة بن مسعود الثقفي، سعد بن أبي وقاص، شريح بن عامر، عتبة بن غزوان، المغيرة بن شعبة الثقفي، أبو موسى اﻷشعري، عمار بن ياسر، حذيفة بن اليمان، سلمان الفارسي، عتبة بن فرقد السلمي .

– لائحة الولاة في عهد علي بن أبي طالب:

● الحارث بن ربعي، قثم بن العباس، أبو أمامة سهل بن حنيف الأنصاري، تمام بن العباس، أبو أيوب الأنصاري، النعمان بن العجلان الأنصاري، عبيد الله بن العباس، عمر بن أبي سلمة النخزومي، قدامة بن العجلان الأنصاري، سعيد بن سعد بن عبادة الأنصاري، الأشتر النخعي، قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري، محمد بن أبي بكر، عثمان بن حنيف الأنصاري، عبد الله بن العباس، أبو الأسود الدؤلي، زياد بن أبيه الأموي، عبد الرحمن بن أبزى، جعدة بن هبيرة المخزومي، عبد الرحمن الطائي، ربعي العنبري، الأشعت بن قيس، سعيد بن سارية الخزاعي .

من الملاحظ أنه، في خلافتي أبي بكر وعمر، لم تطل التعيينات لمناصب الولاة صفوف الأنصار وآل البيت. والملفت للنظر أن عمر، وعلى كثرة ولاته في مختلف أصقاع الدولة الإسلامية، والبالغ عددهم ثلاثون واليا، وطيلة العشر سنوات التي قضاها في الخلافة، لا نجده عين واليا من الأنصار سوى عمير بن سعد الأوسي الأنصاري، مع التسطير على “الأوسي”. فكما ذكر آنفا، أن الأوس خالفوا الخزرج وبايعوا أبا بكر وبعده عمر، على عكس الخزرج الذين ظلُّوا بعيدين، إضافة إلى الغياب التام لآل البيت في تعيينات الولاة، وحضور بارز للأمويين في كل فترات مدة الخلافة، إلى أن تسلموا مقاليد الأمور بأنفسهم.

هذا نرده إلى أمرين اثنين:

1ــ  إما أن الأنصار وآل البيت كانوا ينأون بأنفسهم عن ذلك بسبب الخلافات السياسة.

2ــ  إما أن عمر بن الخطاب كان يخشى تولية الأنصار وآل البيت، فيلتف حولهم الناس ويطالبوا بخلافة علي.

تولى أبوبكر الخلافة ولم يحاول تغيير الكثير على ما كان من العهد النبوي، وكانت لائحة الولاة في عهده على شاكلتها في العهد السابق، وإن لامستها بعض التعديلات في التعيينات، فهي لم تطل الأنصار وآل البيت،  بل اقتصرت على  بعض فروع القرشيين.

المهم أنه، إذا نظرنا في الجانب الآخر، أي خلافة علي بن أبي طالب، نجد أن الولاة من الأنصار وآل البيت، كان لهم نصيب من التعيينات يصل إلى 11 واليا من أصل 23 واليا، ومنهم 7 ولاة من الأنصار وهم:

أبو أيوب الخزرجي الأنصاري، النعمان بن العجلان الخزرجي الأنصاري، أبو أمامة سهل الأوسي الأنصاري، قدامة بن العجلان الخزرجي الأنصاري، سعيد بن سعد بن عبادة الخزرجي الأنصاري، قيس بن سعد بن عبادة الخزرجي الأنصاري، عثمان بن حنيف الأنصاري.

نجد إذن أن الخزرج قد آووا إلى علي بن أبي طالب وآواهم إليه، وولاهم الأمصار، حتى أن ابني سعد بن عبادة، كانا من ولاته بعد الإهانة التي تعرض لها والدهما في حادثة السقيفة، ما جعله لم يبايع إلى أن قتل.

ثم إننا نجد 4 ولاة من آل البيت وهم:

قثم بن العباس، تمام بن العباس، عبيد الله بن العباس، عبد الله بن العباس، وهم أبناء العباس بن عبد المطلب عم علي، والحليف الأساسي له في كل الأطوار والأحداث؛ حتى أنه يوم أن اشتد الأمر على نبي الإسلام، نصح العباس عليا بأن يسأله أن يكون الأمر فيهم. لكن عليا رفض على أساس أنه إن منعها عنهم لن يعطيها الناس لهم. ولعل هذا ضمنيا يحمل في طياته أمل علي والعباس في أن تكون الخلافة في بني هاشم، لكن تم الاستلاء عليها من لدن آخرين.

 

مقالات قد تثير اهتمامك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *