×
×

الترجمة الأدبية في المغرب… تهافت الترجمات الهاوية! 2\2

بات من الممكن القول، بدون تردّد بأن عددا كبيرا ممن يترجمون الأعمال الأدبية العالمية في بلادنا يقومون بذلك من باب الهِواية. معظم “المترجمين” لم يتلقّوا تكويناً، ولا خبروا نظرّيات ترجمية، ولا هم اطّلعوا على تَرجمات مقارنة عربيا وعالميا، قديما وحديثا…

رأينا في الجزء الأول أنّ التّرجمة مُمكنة وغير ممكنة في الآن ذاته، في حدود “الخيانة” التي تجعل المترجم يدخل في علاقة حوار مع النص الذي يود ترجمته لتفكيكه وخلخَلة بنياته، ومن ثمّة محاولة النّسج على مِنواله.

في هذا الجزء الثاني، نرصد وجهة نظر باحثين في الترجمة، وطبيعة هذه العملية في المغرب، إزاء تسجيل ملاحظة ترجمة عمل واحد عدة مرات وبنظرات مُختلفة.

يذهبُ نفر من المترجمين المغاربة، ومنهم سعيد بنعبد الواحد، الباحث في آداب إسبانيا والبرتغال وأمريكا اللاتينية، إلى القول بأن بعض الروايات الصادرة بلغات أجنبية، والتي دخلت إلى المكتبات المغربية، ينبغي أن تُقرأ في لغتها الأصل أو في أي لغة لاتينية قريبة من الأصل كالإسبانية أو الفرنسية أو البرتغالية…

ترجمة هذه الأعمال إلى أي لغة أخرى، ليست من ذات العائلة اللغوية، تفقدها قيمةً جمالية أساسية، لها علاقة بالإبداع اللفظي الذي يميزها؛ وهذا لا يحصل بشكل مقبول إلا بين لغتين قريبتين لفظاً وبلاغةً.

أستاذ الترجمة بالكلية متعددة التخصصات بالراشيدية سعيد كريمي، يردّ على هذا الطرح قائلاً بأنّ ترجمة عمل آخر إلى العربية، ولو أن الأخيرة لا تنتسب لنفس عائلة النص الأول اللغوية، لا تطرح إشكالاً، ويمكن للمغاربة الاعتماد عليها لمطالعة الأدَب العالمي.

كريمي يفصّل لمرايانا قائلاً بأنّه لا ينبغي القفز على أنّ ثمّة اختلافٌ على مستوى البُنى التّركيبية وعلى المستوى الصّواتي وعلى مستويات لغوية أخرى. بيد أنّ المترجم يطَارد الدلالة ويطارد المعنى ويحاولُ قدر الإمكان أن ينتج نصّا يكون قريبا في نهاية المطاف من النّص الأول.

عليه، بهذا، أن يحَافظ على روح النّص الأول؛ وإلا فسيكون هناك دوما بون وشرخ بين النص الأول والنص المترجم، ذلك أنّ المترجم هو مبدع بقوة مضاعفة. إنّه يبدعُ في لغته ويبدعُ في اللّغة التي يُترجمُ منها.

المغرب… تهافت التّرجمة!

يحدثُ أن تقرأ أعمالاً ترجمت للعربية فتحسّ بأن ثمة ركاكة فجّة في الأسلوب أو انزياحاً عن المنطق السليم، فتدرك أن تلك الترجمة مهترئة لم تنجح في تقريب القارئ من قصدية الكاتب الأوّل.

حينئذٍ، يبدو واضحاً أن ذاكَ المترجم المغربيّ، إمّا متطفّل هاوٍ، لم يخبر دروب التّرجمة أكاديميًّا، بأنها صلاةٌ في محراب نصّ أوّل، أو هو استسهال لقيمة الترجمة ومكانتها كعلم قائم بذاته.

مصطفى النّحال، أستاذ جامعي باحث في التّرجمة، يعتبرُ أنه بات من الممكن القول “بدون تردّد بأن عددا كبيرا ممن يترجمون الأعمال الأدبية العالمية في بلادنا يقومون بذلك من باب الهِواية. معظم “المترجمين” لم يتلقّوا تكويناً، ولا خبروا نظرّيات ترجمية، ولا هم اطّلعوا على تَرجمات مقارنة عربيا وعالميا، قديما وحديثا”.

النحال يضيفُ، خلال تواصله مع مرايانا، أنه من الممكن أن نلتمس الأعذار لغالبيتهم، لأن المسؤولية في ذلك تعود بالأساس إلى غياب مؤسسات ومعاهد متخصّصة في التّرجمة، وإلى ضعف بنيات التّلقي واستخفاف المسؤولين ودور النشر والهيئات الثقافية بالترجمة ودورها.

كما يعودُ هذا الضّعف إلى انعدام “هيئة وصية”، بمعنى من المعاني، على حقل الترجمة، تساهمُ في حفظ حقوق المُترجمين المادية والأخلاقية، وفي التّنديد بالترجمات الرّديئة التي لا تشرّف بلادنا في جميع الحقول.

بدون مواربة، يعتقدُ الأستاذ المبرّز في التّرجمة، أنه مهما كانت قيمة هذا العذر، “فإنّ المتضرر الأول والأخير هو المشهد الثقافي الذي تعوزه بنيات حقيقية لممارسة التّرجمة تجعل الكثير من المتطفلين يبحثون عن فضاءات أخرى للبحث عن الربح”.

لعل التهافت “والتنابز الذي تشهده بلادنا، بمناسبة جائزة المغرب في الترجمة، لهو دليل ساطع على سعي البعض إلى تحويل الترجمة، التي هي فنّ رفيع وعلم دقيق، إلى “أصل تجاري”.

ما يزيد الأمر استفحالا، في نظر الباحث، هو أنّ بعض المترجمين لا اختيار لهم ولا مبرّر يقدّمونه لاختِيار هذا النّص أو ذاك. معظَمهم لا يتساءل مثلا: ما هي القِيمة المُضافة التي ستحقّقها هذه التّرجمة هُنا والآن؟

المترجم لا ينكرُ وجود بعضُ المؤسّسات العلمية، في البيضاء والرباط بالخصوص، تختار نصوصاً وكتباً بعينها للترجمة. لكنّها تختارُ في غالب الأحيان أساتذة جامعيين في تخصص الكتاب لينجزوا هذه المهمة. غالباً هؤلاء لا يلتقون مع بعضهم البعض، ولا يناقشون، ولا يتفقون على المصطلح والمعجم وسجلّ اللغة.

بالتالي تأتي الترجمة متفاوتة القيمة من فصل لآخر. الأمثلة موجودة، لكن يمكن الاكتفاء هنا بالإشارة إلى الظّاهرة بدون تسميات، يقول النحال.

هذا الوَضع غير السّليم، يردف المتخصص في الترجمة، هو الذي يفسحُ المجال، ليس فقط للتّطاول على التّرجمة بكل أصنافها، بلْ أيضاً وخصوصاً لنشر أفكَار مغلوطة من الناحية العلمية والعملية حول طبيعة الفعل التّرجمي، من حيثُ الفرق بين الأجناس التّعبيرية، والفرق بين الكلمة والمصطلح، وبين المُعجم والقاموس، وحدود الخيانة في الترجمة، إلخ.

عمل واحدٌ بأقلام كثيرة

قد نصادفُ في الأكشاك عناوين عالمية واحدة، ولكن بمترجمين متعددين. يتساءل البعضُ أحياناً، ما الجدوى من إعادة ترجمة عمل ما إذا كان قد تُرجم من قبلُ، إذا كانت الغاية هي تمكِين الناطقين بالعربية من مطالعته والتلذّذ به؟

يرى سعيد كريمي أنّه ليست ثمّة ترجمة كاملة، شاملة مانعة. وإلا، إذا قلنا بأن نصا ما تُرجم ترجمة نهائية، فإنّنا نحكمُ عليْه بالمَوت.

لذلك، في نظر كريمي، فغِنى النصّ المُترجم هُو تعدد ترجماته. عندما نترجم نصًّا معيّنًا ترجمات عديدة ولو من داخل اللغة نفسها، فمعناه أنّ هناك أفهاما وتأويلات تختلف من مترجم إلى آخر. هذا ما يعطيه أيضًا مكانة مهمّة داخل لغة التّرجمة عيْنها.

نستحضر مثلا عدة نصوص تمت ترجمتها للعربية عدّة مرّات، على غرار فن الشعر لأرسطو، والكتابات الماركسية ورونالد بارث والروائية جوليا كريستيفا. هذه الأعمال ترجمت، فبدا للترجمان أنّ هناك جوانب أغْفلت، فيُحاول آخر استِدراكها، وهذا يجعَل النصّ الأوّل حيًّا ودينامياً.

لكن، ألا يعدّ تعدد الترجمة لعمل أدبيّ إساءةً إلى النّص الأول، بقدر ما تُساهم في إثرائه وإغنائه؟

الباحث في الترجمة مصطفى النّحال، يجدُ أنّ النص الأدبي يعتبر، إن من حيث المضمون أو شكل التعبير، كائناً حيًّا، ديناميًّا، حيويا ومتطوّرا ومعناه غير قابل للنّفاذ. “كما أن النص الأدبي ملتبس بطبيعته، خلافا للتواصل اليومي الذي يعتبر في غالب الأحيان أحاديًّا”.

النحال، في حديثه لمرايانا، يرى أن النص الأدبي في الأصل يتكون من شَبكات دلالية معقّدة تجعل من تعدد القراءات، دون هدم البنيات، أمراً ممكنًا.

… من ثم، لا يمكن أن يفهم المترجم إلا إذا استند، مثله مثل أي قارئ على كل حال، إلى تجربة الحياة والقراءة، إلى معرفة متبادلة وإلى فك ترميز الإجراءات الخطابية الخاصة بالجنس الأدبي.

يظل الفهم، إذن، فعلا تأويليا ذاتيا إلى حد بعيد، كما يشرط بدوره، إلى حد كبير وعلى نطاق واسع، فهم العمل الأدبي فيما بعد من طرف الجمهور، يقول النّحال.

ختاماً، يتضح أن الترجمة ليست بالسهولة التي يعتبرها بعضُ المتقنين للغات الأجنبية. ذلك أن إتقان لغة شيء، والتأليف بها والترجمة عنها شيئا آخر تماماً، يحتاجُ إلى عدّة منهجية وخبرة أكاديمية وتجربة فذّة، لكي تنجو عملية الترجمة من وسم الهواية… التطفل أساء إلى رُوح الترجمة بشكل كبير في المغرب والبلاد الناطقة بالعربية عموماً.

لكن المغرب ظلّ يرزحُ تحت وضعه المتردي، على غرار البلدان التي لم تنل نصيبها من حظوة المعاهد والمؤسسات المتخصصة، التي ترفع حظوظ توافر المترجمين والابتعاد عن ترجمة الهواية في البلاد.

متى سيعي المغرب أهمية ذلك؟

مقالات قد تثير اهتمامك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *